بسم الله الرحمن الرحيم

حزب البعث العربي الاشتراكي                                                          أمة عربية واحدة

      القيادة القومية                                                                       ذات رسالة خالدة

وحدة – حرية – اشتراكية

  

بيان القيادة القومية في ذكرى جريمة ملجأ العامرية

ستبقى جريمة ملجأ العامرية رمزاً لوحشية الاستعمار

يا جماهير أمتنا العربية

في مثل هذا اليوم 12/2/ من عام 1991 وقعت جريمة ملجأ العامرية، التي روعت العالم بأسره، بسبب ما انطوت عليه من عقلية إجرامية محترفة خططت لحرق مدنيين في أبشع هولوكوست معاصرة، أدت إلى تذويب وتفحيم أجساد (407) طفلاً وامرأة وشيخاً، أرادوا التخلص من موت قنابل أمريكا المتساقطة من الجو، بالاختباء في ملجأ مدني فوجدوا الموت المخطط ينتظرهم هناك.

أيها المناضلون أيها الأحرار في كل مكان

ورغم إن إدارة الشر الأمريكية قد ادعت أن الملجأ كان مقراً لقيادة عسكرية عراقية، إلا أن كل الشواهد دحضت هذا الادعاء، ومن بينها شهادة (بيتر أرنيت) مراسل شبكة (سي. أن. أن) في بغداد آنذاك، الذي صور المكان، وأكد انه لم يكن ملجأً عسكرياً، بل مدنياً صرفاً، فكلفه ذلك، مهنته وحورب.

أيها المثقفون وحملة الفكر

إن تلك الجريمة تعد بحق، وفي ضوء ما أعقبها من مسلسل جرائم إبادة جماعية ومحارق (هولوكوست)، مقدمة لبدء مرحلة خطرة تنطوي على هدفين أساسيين:

الهدف الأول: نشر الذعر في العراق لإجباره على الاستسلام والتوقف عن مقاومة محاولات الغزو الأمريكي،

والهدف الثاني: هو تكييف ردود الفعل العربية والإقليمية والعالمية، تدريجياً، وجعل العالم كله يتعامل، مع المحارق الأمريكية، على أنها شيء عادي، مادام يقع في بلدان العالم الثالث.

وبإنجاز هذين الهدفين، يصبح بالإمكان نجاح أمريكا في إقامة نظام استعماري عالمي جديد، يسيطر على الكرة الأرضية، وينهب ثرواتها ويستعبد بشرها. لذلك فان المفكر والمثقف والصحفي، مطالبون اليوم بفضح هذا المنهج الإبادي الإجرامي، وربطه، عضوياً، بظاهرة انبعاث الاستعمار من جديد، وبعقلية أشد إجراماً، بعد غياب الاتحاد السوفيتي.

أيها الأحرار في كل مكان

إن مقاومة الشعب العراقي وقواته المسلحة البطلة، وصمود شعبه بوجه العدوان الثلاثيني، (1991)، اجبر الولايات المتحدة وحلفاءها على الانتقال، إلى صفحة أخرى من حرب التدمير والإبادة المنظمة والمبرمجة، وهي صفحة الحصار الشامل للعراق، وحرمانه من كل شيء بما في ذلك الدواء والغذاء. وقد أكد جورج بوش الأب، الرئيس الأمريكي الذي شن العدوان الثلاثيني، أنه أوقف إطلاق النار لمنع جيشه من التورط في حرب عصابات داخل العراق، ولأنه أُبلغ من قبل مخابراته، بان الحرب الجوية التي دامت 43 يوماً قد خلخلت قوة العراق العسكرية وفككت الدولة العراقية، ولذلك فأنها ستنهار بتأثير الضغوط الداخلية، خصوصاً عند حصول تمرد مسلح على نطاق واسع في جنوب وشمال العراق. وقد حصل بعض ما قاله الرئيس الأمريكي، إذ اندلع تمرد مسلح في جنوب العراق، مباشرة بعد وقف إطلاق النار، يوم 28/12/1991، وحصل تمرد ثانٍ في شمال العراق، الأول نظمته المخابرات الإيرانية، وبالتنسيق المباشر مع المخابرات الأمريكية، واعتمد في تنفيذه، أساساً، على عناصر إيرانية، أما الثاني، فقد أمرت به أمريكا الزعامات الانفصالية الكردية، ونفذته عناصر البشمركة الكردية، لكن ما لم تستطع المخابرات الأمريكية معرفته، هو قدرة الإنسان العراقي على التحمل والصمود، وابتكار وسائل التغلب على كافة التحديات، فتم القضاء على المتمردين وأُعيد تنظيم العراق، جيشاً ومجتمعاً، كي يستطيع مواجهة التحدي الخطير، الصادر من قوى إقليمية ودولية.

يا أبناء أمتنا المجيدة

لقد كان الحصار بحق، وكما وصفته الإدارة الأمريكية، والأمم المتحدة مراراً، اشمل وأقسى حصار في التاريخ، ومع ذلك نهض العراق مجدداً، وأنجز واحدة من اعظم عمليات إعادة البناء، ونجحت خطة القيادة الوطنية العراقية برئاسة الرئيس صدام حسين، في كسر الحصار تدريجياً من خلال تصنيع بدائل محلية لسلع وأدوات مهمة، وإقناع دول الجوار والعالم بعبثية الحصار وكونه يلحق أضراراً بكافة الدول. لذلك، وبعد أن أدركت أمريكا أن الحصار يوشك على الانهيار، وما يعنيه ذلك من كسر لهيبة وقرارات أمريكا، وبعض دول أوروبا، قررت تصعيد الحملة على العراق، واتباع خطة أخرى جديدة غير سياسة الاحتواء والخنق التدريجي، فجاءت هجمات 11/ أيلول عام 2001 (هدية من السماء) لإدارة بوش الابن، كي يجد مسوغاً لغزو العراق، فاعتمدت سياسة الضربات الاستباقية لتحقيق هذا الهدف في العراق.

إن ما جرى في العراق، منذ الغزو يؤكد، وبشكل حاسم، إن جريمة ملجأ العامرية لم تكن حادثة فردية منعزلة، بل كانت مقدمة لعمليات حرق وتدمير وإبادة منظمة لكل إنجازات ثورة السابع عشر الثلاثين من تموز العظيمة، يجب أن تنتهي بتفكيك الدولة العراقية وتغيير هويتها الوطنية والقومية، وفي هذا السياق نؤكد أن حل الجيش العراقي، لم يكن هدفه أمنياً فقط، كما قيل، أي منع استخدامه ضد الاحتلال، بل أن الهدف الأبعد والأخطر لذلك القرار كان إبقاء العراق مسرحاً للفوضى واللصوصية وغياب الأمن، وتلك هي الشروط الحاسمة، لغسل أدمغة فئات من العراقيين، وجعلهم يقبلون أي حل، ومهما كان ضد مصالح العراق، مقابل توفير الأمن والعيش للناس، وهذه الحقيقة تفسر ظاهرة أربكت البعض، وهي سبب إصرار قوات الاحتلال، على عدم إعادة الخدمات الأساسية، كالكهرباء والماء والدواء والغذاء، وغيرها، رغم أن أمريكا وحلفاءها قادرون على فعل ذلك خلال أسابيع. إن رفض إعادة بناء العراق بعد تدميره يعود أساساً لخطة أمريكية تقوم على تقسيم العراق ومحاولات تغيير هويته، عبر وضع العراقيين أمام خيارات مدمرة، ليس بينها خيار يوفر الحد الأدنى من الوطنية والشرف، وفي مقدمة الخيارات قبول الفدرالية وبقاء الاحتلال، على أساس إن هذا الخيار يوقف مسلسل الموت والجوع والتعذيب العام.

أيها المجاهدون في كل مكان

ان ما جرى للعراق يؤكد عدة حقائق، لا بد من التعامل معها بقدر أكبر من الجدية. ومن بين اخطر هذه الحقائق، حقيقة أن استهداف العراق، بالذات، كان محركه الأساس، هو نجاح قيادته الوطنية في الانتقال، لأول مرة في الوطن العربي، من حالة طرح شعارات كبرى، والعجز عن تنفيذها، إلى مرحلة تطبيق الشعارات، الحبيبة على قلوب الملايين. ففي العراق حولت الشعارات القومية، الوطنية إلى ممارسات وإنجازات، فأصبح النفط للعراق والعرب بعد التأميم، وبني مجتمع مرفه يخلو من الأمية والفقر والأمراض المزمنة، وأنشأ (جيش العلماء والمهندسين)، وأُقيم جيش وطني، قوي ومقتدر، حمى الجناح الشرقي من الأمة العربية، وأسست بنية تحتية متطورة، وبعثت الزراعة، وصُنِّع القطر، وحُلت القضية الكردية، وتأكد ذلك في بيان 11 آذار 1970 بالاعتراف بالقومية الكردية، وإقامة الحكم الذاتي، وانبثقت (الجبهة الوطنية والتقدمية) والتي ضمت قوى وطنية عراقية، في سعي جاد لتحقيق الوحدة الوطنية.

إن هذا النهج البنائي والتوحيدي نقل العراق إلى موقع القوة الإقليمية العظمى، التي يشع تأثيرها وتنتشر جاذبيتها في صفوف ملايين العرب، وتدفعهم للتمسك بالأمل الكبير: تحقيق الوحدة العربية، والتي تقترن حتماِ بهدف العرب الأساسي: تحرير فلسطين · وهكذا توفرت عوامل أساسية أقنعت أمريكا، وخلفها دول غربية، بان العراق قد تجاوز (الخطوط الحمراء)، واصبح يهدد الوضع الذي خلقته اتفاقية (سايكس - بيكو)، التي قسمت العرب إلى دول مصطنعة، ويضع (وعد بلفور)، الذي نفذ بإقامة "اسرائيل" على ارض فلسطين بواسطة الاحتلال، أمام تهديد خطير، ويحرض على استعادة العرب الباقين لنفطهم، والذي يُسرَق ويُستَغَل من قبل الغرب، دون أن ينفع العرب بشكل عام.

يا مناضلوا الأحزاب الوطنية والقومية

إن الحقائق السالفة الذكر يجب أن تؤخذ بجدية أثناء تقويم ما يجري الآن، لأن التعامل معها بعقل منفتح، يسمح ببلورة فهم صحيح لما جرى في السابق، إضافة لمساعدته في إزالة عقبات مهمة، ما زالت تعترض طريق الوحدة الوطنية، في كل قطر عربي، والتحالف القومي الاستراتيجي على صعيد الوطن العربي. فالقيادة العراقية لم تستهدف، بسبب طبيعة تعاملها داخلياً أو خارجياً، بل بسبب التحولات الكبرى التي نجحت في تحقيقها في العراق، وهذه الحقيقة تأكدت الآن، بسقوط كافة التهم التي وجهت للقيادة العراقية، وأهمها امتلاك أسلحة دمار الشامل، والصلة بـ"القاعدة"، والمقابر الجماعية... الخ.

ان مرحلة التحرر الوطني من الغزو الاستعماري، تتطلب توحيد صفوف كافة القوى الوطنية العربية، لمواجهة الغزو الصهيو استعماري، وليس الانغماس في صراعات ثانوية، أو قلب الاولويات بحيث تطغى مهام ثانوية على المهمة الحاسمة، وهي الجهاد ضد الغزو.

والقيادة القومية تود أن تذكر بأن حزبنا، بعد مؤتمره القومي الثاني عشر، الذي عُقد عقب العدوان الثلاثيني، على العراق، قد دعا إلى تحالف قومي - إسلامي يضم كافة القوى القومية والإسلامية، لمواجهة التحدي الصهيو – استعماري. ولكن مع الأسف لم يتحقق هذا الهدف إلا بعد غزو العراق، وعلى أرضه، إن حزبنا يشعر بالفخر ليس فقط نتيجة تخطيطه للمقاومة الشعبية المسلحة قبل الغزو بعامين، وليس فقط نتيجة تفجيره للمقاومة وقيادته لها، بل أيضاً لأنه نجح في إقامة تحالف، مع جماعات إسلامية في العراق، إضافة إلى عناصر قومية عربية وماركسية، وكردية وتركمانية.

إن هذا النجاح التوحيدي هو الذي يفسر ظاهرة النجاحات المتعاقبة، وغير المرتدة، للمقاومة العراقية، وإحباط كافة خطط أمريكا لقهرها، فالبعثي يقاتل، في وحدة عسكرية واحدة، مع الإسلامي الأصولي، أو الإسلامي الصوفي، ومع الناصري والماركسي والكردي والتركماني والصابئي، لذلك فأننا نتطلع، بصدق عميق الجذور، إلى تحالف وطني عظيم، حيث يتحد القومي (البعثي والناصري) مع الإسلاميين، من مختلف التنظيمات الرافضة للهيمنة الصهيو-أمريكية، ومع اليساري والليبرالي (الوطني)، ومع الشخصيات الوطنية المستقلة البارزة، على امتداد الوطن العربي، ففي تحقيق هذا الإنجاز الضمانة الأساسية، ليس فقط لدحر المخطط الصهيو-أمريكي، بل أيضاً لوضع أسس نظم عربية وطنية بديلة، تقوم على حكومات ائتلافية وتبادل السلطة وفق قواعد العمل الديمقراطي.

أيها المجاهدون في عراق المجد

لقد قلبتم، باقتدارٍ فريد، مخططات أعداء الأمة رأساً على عقب، فالعالم كله يرى اليوم أن أمريكا التي أعلنت رسمياً، وكررت ذلك، أنها بعد العراق، ستسقط نُظُم سوريا ولبنان والسعودية ومصر وغيرها، باعتماد سياسة (الضربات الاستباقية)، هذه (الأمريكا) أُجبرت، بفضل جهادكم وتضحياتكم، على التراجع الفاضح عن هذه المخططات الجهنمية، وكان افضل تعبير عن ذلك هو ما قالته (كوندوليسا رايس)، وهي تحضر جلسة استجواب في الكونغرس بعد أن عُينت وزيرة للخارجية، إذ أكدت أن أمريكا ستلجأ إلى الوسائل الدبلوماسية، وستتعاون مع الدول الكبرى الأخرى، والأمم المتحدة، من اجل حل المشاكل الدولية.

هذا التراجع الأمريكي الذي تم بفضل سواعدكم القوية، وبفضل شهدائكم الأكرم منا جميعاً وتضحياتكم المتميزة، أنقذ دولاً عربية مستهدفة، وغير مجرى الصراع، وفتح الأبواب، أمام مد وطني وقومي شامل، ينهي عصر التراجعات العربية - الإسلامية، لذلك فأن الأمة العربية والعالم الإسلامي مدينان لكم، أيها الشهداء الأحياء، وقناديل الأمل لكل الإنسانية، ويتطلعان إليكم بأمل كبير كي تكملوا مشوار الجهاد، بطرد الاحتلال، وتحرير العراق. إن ما بدأت به أمريكا عصر الرعب وهو محرقة ملجأ العامرية، قد سقط على أيديكم الطاهرة فما جرى في العراق منذ الغزو، كان سلسلة محارق كبرى، لكنكم بصمودكم، واستشهاديتكم الفذة، أسقطتم الخوف والرعب، بل وألقيتموهما عملياً في صفوف العدو، فانهارت معنوياته وخارت قواه، واخذ يهيئ للانسحاب من العراق مرغماً يجر ورائه أذيال الخزي والعار ولعنة التاريخ الأبدية.

فتحية لكم يا حراس الوطن والأمة

والمجد للشهداء منكم..

وألف تحية لإمام المجاهدين الرئيس الأسير صدام حسين، الأمين العام لحزبنا..

والمجد والخلود لشهداء ملجأ العامرية..

والخزي والعار للقتلة والسفاحين الدوليين..

وعاشت فلسطين حرة عربية من النهر إلى البحر..

القيادة القومية

لحزب البعث العربي الاشتراكي

      مكتب الثقافة والإعلام

       في 12/2/2005م