رأي في بعض التعليقات على رسالة حب إلى صدام حسين(5)
بقلم: عبد الله الحوراني
اطلعت على عدد غير قليل من التعليقات التي عقب بها أصحابها على رسالتي الموجهة للرئيس صدام حسين، والتي نشرت على أكثر من موقع، وقد استوقفني من بينها تعليقان نشرا على موقع "دنيا الوطن". أحدهما لشخص ادعى أنه عراقي وسمى نفسه يوسف العراقي، والآخر عرّف نفسه بالفلسطيني الذليل في العراق.
ما لفت نظري في تعليق ذلك الذي ادعى أنه عراقي، أنه ركز هجومه وشتائمه على الأمة العربية وتاريخها، والفكرة القومية ودعاتها، وعلى الوحدة العربية، وعندما سرد تاريخ العراق وحضارته أنكر الحضارة العربية الإسلامية وإشعاعها على العالم ، وتنكر لها، - وإن كان قد تمسح بانتمائه الإسلامي -. وهذا التركيز على شتم الأمة العربية فضح طبيعة هذا اللاعراقي ودلل على هويته. فهو إما أن يكون من أصول فارسية مجوسية من القطعان التي اجتاحت العراق مع الغزو الأمريكي وراحت تعبث بكيانه، وتدمر مؤسساته، وتعمل على إلغاء هويته القومية العربية، وتنشر الفتنة المذهبية والطائفية، وتمارس قتل علمائه الذين كانوا عنوان نهضة العراق الوطنية والقومية. وقد تجاهل هذا المتمسح بالإسلام أن رسالة الله للعالمين وقرآنه جاءَت بلغة العرب، وأن الله سبحانه وتعالى اختار أمة العرب وحملها أمانة نشر رسالة الإسلام، ووصفها في كتابه العزيز بأنها خير أمة أخرجت للناس، وأنه بعث منها رسولاً عربياً لحمل هذه الرسالة. وأن رسولنا الكريم محمد (صلعم) كان يقول إذا عز العرب عز الإسلام، وإذا ذل العرب ذل الإسلام، وكان يزجر صاحبه سلمان الفارسي قائلا له: "لا تشتم العرب يا سلمان لأن من يشتمهم يشتمني". فأي إسلام تدعيه يا هذا، فالإسلام برئ منك ومن أمثالك.
وإما أن يكون من دعاة التقسيم العرقي والمذهبي لتفتيت وحدة العراق، الذي نعايش عربه بمذاهبهم الفقهية المتعددة، وأكراده، وتركمانه، وقومياته الأخرى على مدى التاريخ في وحدة كيانية استعصى بنيانها الراسخ على كل محاولات التفتيت التي مارسها ضده الغزاة والمتآمرون، والمتأمركون، والطامعون والطائفيون. وظل العراق شامخاً وأبيا تحت راية القومية العربية والعقيدة الإسلامية، وسيظل كذلك ابنا عزيزاً وقوياً وأبياً من أبناء هذه الأمة تحت راية الله أكبر التي مازالت ترفرف في سماء العراق وستبقى إلى الأبد، رغم محاولات أمثالك تمزيقها أو تغييرها وستكنس المقاومة العراقية الباسلة التي ينضوي تحت لوائها كل الوطنيين والقوميين والإسلاميين الشرفاء من أبناء العراق العظيم، تلك المقاومة التي أعد لها صدام حسين أبناء العراق البواسل من قبل الغزو....... ستكنس هذه المقاومة أمثالك من الخونة، وستعيد للعراق وجهه العربي الأصيل.
وإما أن يكون هذا اللاعراقي واللامسلم من عملاء "الموساد" الصهيوني الذين اجتاحوا أرض العراق الطاهرة مع قوات الغزو الأمريكي، هذه الأرض التي كانت - وستظل إن شاء الله - مقفلة في وجه الصهاينة عندما كان العراق - وعندما يعود إن شاء الله بعد أن يتطهر من كل الخونة - قوة عربية كبرى، ترفض الاعتراف بالكيان الصهيوني، وتشكل خطراً حقيقيا على وجوده. وهذا الموقف هو ما جعل العراق ونظامه القومي مستهدفاً من الصهيونية العالمية وراعيتها الإمبريالية الأمريكية. ولذلك فإن كل من يهاجم موقف العراق القومي ونظامه، لا بد أن يكون من عملاء الصهيونية أو ممن يقفون مع أهدافها ومخططاتها، وهذا ما رأيناه بوضوح عندما شاهدنا ذلك اللقاء الحميم والابتسامات العريضة المتبادلة بين من يسمى وزير خارجية الحكم العميل في العراق، ووزير البنية التحتية في الحكومة الإسرائيلية (بنيامين بن اليعازر) في مؤتمر البحر الميت بالأردن أخيراً.
أما ذاك الذي عرّف نفسه بالفلسطيني الذليل في العراق. فقد استفزني منذ البداية وصفه لنفسه بالذليل. فالفلسطيني هو عنوان عزة وكرامة الأمة هذه الأيام، وهو الذي يتحدى ويواجه قوى الاحتلال الصهيوني بأطفاله ونسائه وشيوخه، ويأبى الذل والمهانة ويذهب للشهادة راضياً مرضياً، وهو من يستلهم تاريخ أمته العربية وتراثها المقاوم للغزاة عبر التاريخ، وهو من ينشر بصموده ومقاومته ثقافة الصمود والتحدي بين الأجيال العربية، مقابل ثقافة الاستسلام والخنوع التي يحاول النظام الرسمي العربي وأزلامه تربية أجيال الأمة عليها.
إن إطلاق صفة الذليل على نفسك كفلسطيني لا يقبله منك أي فلسطيني، مهما كانت قسوة الظروف التي تعيشها، وعليك أن تتمثل بصمود وبطولة آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني الذين أصبحوا قدوة لكل المناضلين.
أيها الذليل: ألم تسأل نفسك من الذي يذلك الآن، ومن الذي يعتدي عليك أو يرعبك؟ أليسوا هم الغزاة وعملاؤهم وعناصر "الموساد"؟؟ ألم تسأل نفسك كيف كنت أنت وأهلك وإخوانك الفلسطينيون تعيشون في العراق في عهد صدام حسين؟ ألم تكونوا معززين مكرمين؟ مساكنكم التي تطردون منها اليوم من الذي منحكم إياها.... ومن الذي يطردكم منها اليوم؟. غذاؤكم الذي تحرمون منه اليوم.... من منحكم بطاقاتكم التموينية وسوّاكم بالعراقيين، أليس صدام حسين؟ ومن يمنعها عنكم اليوم أليسوا هم أعداء العراق والأمة وصدام حسين؟ مدارس أبنائكم وجامعاتهم وتعليمهم المجاني فيها كالعراقيين تماماً، من الذي وفره لهم؟ أليس صدام حسين، ومن يطردهم منها اليوم؟. مساواتكم بالعراقيين من حيث العمل والوظيفة والإقامة، وفي كل شيء، ألم يكن هو عهد صدام حسين؟ من الذي كان يحفظ أمنكم ويرعاكم ويصد عنكم الأذى؟ أليس هو نظام صدام حسين؟ ومن الذي ينتهك حرماتكم اليوم.... أليسوا هم الخونة والعملاء والمرتزقة؟. من الذي رعى أسر شهدائكم وجرحاكم في فلسطين.... أليس الرئيس صدام حسين؟. ألم يضح الرئيس صدام حسين بسلطته ونظامه وأبنائه دفاعاً عن قضية فلسطين؟ ألم تسمع أيها الذليل ما تردده كل الدنيا، من أن صدام حسين رفض كل الوساطات العربية والبابوية التي ساومته باسم أمريكا على التخلي عن القضية الفلسطينية ودعم مناضليها والاعتراف بـ"إسرائيل"، مقابل رفع الحصار عن العراق ووقف العدوان عليه، وإبقائه سيدا في قصره يتزلف إليه كل المسؤولين العرب، ولكنه رفض كل هذه العروض، ولذلك تآمروا عليه وحشدت له الصهيونية والإدارة الأمريكية كل قوى العدوان والعملاء لضربه وإسقاط نظامه القومي....!!! لكنه مازال يحتل عرش القلوب لدى ملايين الفلسطينيين والعرب الشرفاء.
أبعد كل هذا تستكثر أو تستهجن أن يكتب مواطن عربي فلسطيني صادق رسالة حب ووفاء إلى قائد عربي ضحى بنفسه وبأبنائه وبسلطاته، ويقبع شامخاً في أسره اليوم، من أجل مبادئه ورسالته، ومن أجل قضية الأمة فلسطين!!!
ولكن يبدو أن الأذلاء مثلك يجهلون أو يتجاهلون مثل هذه الحقائق حتى يبرروا لأنفسهم مواقفهم المتخاذلة، وتنكرهم لكل القيم والمثل.
وأحب قبل أن أختم رسالتي إليك أن أصحح لك جهلاً أوقعتك فيه ذلتك. فقد توجهت في تعليقك برسالة مضحكة للقيادة الفلسطينية تطالبها ألا تعينني في أية سفارة. وبذلك تضيف جهلاً آخر إلى جهلك. فأنت لا تعرف أنني زاهد ومترفع عن كل المناصب، وقد رفضت مناصب وزارية عرضت عليّ، وقد كنت في موقع أعلى من ذلك وتركته، حيث كنت عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واستقلت منها احتجاجاً على اتفاقات أوسلو، ويكفيني فخراً أنني أعمل مناضلاً سياسيا وفكرياً بين أبناء شعبنا وفي مخيمات اللاجئين دفاعاً عن حقوقنا الوطنية الثابتة، وفي مقدمتها حق العودة. ويشرفني، ويعزز إيماني بمبادئي ومواقفي ما أحظى به من احترام وتقدير في أوساط شعبنا الفلسطيني، وعلى المستوى العربي.
ترى هل تسهم رسالتي إليك في إنارة عقلك وبصيرتك علك تعود إلى رشدك، وتستعيد بعضاً من عزة النفس التي زرعها الله في قلوب المؤمنين.