الديمقراطية والتعددية

تفكير المقهور، تفكير مقهور، والفكرة تتخذ شكل المجتمع الذي تصل إليه، إنها كالكأس، يعطي الماء شكله ولونه.. ولأن ذلك كذلك، فلا غرابة أن تكون الديمقراطية في البلدان العربية شيئاً مختلفاً عن الديمقراطية المستوردة والمرفوضة ليس كلياً، والتعددية في البلدان العربية كذلك غير تعددية الغرب الاستعماري، وغير التعددية الثقافية والحضارية في استراليا التي فَرضت على سكانها كما فُرض عليها قانون الذم والقدح والكره ومعاداة السامية. 

فبعد انهيار الأنظمة الشمولية في ما كان يسمى بالبلدان الاشتراكية سابقاً، فوجئنا بفقهاء أنظمة الحكام العرب يخرجون علينا بفتاوي جاهزة، تقول أن الديمقراطية موجودة عندنا في كل مكان، وأن شكوى الشعوب العربية لا تعني بالضرورة انعدام الديمقراطية أو فقدانها، بل من ميوعتها واستشرائها، وأن الأنظمة العربية تعمل من أجل تحقيق نظام العولمة و"الشرق الأوسط الجديد" حتى من قبل أن يفكر صهاينة الغرب بها!! فلدينا والحمد لله انتخابات لمجالس الشعب والبرلمانات ومجالس الأمة، ولدينا مجالس للشورى، ولدينا صحافة "حرة" تجوع فلا تأكل إلا من أثدائها.

وتأكيداً على ذلك وبحسب إحصائياتنا المتواضعة نجد بأنه لدينا وزراء إعلام سبحان الخالق، يستحقون أن نفاخر بهم أمام شعوب الأرض قاطبة.. يولون الإعلام حقّه كاملاً دون اعتبار لأي محسوبيات أو توصيات من هذا أو ذاك، ويعملون من أجل توصيل صوت إذاعاتهم المسموعة والمرئية إلى كل أرجاء الأرض وقطبيها الشمالي والجنوبي.

ويضيف التقرير الإحصائي لدينا "لقد اكتشفنا متأخرين و يا لغبائنا، إن التعددية في البلدان العربية أكثر من الهم على القلب، ففي كل بلد عربي عدد من الأحزاب التقدمية وعدد آخر من الأحزاب الرجعية، وعدد أكبر من التنظيمات الطائفية، كما يوجد عدد لا يحصى من أجهزة الأمن، والجمعيات، والاتحادات الطلابية، والشباب، والنساء، والعمال، والفلاحين، وصغار الكسبة، ومن الحرفيين، إضافة إلى اتحادات الكتّاب والأدباء والشعراء والصحافيين"..

ويقول التقرير أيضاً "لقد اكتشفنا أننا أحراراً، وأن الحريات التي تنعم بها الجماهير العربية ولا تدّرها حق قدرها، تفيض عن حاجة البلدان النامية، ولا يتمتع بها شعب من شعوب العالم، فلدى المواطن العربي الحق في دخول السجن مهما كانت الصحيفة التي استعملها للتعبير عن رأيه كتابياً، والدولة "حفظها الله" تتكفل بطعامه وشرابه وإقامته مجاناً مدى الحياة، وإذا توفي فورثته في مأمن من المطالبة بنفقات استضافته لدى الدولة"..

خلاصة القول أن المواطن العربي يعيش في نعم يحسد عليها، وهذه النعم تاج على الرؤوس لا يراه الآخرون الذين لم ينعم الله عليهم بمسؤولين، وحاكمين، كما في البلدان العربية من ملوك، وأمراء، وسلاطين، ورؤساء منتخبين بنسبة 97 بالمئة، يسعون للتسابق من أجل الاعتراف والتطبيع مع (اسرائيل) حفاظاً على كرامة الوطن والمواطن، وإغراقه في كل وسائل الراحة والتكنولوجيا المستوردة، لا يهم من أين مصدرها، بل المهم هو راحة المواطن، وعدم إرهاقه في التفكير والاختراعات المتطورة، ومن ثم جلبها لهذا المواطن المقهور الذي يجب أن ينعم بخيرات النفط، والثروات الطبيعية، وتسخير كل شيء ممكن وغير ممكن، كي يبقى هذا المواطن سعيداً وبعيداً عن الهموم السياسية والاقتصادية.. نسأله تعالى الإبقاء على هكذا حكام، والشكوى لغير الله!..

المحرر