رسـائل حـب إلى صـدام حسـين (1)

لك المجـد... ولهم العـار

بقلم: عبد الله الحوراني/مناضل ومفكر من فلسطين المحتلة

ظل لك.....

أنك لا بعت ولا اشتريت  

فقل لمن يهدم موطنك

اهدم... فقد بنيت

(خليل خوري)

 

تعودت في لقاءاتي معك، وفي رسائلي إليك، أن أخاطبك بالأخ والصديق والرفيق والرئيس. وهاأنا أكتب لك، وعنك، مخاطباً إياك بالصفات ذاتها. وقد تكون كلماتي اليوم، في ظل ظروفك الحالية، أكثر صدقاً، وأعمق معنى، وأبعد دلالة.

 فقد كنت... ولازلت، الأخ الذي لم تلده أمي، ليس لي وحدي، وإنما لكل عربي رأى فيك أخا كبيرا له، حمل هموم أمته، وآمالها، وطموح أبنائها نحو التحرر والوحدة وبناء مستقبلها العظيم.

وكنت... ولازلت الصديق لكل من آمن وصدّق برسالة هذه الأمة، وبقيت على العهد، لم تكذب أهلك، ولم تتلون أو تتبدل، ولم تنحن لغير الله.

وكنت... ولازلت رفيقاً، لكل مناضل اختار الكفاح والجهاد طريقاً، ورأى فيك عنواناً ورمزاً للصمود والتحدي يستمد منه العزم والكبرياء.

وكنت... ولازلت الرئيس الذي يجلس على عرش القلوب، وتضمه بين حناياها الضلوع، وتتوق لرؤيته العيون، وتلهج باسمه، وتهتف له ملايين الأصوات من المحيط إلى الخليج....

فلك المجد.... ولأعدائك العار.

 

1- اللقـاء الأول

حين التقيتك أول مرة، وكان ذلك عام 1961 في القاهرة. كنت وقتها في الرابعة والعشرين من عمرك، وكنتُ أكبرك بعام واحد. كنت منفياً ولاجئاً سياسياً مقيماً في القاهرة، وتدرس الحقوق في سنتك الأولى بجامعة القاهرة. وكنت قادماً من غزة لتأدية امتحاناتي الفصلية في السنة الأولى من كلية الآداب بجامعة عين شمس حين كنت منتسباً إليها، وليس طالباً نظامياً.

كان اللقاء على أساس حزبي. فأنت عضو قيادة تنظيم الحزب في القاهرة. وأنا أمين سر تنظيم حزب البعث العربي الاشتراكي في قطاع غزة. ومن خلال تنظيم القاهرة كانت تتم صلتنا بقيادة الحزب في الخارج.

لا أنسى كيف كانت تتم لقاءاتنا وأنت توفر لها كل أسباب الأمان. فالحزب ممنوع من العمل في مصر، وفي قطاع غزة الذي كان يخضع للإدارة المصرية، والخلافات، بل قل الصراعات، على أشدها بين عبد الناصر وقيادة الحزب، والاتهامات متبادلة بين الطرفين حول المسؤولية عن فشل تجربة الوحدة بين مصر وسوريا، وانفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة. وكلانا مراقب وملاحق من قبل رجال المباحث في مصر. لكنك كنت دوماً قادراً على التغلب على عقبات الزمان والمكان وتوفر الظروف الملائمة للاجتماعات، تارة بالحيلة، وأخرى بالجرأة. ومن يومها اكتشفت قدراتك التنظيمية الخلاقة. وكانت هذه أولى الصفات التي عرفتها عنك وتعلمتها منك، ولطالما تذكرتها لاحقاً، وأنا أرى وأسمع، عما تفعله وتقوم به من إجراءات وخطوات في التنظيم والقيادة على مستوى الحزب والجيش والثورة والوطن.

لم تكن هذه السمات التنظيمية والقيادية هي وحدها التي اكتشفتها فيك. بل إن ما لفت انتباهي وشدني إليك، هو إيمانك الراسخ بعظمة هذه الأمة، ووحدة قضاياها، وضرورة تحررها، ووحدة مصيرها. إيمانك بقضية فلسطين، وعروبتها، والمسؤولية القومية عن تحريرها باعتبارها قضية العرب الأساسية.

كنت أول عربي قومي غير فلسطيني ألقاه. وتحتل قضية فلسطين وشعبها حيزاً كبيراً من اهتمامه وتفكيره، كنت تسأل وتستفسر وتدقق، التاريخ والجغرافيا، أحوال الناس، قدرتهم على الصمود، استعدادهم النضالي. لم تكن تكتفي بالأسئلة، بل حدثتني طويلاً، وفي عدة لقاءات عن المكانة التي تحتلها قضية فلسطين في الفكر القومي، والدور المحرك للنضال العربي، وتوحيده، الذي يمكن أن تلعبه هذه القضية. فهي تحتل حيزاً كبيراً في وجدان المواطنين العرب في كل بلدانهم، ووعيهم بخطر الاحتلال الصهيوني لفلسطين يتزايد ويتفاعل، وقد باتوا أكثر إدراكاً وفهماً لطبيعة المشروع الصهيوني، وأهدافه العدوانية التوسعية ضد الأمة العربية وأقطارها، وتهديده للأمن القومي العربي، والثروة العربية والوحدة العربية.

من يعرف هذا الموقف المبكر لك من قضية فلسطين وأنت لا تزال ذلك الشاب اليافع الذي لم يخط بعد إلا الدرجات الدنيا من سلم حياته السياسية، يدرك المكانة التي احتلتها فلسطين في سياساتك وأهدافك ومخططاتك عندما أصبحت في موقع الرئاسة (والحديث عن ذلك سيأتي في الحلقات اللاحقة). ولا أنسى حرصك على الإشارة لمواقفك الأولى تلك، واستعادتك لها ـ مستشهداً بي ـ أثناء لقاءاتك اللاحقة بنا عندما كنت تستقبلنا وأنت رئيس جمهورية العراق، ونحن كقيادة فلسطينية (اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير). إذ كنت تؤكد للقيادة الفلسطينية أنك كنت تناضل من أجل فلسطين وأنت ذلك الشاب المطارد اللاجئ السياسي، فكيف أعذر نفسي، أو يعذرني الناس، الآن إذا تخليت عن رسالتي تجاهها وأنا في الموقع الأول من قيادة العراق بكل قدراته وإمكانياته!!

لا أقول إن هذا المفهوم للبعد القومي لقضية فلسطين كان جديداً لكن الجديد بالنسبة لي كان هو هذه الرؤية العميقة للفكرة القومية وأبعادها التحررية والوحدوية والتقدمية. فأنا لا أنكر أن ثقافتنا في قطاع غزة عموماً كانت ثقافة محدودة، فبسبب عزلة القطاع وظروفه الأمنية الصعبة، وظروف العمل السري في ظل الإدارة المصرية حيث كان العمل الحزبي ممنوعاً أو محرماً لم يتوفر للحزبيين فيه إلا النزر اليسير من أسباب الثقافة الحزبية السياسية والفكرية، باستثناء أعداد قليلة من البيانات أو القرارات أو حتى الكتب كانت تصلنا مهربة عبر المسافرين إلى القاهرة والقادمين منها. وأكاد أقول إن جزءً من تثقيف الحزبيين كان يعتمد على الأشعار الثورية والقومية للشعراء القوميين، إما سماعاً من الإذاعة السورية آنذاك، أو عبر بعض الدواوين الشعرية التي كان دخولها للقطاع أقل صعوبة، وبذلك غلب الطابع العاطفي على الطابع الفكري في ثقافتنا السياسية. وربما كان موضوع التثقيف الحزبي من أكثر الصعوبات التي واجهت تنظيم الحزب المحلي وقيادته التي كانت مضطرة لإجهاد نفسها، بحثاً عن وسائل التثقيف لتزويد الحزبيين بها، أو في الاعتماد على قدراتها الثقافية الذاتية في كتابة التعميمات والبيانات لتثقيف الحزبيين تجاه الأحداث والتطورات في الساحتين الفلسطينية والعربية، ولتحصينهم في فترة لاحقة، حين اشتدت هجمة الإعلام المصري على الحزب. ويمكن القول: إن ظاهرة الضعف الفكري كانت ظاهرة عامة في القطاع، باعتبار أن الثقافة المتاحة كانت تنحصر تقريبا في الصحف والمجلات المصرية، وإذاعة صوت العرب التي كان تأثيرها طاغياً في ذلك الوقت.

شكلت لقاءاتي بك، والنقاشات التي أدرتها معك، والأفكار والمعلومات التي سمعتها منك، والروح العالية التي تتمتع بها، والهمة الطموحة التي تحملها، زاداً معنوياً ومعرفياً كبيراً لي، كنت أحمله معي لرفاقي في القطاع فتشتد عزيمتهم ويقوى إيمانهم بمبادئهم، فيزداد ثباتهم عليها، وحماسهم لها.

جمعتنا الفكرة القومية التي آمنا بها وبأهدافها من خلال انتمائنا للبعث. كما جمعنا أمر آخر ـ ربما كان مستغربا في ذلك الوقت ـ هو موقفنا الإيجابي من جمال عبد الناصر، وحبنا له، وإيماننا بدوره، ودور مصر القيادي. فرغم الخلاف الذي كان قائما بين عبد الناصر وقيادة الحزب القومية، والانتقادات والاتهامات المتبادلة، والحملات الواسعة التي كان يشنها الإعلام المصري ـ بوسائله الصحفية والإذاعية والتليفزيونية الواسعة الانتشار ـ ضد الحزب، والتي تجاوزت كثيراً حدود الموضوعية، إلا أنك كنت ترى، وأنا معك، أن هذا الصراع سيضر بالفكرة القومية، وبوحدة دعاتها، والمناضلين في سبيلها، وسيشتت جهود الأمة، ولن يستفيد منه إلا أعداؤها. فعبد الناصر، ورغم ما يمكن أن يسجل عليه من ملاحظات وانتقادات، إلا أن إيمانه الصادق والراسخ بالفكرة القومية، والوحدة العربية، وتأثيره كقائد جماهيري، في ترسيخ فكرة العروبة والقومية في مصر، بل وتحويل هذه الفكرة إلى حالة شعبية عربية من المحيط إلى الخليج بعد أن كانت فقط فكرة لدى النخب السياسية والثقافية، وتفتقر إلى القاعدة الجماهيرية الواسعة، وموقفه الحاسم من الاستعمار والصهيونية، ودوره القوي في دفع وتطور حركة التحرر القومي العربي إلى الأمام، ودعمها، في كل من بلدان الشمال الإفريقي العربي، وفي إفريقيا عموماً، وفي الجزيرة العربية، وأقطار المشرق العربي، ومكانته البارزة في حركة التحرر العالمية، وحركة عدم الانحياز.... وثقل مصر، ووزنها الشعبي والسياسي والحضاري، ودورها التاريخي في المنطقة العربية على مر العصور... كل ذلك يجعل من عبد الناصر القائد الفعلي المؤهل لقيادة المشروع النهضوي القومي العربي الذي تطمح إليه الأمة، ويحتم وحدة أطراف وقوى الحركة القومية، ويجعل من الضروري بالتالي تجاوز كل التناقضات الثانوية بين هذه الأطراف، لتحقيق الهدف الأكبر.

أحسست لاحقاً، أن هذا الإعجاب المبكر بعبد الناصر، والإيمان بالمشروع النهضوي القومي الذي كان يحمله ويسعى إليه، ولم تمكنه القوى الاستعمارية والصهيونية والرجعية ـ بفعل تآمرها عليه ـ من الوصول إليه، فسقط دونه.... كان يسكن وجدانك ويمثل همك الأكبر، وتضعه نصب عينيك عبر كل مسيرتك النضالية، حتى وصلت إلى موقعك في قيادة العراق، فندبت نفسك لتأدية واجبك القومي في حمل رسالة الأمة، وتحقيق مشروعها التحرري النهضوي القومي، رغم ما كنت تعرفه من صعوبة المهمة، ووعورة الطريق، وكثرة الأعداء.


رسـائل حـب إلى صـدام حسـين (2)

لك المجـد ... ولهم العـار

بقلم: عـبد الله الحـوراني/مناضل وباحث من فلسطين المحتلة

لقوا القيود على القيود 

فالقيد أوهى من زنودي

لي من هوى شعبي

ومن حب الكفاح ، ومن صمودي

عزم .... تسعَّر في دمي

ناراً على الخطب الشديد .

توفيق زياد..

 

الأخ والرفيق والصديق/الرئيس صدام حسين

ليتك تدري أيها العزيز مدى ما يحتله طيفك من مساحة، وزمن، في قلوبنا وتفكيرنا، حباً فيك، وشوقاً إليك، وقلقاً عليك. وصدقني أيها الحبيب أنني ما مددت يدي إلى طعام إلا وتذكرتك كيف وماذا تأكل، فتصد النفس وتعاف طعامها وشرابها. وما أويت إلى فراش إلا وتساءَلت كيف تقر عيني أو تهجع وأنت فيما أنت فيه، فيجفوها النوم ويسهدها الأرق. وما طاف ظل ابتسامة على شفتي إلا وكتمتها وحاسبت نفسي كيف لي أن يغشاني السرور وأنت تؤسيك قيود الخونة والعملاء والمحتلين، ورؤيتهم يدنسون ثرى العراق الطهور.

وهذه ليست حالي وحدي، بل هي حال الملايين من محبيك.. الذين لا يستطيعون إيصال مشاعرهم إليك.. لكنك لو استفتيت قلبك، وقلب المؤمن دليله ـ وأنت الصادق الإيمان ـ لهداك إلى هذه المشاعر، ولأحسست بها، فيكون لك في ذلك بعض السلوى، ويكون لنا بعض العزاء.

وهنا أستذكر حكاية رويتها لك في أحد لقاءاتنا في السنوات الأخيرة ـ حين كنت تستفسرني عن أحوال أهلك في فلسطين ـ لعلها تمر في خاطرك الآن، فتدخل إلى قلبك المحزون بعض الراحة والاطمئنان.

((كانت إحدى المخرجات الأجنبيات تعد فيلما وثائقيا عن أحوال أطفال فلسطين، وتصوره في مخيمات قطاع غزة، فزارت أحد المستشفيات حيث يرقد العديد من الأطفال المرضى والجرحى. اقتربت من أحدهم ولم يكن يتجاوز العاشرة من عمره. وسألته عن حاجاته وأمنياته، لتخلق حواراً معه توثقه في فيلمها عن معاناة أطفال فلسطين واحتياجاتهم، أدهشها ما قاله الطفل حين لم يطلب لعبة أو هدية أو لباساً، أو حتى علاجاً. بل قال لها: "إن أمنيتي أن أرى صدام حسين")).

سجلت ذلك في فيلمها وهي تتساءَل: ماذا فعل لكم هذا الرجل حتى يصل حبه إلى قلوب أطفالكم العليلة، ويرون في مشاهدته شفاء لها.

ولا أنسى كيف جاشت مشاعرك، واغرورقت عيناك بالدموع، وأنت تدعو الله أن يمكنك من الوفاء لتطلعات هؤلاء الأطفال ومستقبلهم.

هكذا كنتَ يا أبا عدي في عيوننا وعيون أطفالنا، وهكذا أنت.. وهكذا ستبقى إلى الأبد، وإلى أن يخلدك التاريخ في سفر العظماء.

فلك المجد... ولأعدائك العار.

 

عودتك إلى بغداد... ورحيلي إلى المجهول

بعد لقائنا الأول، تواصلت لقاءاتنا على مدى سنتين تعززت فيهما العلاقة وتجاوزت الارتباط الحزبي، ووصلت إلى نوع من الصداقة والمحبة.

لكن هذه العلاقة الوليدة لم يكتب لها أن تتواصل وتستمر في ذلك الوقت، فقد داهمتها لحظة الفراق.. كان ذلك في ليلة قاهرية باردة من أواسط شباط (فبراير) 1963، في شقتك التي تقيم فيها في شارع عبد العزيز سعود بالمنيل. كنت تعد نفسك للعودة إلى بغداد، بعد أن تمكن الحزب من إسقاط نظام عبد الكريم قاسم، واستلام السلطة إثر قيامه بثورة الرابع عشر من رمضان (الثامن من شباط 1963). كان الحماس يملأ قلبك، والأحلام تكاد تطير بك، وشعورك بالاعتزاز والفخر لا يوصف.. فهاهي نضالات الحزب، وبطولات مناضليه وتضحياتهم ـ وأنت منهم ـ قد أثمرت، وها هي سنوات التشرد والنفي قد انتهت، وهاهي لحظة العودة إلى الوطن وبدء مرحلة البناء قد أزفت.

منذ تلك الليلة لم نلتق إلا بعد ستة عشر عاماً.. وخلال هذه السنوات الطويلة، جرت أحداث وأحداث جسام في المنطقة عموماً وفي العراق وفلسطين، وكما يقال "سالت مياه كثيرة في نهر الحياة العربية"، أو بالأحرى سالت دماء كثيرة، وليس هذا مجال سردها أو ذكرها.

أما على الصعيد الشخصي، فكل ما عرفته عنك ـ وبالسماع فقط، لأننا لم نلتق ـ أنك، بعد الانقلاب على حكم الحزب في العراق في الثامن عشر من تشرين الثاني عام 1963، وما جرى من خلافات وانقسامات داخل الحزب على المستوى القطري العراقي، والمستوى القومي، عدت إلى حياة العمل السري، وأوكلت لك، ولعدد من رفاقك الذين استمروا معك لاحقاً، مهمة إعادة تنظيم الحزب، واستعادته لدوره النضالي في حياة العراق.. وأنك نتيجة لذلك، تعرضت لحياة الاعتقال والهرب والتخفي، حتى نجحت جهودك ورفاقك في إعادة الحزب إلى دوره القيادي في العراق، وتمكينه من استلام السلطة من خلال ثورة 17 – 30 من تموز (يوليو) 1968، وتوليت موقع نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ونائب رئيس الجمهورية.

وأنا هنا أعتذر لك لأنني اختصر هذه المرحلة الخصبة والصعبة من تاريخك وتاريخ العراق في رواية لا تتجاوز السطور.. وعذري هو أنني لا أعرفها بتفاصيلها الدقيقة، لأنني لم أشارك فيها، ولم أعرف منك ما جرى خلالها.. ولأني لا أقوم هنا بدور المؤرخ لسيرتك ولمسيرة العراق، وهناك من هو أقدر مني على ذلك.. وأنا في هذه الرسالة التي أوجهها إليك لا أفعل أكثر من نقل مشاعر وأحاسيس صادقة أحملها لك كما يحملها ملايين غيري . مشاعر ولدتها عندي مواقفك الوطنية والقومية التي عرفتها منك وفيك عن قرب.

كما يشفع لي أن هذه الفترة ذاتها كانت مرحلة عاصفة في حياتي، وألقت بي دروب المنفى فيها إلى مسالك وعرة.. فقد عدت أنت إلى أرضك وبلدك.. أما أنا فكانت أرضي مغتصبة، والجزء الصغير المتبقي من بلدي المسمى قطاع غزة لم نكن نملك فيه حريتنا واستقلالنا.. (ولا أريد أن أدخل في تفاصيل ما جرى معي خلال تلك السنوات التي انقطعتها عنك، لأن هذا ليس مجاله) لكني أختصر فأقول: إنه لم تكد تمضي سبعة شهور على وداعنا في القاهرة حتى أبعدت أنا وعائلتي، تحت الحراسة، مطروداً من القطاع إلى المجهول.. وكان المجهول هذا هو إمارة دبي التي كانت وقتها تحت الانتداب البريطاني.. ولم يطل بي لمقام، حيث اعتقلت وأبعدت بعد أقل من عامين، واستقر بي المقام في دمشق.. وكانت لي هناك تجربة فيها حلوها ومرها، وانتهت بتركي الحزب أواخر عام 1967، والتحاقي بعد فترة بمنظمة التحرير الفلسطينية..

 

تجدد اللقاء عام 1979

عقد في بغداد في ربيع ذلك العام مؤتمر وزراء الإعلام العرب وكنت حينها نائبا لرئيس دائرة الإعلام والثقافة في منظمة التحرير، ورئيساً لوفد فلسطين في المؤتمر.. أما أنت فكنت من أنت.. نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة، ولرئيس الجمهورية، والقائد الذي يتحدث عنه الجميع، شخصية بارزة، ومكانة مرموقة، ودوراً فاعلاً ومؤثراً.. والعراق في عنفوانه قوة، وثروة، واستقراراً، وبناءً، وتطلعاً نحو المستقبل العربي الموعود..

في أعقاب إحدى الجلسات المسائية لمؤتمر وزراء الإعلام العرب أبلغ الوزراء ورؤساء الوفود بأن هناك مسؤولاً كبيراً سيزورهم للترحيب بهم.. ونقلنا إلى صالون فسيح له شكل المستطيل، وجلسنا في انتظار الزائر.

كان اهتمام المضيفين والمرافقين بالترتيبات والنظام، وحركتهم الدائمة، والاتصالات التي يجرونها عبر أجهزتهم اللاسلكية، توحي بأهمية الزائر ومكانته العالية، مما يوحي بأن القادم هو رئيس الجمهورية.. وفجأةً كان دخولك بقوامك الفاره الرشيق، وأناقتك المعهودة، وعباءَة عربية سوداء ملقاة على كتفك.. كان مكاني في منتصف الوزراء ورؤساء الوفود تقريباً. وحين بدأت مصافحة الضيوف والترحيب بهم، راحت مخيلتي تتساءَل: ترى هل يتذكرني؟ أم أن سنوات البعاد الطويلة، والأحداث والتغيرات الهامة التي شهدتها، والمسؤوليات الجسام التي يتولاها، قد تكون أنسته ما كان بيننا في ذلك العهد البعيد؟ ولم أخرج من هذه التساؤلات إلا حين ضمتني ذراعاك معانقاً إياي وحدي من بين كل الضيوف، مؤهلاً بي ومرحباً بلهجتك العراقية الجميلة هلا عبد الله، هلا أبو نجم.. (وهذا اللقب لا يقترن باسم عبد الله إلا لدى العراقيين). عندها أدركت أن الوفاء للمناضلين هي من شيمك العربية الأصيلة.. ولم تكتف بما خصصتني به من ترحيب متميز، إذ بعد أن انتهيت من مصافحة بقية الضيوف، التفت نحوي وأمسكت بيدي وأنت تسير مع ضيوفك نحو مائدة العشاء التي أعدت لهم، وحرصت أن تجلسني إلى جانبك على المائدة ليتواصل بيننا الحديث.

ونظراً لأهمية ذلك الحديث، الذي برزت أثاره ونتائجه على مدى سنوات طويلة، امتدت منذ ذلك الوقت حتى اليوم حيث أصبحت أكثر وضوحاً، أرى أن أقدم له بعرض صورة الأفكار التي كنت أحملها في ذلك الوقت.

كان الكثير من أصحاب الفكر القومي، أمثالي، وبخاصة أولئك الذين لم يعودوا ينضوون تحت إطار تنظيمي قومي، نظراً لفشل تجربتهم مع أحزابهم، قد استهوتهم الأفكار الماركسية والتقدمية، وتعززت علاقاتهم مع الأحزاب الشيوعية واليسارية العربية، وأصبحت رؤية هذه الأحزاب وأحكامها تشكل مصدراً هاماً في تقييماتنا الفكرية والسياسية لمواقف الأنظمة العربية، ولها تأثير هام حتى في أحكامنا على تجربتنا مع أحزابنا القومية، وقد تكون تجربة الحزب ونظامه في العراق، هي أكثر التجارب التي تعرضت لأحكامنا القاسية. وقد عزز هذه الأحكام عاملان أولهما: أن ما كان يجري في العراق من نمو وتطور وإنجازات كان غائباً عنا ولا يصلنا منه شيء، خاصة نحن المقيمين والعاملين بين دمشق وبيروت. وإذا وصل منه شيء يصل مشوهاً، وينقله أناس غير أمناء ولهم أغراضهم الخاصة (وبالطبع لم نكن وقتها نعي هذا التشويه). وثانيهما: أن بيروت ودمشق كانتا تعجان بالعديد من العراقيين الذين قيل إنهم "هاربون من بطش النظام في العراق".. وكلهم من قيادات وكوادر وعناصر الحزب الشيوعي العراقي. ووقتها استوعبت منظمة التحرير الفلسطينية، وفصائلها العديد منهم في مؤسساتها الإعلامية والثقافية، وقدمت مساعدات مالية كبيرة لأعداد أخرى منهم.

وكان لدائرة الإعلام والثقافة التي أتولى، تقريبا، مسؤوليتها الأولى حصة غير قليلة من هذه العناصر في مجال الفنون والثقافة. وقد ساهم هؤلاء جميعا في تكوين فكرة سلبية قاسية، لدي، ولدى غيري، عما يجري في العراق.

لم ندقق حينها فيما كان يقال لنا، بل أخذناه ـ للأسف الشديد ـ كمسلمات.

كما يهمني هنا أن أشير إلى تحوط آخر فاتنا التدقيق فيه. إذ ربما لو تنبهنا له وقته، لما وقعنا في خطأ تلك الأحكام التي تبنيناها، ولكنا فهمنا في وقت مبكر، جانباً كبيراً مما يجري في العراق الآن وطبيعة الذين تعاونوا مع العدوان الأنغلو ـ أمريكي الصهيوني على العراق، ويشكلون اليوم جزءً من أدوات احتلاله. فلأننا قوميون منفتحون على كل القوميات والمذاهب، لم نتوقف ولم نسأل عن أي انتماءات قومية أو مذهبية أخرى يخفيها هؤلاء تحت غطاء انتمائهم الحزبي، ولم نكن نعرف أن اعتناقهم الماركسية لسنوات طويلة لم يخفف من غلوائهم القومي والمذهبي.

على خلفية هذه الأفكار المشوشة في ذهني بدأت حديثي معك. وأعترف أني كنت غير لبق عندما بادرتك بالقول: إن ما يجري في العراق غير مفهوم، وغير مقبول. وبحس القائد الذي يدرك طبيعة محدثه، والبيئة المحيطة به، والمؤثرات التي قد يكون خضع لها، أدركت ما أعنيه بقولي، فجاء جوابك فورياً ومباشراً: "إنهم لا يريدون أن يخرجوا من الجبهة الوطنية، ونحن ليست لدينا رغبة أو نية في إخراجهم". وكان واضحاً من الجواب أن المقصود بذلك هو الحزب الشيوعي العراقي، وعضويته في الجبهة الوطنية التي تضم العديد من الأحزاب الوطنية والقومية والكردية في العراق. ثم استرسلت في الحديث قائلا: إننا لم نقص أي واحد من قياداتهم أو كوادرهم أو أعضائهم من موقعه أو وظيفته، ولكنهم اختاروا الخروج بهذه الأعداد الكبيرة التي باتت تملأ شوارع دمشق وبيروت وعواصم البلدان الاشتراكية، ولا هم لهم إلا انتقاد الحكم في العراق والتحريض عليه، وهذا دليل على أنهم ربما كانوا يخططون لشيء ويخشون انكشاف أمرهم، وأنهم أصدروا تعليماتهم لعناصرهم بمغادرة العراق دون أن يكون أحدهم مطلوباً أو مطارداً. ثم سألتني ألم تدقق في الهوية القومية لمعظم تلك الشخصيات القيادية منهم التي التقيتها؟، ألم تلاحظ أن أطروحاتهم تركز على الاضطهاد القومي العربي لإخواننا الأكراد؟ ألم تتحسس نفساً طائفياً مصطنعاً في أحاديثهم، في الوقت الذي يفخر العراق بوحدته الوطنية والقومية، وبانتمائه العربي الذي تنصهر فيه وتؤمن به، كل المذاهب والطوائف، ولا تسمح لأي انتماء بأن يعلو عليه؟. فاجأتني هذه التساؤلات، فساءَلت نفسي كيف لم انتبه لهذه التفاصيل والخلفيات!!! فأجابتني أنها جديدة عليها وعليَّ...

كان العشاء قد انتهى، وحين ودعت ضيوفك استبقيتني لإكمال الحديث، ومضيت فيه قائلاً: ماذا يريد هؤلاء؟ إن كانوا تقدميين حقيقيين، فقد حقق العراق على طريق التقدم والتطور والإصلاح، والارتقاء بمستوى المواطن العراقي الصحي والتعليمي والدخل الفردي ما لم يتحقق لأي مواطن في العالم العربي والعالم الثالث، بل وربما في بعض بلدان العالم المتقدم.

لقد كان لنا شرف السبق، في الوطن العربي والعالم الثالث، في تأميم النفط، وكان ذلك في وقت مبكر من استلامنا الحكم (عام 1972). وأوقفنا النهب الاستعماري لثروتنا الوطنية، وارتفع الإيراد النفطي العراقي من حوالي 850 مليون دولار في السنة قبل التأميم إلى ما يقرب 25 مليار دولار سنويا الآن. وأقمنا من المشاريع التنموية والصناعية ما مكننا من استيعاب كل عراقي قادر على العمل في إطار هذه المشاريع الإنتاجية، وارتفع دخل الفرد العراقي الآن إلى ما يفوق دخل المواطن في دول الخليج المجاورة ذات المدخول النفطي الهائل والعدد السكاني المحدود. وأقمنا نظاماً تعليميا متقدماً حصل من خلاله الطالب العراقي وفي كل مراحل التعليم على كل مقومات المعرفة والنجاح من حيث المناهج المتطورة، والمختبرات العلمية، وحتى الغذاء والكساء، وتأهيل المدرسين. مما دفع بالمنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) إلى الاعتراف بالمستوى المتقدم لهذا النظام الذي يرتقي إلى مستوى أنظمة التعليم في دول أوروبية. وها قد بدأنا في جني ثمار ذلك أجيالاً من المتخصصين العراقيين في مختلف المجالات العلمية التخطيطية والتطبيقية. ولمزيد من التقدم، أولينا قضايا البحث العلمي اهتماماً خاصاً، بحيث وضعنا بتصرف مراكز البحث ما يقارب الـ 500 مليون دولار سنوياً، وهو ما يشكل عشرات أضعاف ـ إن لم يكن أكثر ـ ما يخصص للبحث العلمي في كل الدول العربية مجتمعة، ويفوق ما يخصص لهذا الغرض في العديد من بلدان العالم المتقدم.

كنت أستمع إليك في ذهول، مبهوراً بالمعلومات والإنجازات التي أسمعها وأعرف عنها لأول مرة، وبالتفاصيل والأرقام التي توردها، وبالحماس الذي يملؤك وأنت تتحدث عنها، مما عزز لدي ما كنت أعرفه ومازلت أتذكره عن سماتك القيادية. وها أنا أتأكد أن هذه السمات لا تقف عند الجوانب النضالية السياسية، بل تتكشف لي قدراتك على التخطيط والبناء والمتابعة، وأنك بالفعل بدأت، وخطوت خطوات متقدمة، في التأسيس للمشروع النهضوي القومي العربي الذي تؤمن به، والذي سيكون العراق منطلقاً له.

كأنك أدركت معنى انتباهي وما أفكر فيه، فواصلت حديثك.. ولم يفتنا تعليم الكبار، فوضعنا برنامجاً شاملاً لمحو الأمية منذ أوائل السبعينات، سخرنا له إمكانيات كبيرة، وأشركنا فيه كل مؤسسات الدولة المعنية، ونحن نقترب اليوم من القضاء نهائيا على الأمية، وهو ما أثنت عليه منظمة اليونسكو، واعتبرته نموذجاً يمكن أن يحتذى في كل الدول النامية.

أما نظامنا الصحي الذي وضعناه فهو أيضاً من أرقى الأنظمة، وأكثرها خدمة للمواطنين، من حيث مجانية العلاج، وتوفير الدواء عن طريق تصنيعه بالدرجة الأولى، وبناء المستشفيات وتجهيزها، وتأهيل أجيال من الأخصائيين في كل فروع الطب، بدءً من إعدادهم في كليات الطب الوطنية إلى توفير كل وسائل البحث والمختبرات لهم محلياً، إلى إرسالهم للتخصص في أرقى جامعات ومستشفيات العالم.

وفي مجالي الصناعة والزراعة، وضعنا خططنا على أساس أن نصنع وننتج كل احتياجاتنا، وأن نحقق الاكتفاء الذاتي في كل المجالات، ونحن نتخذ من تجربتي اليابان وألمانيا مثلاً نضعه نصب أعيننا، دون أن نعتمد على مشاريع ومعونات أمريكية كتلك التي رصدت في أعقاب الحرب العالمية الثانية لتنمية تينك البلدين، بل سنعتمد إن شاء الله على ثرواتنا الوطنية وتنميتها. ولذلك بدأنا التأسيس لهذه النهضة الصناعية، والزراعية لاحقاً بإعداد أجيال من العلماء والاختصاصين والفنيين.

وقد أدهشتني حين أضفت إن دقة التخطيط والتحضير لهذا الهدف وصلت إلى حد أن مشاريع الدراسات العليا للماجستير والدكتوراه في مختلف المجالات العلمية والتقنية لا تتم جزافا، ولا تترك لاختيارات أصحابها، وإنما هناك لجنة فنية عليا من مختلف وزارات الدولة هي التي تحدد نوع البحث والدراسة، وفق حاجة الدولة لتطوير هذا الجانب أو ذاك من فروع المعرفة.

وفي مجال الثقافة والإبداعات الفنية، وإحياء تراث العراق وتطويره، والتنقيب عن آثاره، ورعايتها، يشهد العراق نهضة لم يعرفها منذ العصر العباسي في أيام زهوه.

وأختم ذكرياتي عن تلك الليلة، بحديثك عن اتفاق الحكم الذاتي لمنطقة كردستان العراق الذي بدأ تطبيقه منذ عام 1975. قلت لي إنك كنت تعرف أن ذلك سيستفز جيران العراق الإقليميين في تركيا وإيران، وسيزيد من تآمرهم.. فحين يتمتع أكراد العراق بكامل حقوقهم الثقافية والقومية من اعتماد لغتهم كلغة قومية رسمية ثانية في العراق، وتنشأ لهم جامعاتهم الخاصة، ومحطاتهم الإذاعية والتليفزيونية، وصحفهم، ومجلاتهم ودورهم الثقافية، ومعاهد الاختصاص بتراثهم، وتوضع خطط التنمية لمناطقهم كباقي مناطق العراق.. ولهم حكومتهم الإقليمية وبرلمانهم التي تدير شؤونهم، بالإضافة إلى حصتهم في الحكومة والبرلمان المركزيين، بما في ذلك منصب نائب رئيس الجمهورية... فإن كل ذلك سيعتبر في نظر الجارين الشمالي والشرقي تحفيزا لأكراد تركيا وإيران للمطالبة بمثل هذه الحقوق التي يحرمون من أي منها في بلدانهم، ويعاقبون على مجرد التحدث بلغتهم.

لكن كل هذه المخاطر المتوقعة لم تمنعك من الإقدام على هذه الخطوة التي اعتبرت نقلة نوعية في تاريخ المنطقة العربية والإقليمية، وتعبيراً جديداً عن مفاهيم الوحدة الوطنية داخل كل قطر. وأعطت بعداً تقدمياً للقومية العربية منفتحا على القوميات الأخرى، ردت به على كل المشككين بها، ومتهميها بالانغلاق والشوفينية.

حين ودعتك تلك الليلة يا أبا عدي لم أنم.. فرحاً وزهواً بما سمعت، وأملاً بمستقبل عربي مشرق ترسى لبناته في العراق.. وخوفاً عليك وعلى العراق.. لأن هذا الذي حدثتني عنه، والذي تمضي على طريقه بكل العزم والإصرار والإيمان الذي تحمله، كفيل بأن يحشد كل أعداء العراق والأمة الإقليميين والدوليين لإجهاضه. وقد تبين لاحقاً أن تلك الحملات التحريضية المبكرة التي يشنها أولئك "الخارجون على العراق"، وتفتح لهم أبواب العواصم الإقليمية، العربية منها وغير العربية، والعواصم الغربية، إلا مقدمات لما جرى للعراق وضده منذ أوائل الثمانينات حتى اليوم.

لكن النبت الطيب الذي زرعته، أيها الحبيب، في تربة العراق، وفي أرض هذه الأمة طيلة تلك السنوات، قد ضربت جذوره عميقاً في هذه الأرض الطيبة، ولن يستطيع كل أعداء وعملاء الداخل والخارج أن يقتلعوه، وهاهو يورق ويزهر من جديد في أرض الرافدين، وعما قريب، إن شاء الله، ستنضج ثماره.

فلك المجد يا أبا عدي... ولأعدائك العار.