حارة الفدائية ومخيم اليرموك

علي بدوان – مخيم اليرموك (دمشق - سوريا)

حارة الفدائية، في مخيم اليرموك، أقدم حاراته وأروعها، تُنتَكب الآن في لعبة دموية مؤسف ومؤلمة، بعد أن كانت ومازالت منارة في مسار الثورة والكفاح الفلسطيني، فهي اسمٌ على مُسمى.

حارة الفدائية، مدخل مخيم اليرموك، حارة فدائيي القوافل الأولى من حركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حارة الكتيبة (68) أو كتيبة الفدائيين أو كتيبة الاستطلاع الخارجي، التي سقط العديد من أعضائها شهداءاً على أرض الجليل شمال فلسطين منذ بدايات النكبة، حارة الشهيد سبع السباعي من بلدة ترشيحا قضاء عكا، حارة الشهيد علي الخربوش إبن عرابة البطوف في الجليل الفلسطيني، كما هي حارة الشهيد مفلح السالم وأحمد ياسين من صفورية قضاء الناصرة، كما هي حارة الشهيد حسين شحرور من علما قضاء صفد، وابو فالح من الشجرة قضاء طبرية، ولطفي قادرية من شفاعمرو، وحارة الشهيد الرائد على الجربوني بطل التصدي لقوات الغزو الصهيوني في مثلث خلدة في ضواحي بيروت الجنوبية صيف العام 1982.. إلخ.

حارة الفدائية، منها خرج أصغر فدائيين فلسطينيين عمراً عام 1965 محمد يعقوب وسمير حبيشي، اللذين خاضا معارك الثورة الفلسطينية بمحطاتها المختلفة منذ انطلاقتها المعاصرة، واللذين طالما صرخ ياسر عرفات باسمهما في مؤتمر حركة فتح العام الخامس في تونس عام 1989.

حارة الفدائية هي الحارة الأولى التي وضعت على أرضها اللبنات الأولى لمخيم اليرموك ومداميكه بيوته البسيطة منتصف العام 1954 عندما قطنها عدة مئات من اللاجئين الفلسطينيين من قاطني المساجد والجوامع في حي الميدان الدمشقي ومعه حي الشاغور.

حارة الفدائية كانت البداية لنهوض مخيم اليرموك الذي شَهِدَ بعد ذلك قفزة عمرانية بدأت منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي. كما هي الحارة الأولى التي صنعت المثوى الأول والمقبرة الأولى لشهداء الثورة الفلسطينية المعاصرة في مخيم اليرموك، عندما بدأت تتوالى عمليات الاستشهاد.

حارة الفدائية، زارها مفتي فلسطين المرحوم الحاج محمد أمين الحسيني عام 1955، وأطلق من بين بيوتها المتواضعة في حينها إسم اليرموك على هذا التجمع الفلسطيني ليصبح هذا التجمع هو مخيم اليرموك، منبت الأبطال والفدائيين.

قدمت حارة الفدائية عشرات الشباب من أبنائها في معمعان العملية الكفاحية الوطنية الفلسطينية خلال العقود الماضية من عمر الثورة الفلسطينية المعاصرة في كل ساحات العمل الوطني وعلى أرض فسطين.

حارة الفدائية في مخيم اليرموك، تشتعل ملتهبة الآن في قلب الحدث، وفي صدارة المشهد والمسرح الدموي لما يجري بحق مخيم اليرموك وحق أبنائه بعد غربة قسرية ثانية طالت معظم سكانه، فهي حارة مشتعلة بالإشباكات والقصف غير المبرر بعد أن تم تحويلها لميدان التقاتل العدمي والعبثي الذي لن يفضي إلا لشيء واحد هو الدمار والدمار وحده لاغيره.

حارة الفدائية عنواناً بارزاً في مخيم اليرموك، يشمخ بها المخيم، ويشمخ بها الشعب الفلسطيني، ففي أزقتها القليلة العدد يلعلع الرصاص ليل نهار، وتنطلق بين جنباتها قذائف الـ (بي سفن). وقد سقط قبل أيام إبنها الشهيد (وسام نعيم القاضي) بقذائف الموت اللعينة والحاقدة، وأبنها الشهيد (معاوية شنار) برصاص القنص الغادر، فالتصارع والتطاحن الآن على جسد الشعب الفلسطيني في مخيم اليرموك المكلوم بالجراح أصلاً.

حارة الفدائية، وإمتدادها ساحة (الريجي) إلى شارع اليرموك، حيث جرت قبل أيام عملية سافلة ومنحطة بتفجير سيارة ملغومة دمرت المنطقة بأسرها وبخسائر تقدر بنحو (100) مليون دولار في العقارات والمنازل. وإلى غربها شارع الناصرة، ناصرة الجليل والمسيح، أو ما يسمى بشارع راما (نسبة لمحل تجاري يبيع السيراميك يدعى معرض راما) وفي سوق السيراميك هي أيضاً منطقة تتطاحن دموي على جسد الفلسطينيين.

حارة الفدائية مطوقة بين شارعي الناصرة (راما) واليرموك، وشارع الثلاثين وبساتين سبق أن أكلنا من ثمارها وغَرسِها من شجر التوت الشامي والمشمش والجوز والدراق والتفاح، بساتين عائلة (أبو علي القاروط) الدمشقية التي أحبت وعشقت الفلسطينيين أكثر من عشقها للدمشقيين. وهي تغلي الآن في آتون اللهب ومرجل الأزمات، لكن العديد من أهلها مازالوا صامدين داخل بيوتها مصممين على البقاء بالرغم من أهوال ما يجري بحقها.

حارة الفدائية ذاكرة فلسطين، وتنوع أهاليها من منابتهم الفلسطينية من حيفا، عكا، طبريا، الناصرة، يافا، صفد، الطنطورة، الطيرة، عرابة البطوف، علما، الرأس الأحمر، صفورية، أبو سنان، لوبية، وشفاعمرو، كفر كنّا.

حارة الفدائية، ذكريات الطفولة والفتوة والشباب، في مخيم عظيم هو مخيم اليرموك، ذكريات الدراسة بين بساتين الشاغور، بساتين عائلة القاروط المجاروة لها، هو، هو، مخيم اليرموك عنوان حق العودة، عنوان الطريق إلى يافا وحيفا وصفد وعكا وطبريا واللد والرملة، إلى الوطن السليب هناك، وعنوان الصراع المستمر مع المشروع الصهيوني.

إن من يستهدف مخيم اليرموك، يستهدف الوطنية الفلسطينية، ويستهدف القومية العربية، ويستهدف في الوقت نفسه البعد الإسلامي الحقيقي والفعلي لقضية فلسطين، فأتركوا مخيم اليرموك وأهله، فإن أجزل وأثمن خدمة وهدية تقدم للعدو الصهيوني تكمن في التطاحن والصراع على جسد الشعب الفلسطيني وفي تدمير عنوان العودة بتدمير مخيم اليرموك.

نقول وفي صرخة حق، ومحبة، وتأخي حقيقي ومتين، ودون أحقاد، ودون خلفيات، ولكل الأطراف، إتركوا مخيم اليرموك أيها الأحبة، وعودوا للغة المنطق، لغة إعمال العقل والتمعن بما يجري ومآلات ذلك في المستقبل القريب، وأخرجوا جميعاً من مخيم اليرموك، وأعيدوا له الأمن والإطمئنان كما كان ملاذاً آمناً وباحة حرية وتنفس للجميع، ففي مخيم اليرموك يستوي الجميع بالأمن والإستقرار، والمعيار هو، هو، ذاته لنا كفلسطينيين، بوصلة وبندقية تتجه نحو فلسطين، هي بوصلتنا التي يجب أن لاتضل طريقها وأن لا تعيد تكرار مآسي سبق وأن دُفِعَ الفلسطينيون دفعاً نحوها في الحرب الأهلية اللبنانية وغيرها على سبيل المثال، وقد دفعوا في نهاية المطاف أكلافها الباهظة قد إنقلبت عليهم بنتاجها وخواتيمها، فـ"اتفاق الطائف" اللبناني (جَبَّ ما قبله) بالنسبة لكل اللبنانيين حتى بالنسبة لأولئك مجرمي الحرب الأهلية وأياديهم المسربلة بالدماء لكنه لم (يَجِبَّ ما قبله) بالنسبة للفلسطينيين فعوملوا بقسوة إضافية بعد "اتفاق الطائف"، وحرموا من التملك وحرموا من ممارسة أكثر من (73) مهنة، وغير ذلك من الإجراءات التي لا تليق ببلد حضاري أو حتى شبه حضاري.

إن يد الفلسطينيين وخيارهم الوطني والأخلاقي مع سورية والشعب السوري قولاً واحداً، لكن الخيار إياه لا يترجم إلا بحياد (إيجابي) يفتح الطريق لوقف نزيف الدم والدمار الداخلي في بلد يستعد الفلسطينيون دوماً للموت من أجله كما نموت من أجل فلسطين في أي مواجهة خارجية مع عدو خارجي يستهدف سورية.

4/1/2013