عن ملحمة معركة المطار الخالدة

انتصرنا عليهم حتى في السهم المكسور..

المقاتل محمود عزَام

(1)

أمي..

لا تحزني عني وكفي البكاء..

فأنا مت شهيدا وخلدني الزمان..

قبل أربعة أيام من احتلال بغداد..

كان غرب بغداد ينذر بمعركة فريدة في التأريخ..

لن ينسى ضمير الشعب كيف كانت ساحة المنازلة في تلك الأيام عندما قامت الفرقة (101) الأمريكية المحمولة جوا بإنزال جوي كثيف قريبا من أبو غريب لغرض قيام هذه القوات الهابطة بعمليات تأمين تقدم ما يزيد على 27000 جندي أمريكي و600 دبابة (أبرامز 2) و600 مدرعة (برادلي) و200 مدفع من عيار 155 ملم و100 راجمة صواريخ و60 طائرة (أباتشي) و30 طائرة مقاتلة ميدانية لمقاتلة الدبابات وآلاف العجلات العسكرية وخدمات الإسناد للتوجه لاحتلال مطار صدام الدولي.

وسوف لن ينسى شعبنا العظيم بطولات وصولات وتضحيات أبناءه عندما تصدت قوات مدرعة بقوة 300 دبابة من الحرس الخاص انطلاقا من الرضوانية بالاندفاع بالسرعة القصوى غير المسبوقة إلى وسط وحافات هذه القوات المعتدية وهي تطلق قذائف الحق الذاتية خلال تقدمها ويصاحبها تقدم حاملات الجنود بسرعة فائقة باختراق الأرتال إلى وسط المعركة في نفس الوقت وإنزال طوائف القتال منها في وسط الميدان والعودة بنفس السرعة لجلب جنود آخرين وزجهم بوسط وخلف خطوط العدو في معارك أسطورية واستشهادية غير متكافئة بالعدة والعدد والتجهيز لتحقيق صدمة مباغتة ومروعة لغرض عرقلة وإرباك وتشتيت إنزال وتقدم هذه القطعات الأمريكية المعادية وتأخيرها..

ونقول لِمَن يتطاول ويردد بان الجيش لم يقاتل المعتدين..

لقد شهدت ساحة المعركة هذه واحدة من أروع مشاهد الإقدام العراقي..

هذه المعركة التي سميناها "معركة ذراع دجلة".. وسماها العدو (معركة الليلة السوداء)..

يوم كانت النفس رخيصة نقدمها من أجل تراب العراق..

وكانت هذه المعركة شرفاً ووساماً على صدر كل مُحب للعراق.. وعلى كل العراقيين الوطنيين المُحبين لتربة وسماء وماء هذا الوطن أن يحملوه ويعتزوا به..

وأكبر التضحيات في هذه المعركة كان الإيمان الكبير بحتمية الدفاع ولا علاقة لنا بنتيجة المعركة المحسومة فنيا وحسابيا في الميدان!..

وأروع ما فيها كان الإصرار على نيل الشهادة..

لأن عدونا يفوقنا في كل شيء.. عدا أننا أصحاب قضية ونحن مؤمنون ونقاتل من أجلها.. وهو يقاتل بلا قضية وبلا هدف ليؤمن به..

لقد خاض جند العراق الأشاوس في هذه المعركة ملحمة قتالية تلاحمية رفعوا فيها رايات الجهاد وروحية الصحابة الأوائل وهم يقاتلون الدبابات والمدرعات الأمريكية بأجسادهم ويتسلقون أبدانها ويصارعون مدافعها وأبراجها ويشتبكون مع طائراتهم القاذفة والمقاتلة من الأرض ويدمرون تجمعاتهم من داخلهم!..

لقد دمرت هذه الضربة التي اتسمت بالجرأة والشجاعة والمناورة والانضباط العالي في تنفيذ الأوامر حتى الشهادة ما يزيد على 100 دبابة وناقلة جنود أمريكية بمن فيها وكبدت العدو الأمريكي ما يزيد على 500 قتيل وأرعبت قادتهم الميدانيين وفر جنودهم من الميدان كالفئران بعد أن كانوا يطلقون على اسم قطعاتهم (العقارب والفرسان)!.

وتصدى جند العراق الميامين في هذه الملحمة بصدورهم الى تكنولوجيا الدمار الأمريكية الحاقدة المخصصة لتدمير العراق من القذائف الأمريكية المضادة والقصف الجوي الشديد وقذائف اليورانيوم المنضب والباريوم الحراري والقذائف الموجهة بالليزر بحيث إن أول الشهداء الأبرار في هذه الملحمة كان قائد ومنفذ هذه العملية الملحمية البطلة هو ورفاقه من ضباط الركن وحماياته..

وقام جنودنا الأبطال بمقاتلة الدبابات والمدرعات الأمريكية بقذائف محمولة على الكتف في عاصفة ترابية وسحب تضليل دخانية لا يُرى فيها أحد بحيث تحولت المعركة من معركة تلاحم بالدبابات الى معركة تلاحم بين الجنود والضباط العراقيين من جهة والدبابات والمدرعات والطائرات الأمريكية المتفوقة من جهة أخرى في واحدة من ملاحم العز والمجد والتضحية التأريخية التي استمرت فترة زادت على الأربع ساعات متتالية..

وازداد رعب وفرار وتشتت قوة العدو المدججة حتى استعانوا بطائراتهم المقاتلة والقاذفة التي غطت سماء بغداد وغربها وجنوبها وأخذت تلقي بقنابلها الثقيلة وحممها وصواريخها الموجهة وقنابلها العنقودية فائقة الذكاء والمطعمة باليورانيوم المخفف والتي بدأت بتدمير قوة الضربة والالتحام العراقية وبشكل جنوني وشديد.. إلى أن قررت القوة العراقية الباسلة الانسحاب من هذه المعركة بفعل الخسائر الكبيرة والتفوق الجوي بعد أن أُستشهد في هذه الملحمة البطولية أكثر من 1500 ضابط وجندي ومناضل.

رحمهم الله جميعا وأسكنهم فسيح جناته..

كان يوما ملحميا للعراق ولجيشه وشعبه وحزبه..

وحجرا نرميه في فم الحاقد والمتطاول والجبان..

وهي صفحة من صفحات المواجهة في ملحمة المطار.. وهي الصفحة التي سماها العدو (بمعركة الليلة السوداء).

تحية الحب والوفاء والذكرى العبقة لشهداء وأبطال معركة المطار الخالدة في كل صفحاتها البطولية في ضمير الشعب..

تحية إجلال وتقدير إلى الأبطال الغيورين والمضحين من تشكيلات القتال الملحمية من أحفاد جدهم الإمام علي ابن أبي طالب وشهداء معارك بدر وأُحُد ومعارك الفتوح الإسلامية والعربية والقادسية من مقاتلي الحرس الجمهوري والجيش العراقي والحرس الجمهوري الخاص وكل تشكيلات القوات المسلحة وفدائيي صدام والأمن الخاص والمخابرات والأمن وكتائب القتال البعثية من مناضلي البعث وجماهير الشعب..

 

(2)

بعد صفحة ليلتهم السوداء التي أبلى بها أبطال العراق بلاءا أصاب القوات الأمريكية بالذعر والخوف وبفعل القوة النارية الأمريكية الشديدة والمركزة والأسلحة والقذائف المحرمة والقصف الهمجي والعشوائي للقطعات العراقية وكل المناطق المحيطة بها والقريبة منها فقد اضطرت القوة العراقية إلى الانسحاب بعد أن أدت واجبها حيث تركّز هدفها على تعويق وتأخير تقدم القوات الأمريكية باتجاه هدفها..

عندها تمكنت القوات الأمريكية من الدخول إلى المطار والانتشار فيه وفي المناطق المحيطة به وبقوة أولى تعدادها أكثر من 4000 جندي أمريكي وتم تعزيزها لتصبح أكثر من 2000 جندي.. وأخذ دخول وانتشار هذه القوات طابعا استعراضيا وإعلاميا كبيرا..

وحذّرَت القيادة العراقية مباشرة وبعد احتلال المطار وبشكل علني وعلى لسان وزير الإعلام البطل وأمام كل شبكات الإعلام والمحطات الفضائية بأن الموت ينتظر الأعداء الذين دنسوا أرض المطار وستكون صفحة غير متوقعة من صفحات المواجهة التي خطط لها العقل العراقي المبدع..

لقد جاء إعلان القيادة عن (صفحة غير متوقعة من أسلوب الرد العراقي في المواجهة) في وقت كانت القوات الأمريكية مازالت تحمل في ذاكرتها هول المفاجأة وحجم الخسائر التي تكبدتها في معركة ذراع دجلة حيث كان الإقدام العراقي والاندفاع والضبط والتضحية والشهادة في سبيل الوطن.. فبدأت الأوهام والكوابيس والقلق والخوف والتحسب ينتشر كالنار في الهشيم بين القطعات الأمريكية التي تتواصل مع قياداتها الميدانية والخبراء في قطر والكويت والولايات المتحدة لمناقشة (الأساليب العراقية المحتملة لتنفيذ هذا التهديد!)..

ووضع الخبراء العسكريين الأمريكان كل الاحتمالات والسيناريوهات التقليدية وغير التقليدية وناقشوا وثبتوا سبل التصدي لها ومعالجتها والوقاية منها مستندين إلى المتيسر الكبير من المعلومات الإستخبارية وصور الأقمار الصناعية الثابتة فوق العراق وطائرات التجسس والمراقبة والاستطلاع والمعطيات من عوامل تتعلق بنقاط الضعف العراقي الميداني والنفسي والتجهيزات وقوات الإسناد والإمداد وطرقها وتأمين حمايتها.. ودراسة نقاط القوة العراقية ومفرداتها وملاحظة أن القوات الأمريكية المدججة بالسلاح هي الجهة التي تمسك بالأرض (وتدافع عنها) بوجود القوة النارية الهائلة من مدفعية ونار وحركة الدبابات ومناورتها والسيادة الجوية الكاملة والمطلقة وشبكة الاتصالات والقيادة والسيطرة المتكاملة وسرعة ردة فعل القوات الساندة والمُعَزِّزة وكفاءة وسرعة الدعم الجوي من الطائرات المقاتلة والقاذفة والسمتيات الهجومية والإسناد المدفعي وانسيابية الإمدادات وسرعة تأمينها..

واتخذت القوات الأمريكية كل الاحتياطات الضرورية وبشكل استثنائي وفوري وزادت من نسب التحصينات والاستعدادات والتهيئة الميدانية بأضعاف ولكل احتمال من تفتيش ومراقبة وتعزيز بالأسلحة المناسبة وغلق وتحصين طرق ومنافذ وأنفاق ولكل الاحتمالات وحتى تلك البعيدة عن الواقع وحقيقة الإمكانات العراقية لمجرد أنها تثير الشك كاحتمال!..

وكان هاجس الخوف والذعر من فعل المباغتة العراقية والاندفاع والقتال الملحمي والتضحية التي قام بها الجنود العراقيين في معركة ذراع دجلة راسخا في ذاكرة الجميع من قادة وجنود أمريكيين وهم ينتظرون فعل مباغت آخر جرى التهديد به علنا ومن على شاشات الفضائيات ووكالات الأنباء وعلى لسان وزير الإعلام العراقي البطل..

وفي الوقت الذي كان العدو يتوقع إنه قد تَحَسَّبَ لكل شيء ولكل احتمال وسيناريو..

كانت الإرادة العراقية المدافعة والمقاتلة عن الحق تسير تحت الأرض!..

ليس في الأنفاق ولا في الممرات!..

بين أقدامهم وتحت سُرَف الدبابات وتتوزع على المدارج الرئيسية والثانوية والخدمات والثكنات وتنتظر الإشارة لتظهر وتملأ السماء بثورة غضب عارمة وثأر لكل الشهداء والدماء..

وفي لحظة التنفيذ نفَذَت القيادة العراقية عملية تعبوية لإشغال القطعات الأمريكية المنتشرة في كل أرجاء المطار..هذه العملية التي ساهم فيها العقل العراقي المبدع والفنان والمخترع والمصمم الذي صنَعَ تيارات هوائية قوية ومَزَجَ هذه التيارات بمواد خاصة لخلق سحب تنتظر مَن يخرج إليها من تحت الأرض التي تنتظره ليمتزجوا ويتعانقوا ويهتفوا باسم العراق العظيم وينتظروا بعد ثانيتين وصول موجة القَدَح الثالثة التي امتزجت معهما ليعلو صوت الله أكبر انفجارا مدويا وحارقا ومدمرا لكل أرجاء المطار ومَن فيه من الأعداء..

وكانت ضربة كارثية لكل القوات الأمريكية المتواجدة في المطار وحتى لأولئك الذين يختبئون في ملاجئهم ودباباتهم وحصونهم..

وفورا ظهر أبطال العراق من رجال الحرس الجمهوري والقوات الخاصة والفدائيين والمتطوعين ومناضلي الحزب من بين الرمال والأعشاب ومن وسط الانفجار ليقاتلوا قتالا ملحميا لا يمكن وصفه ولا يخطر على بال..

ثم بدأ الهجوم الشامل والكاسح من قبل قوات الحرس الجمهوري من الأمام والمتطوعين من الخلف وتم إطباق الجانبين الآخرين من قبل فدائيي صدام وقوات الجيش العراقي وتم تطهير منطقة المطار بالكامل في وقت وجيز ولم يخرج أي أمريكي من هذه المعركة وهو على قيد الحياة..بعدها قامت قوات من الحرس الجمهوري بالتقدم إلى اليوسفية لمحاصرة بقية القوات الأمريكية.

وقد وصف الشهيد القائد صدام حسين هول هذه الخسائر في معركة المطار بقوله:

"كان النزال في معركة المطار نزالا عنيدا جبارا لأبناء العراق في الجيش والشعب حتى بلغت خسائر المجرمين الأمريكان أكثر من آلفين قتيل وأعداد أكثر من الجرحى ومعدات لو سمحوا للمصورين أن يلتقطوا فيها الصور لكانت صور محرقة قد تمت لهم، في هذه المنازلة".

وقد أفقدت هذه المعركة صواب القيادة الأمريكية السياسية والعسكرية في واشنطن وقطر والكويت والعراق!..

وبدأت القيادة العسكرية الأمريكية بإصدار أوامرها الفورية التي أصابتها الهستيريا بالبدء بقصف جوي كثيف جدا لكل شيء على الأرض والاستعداد لشن هجوم مدرع وجوي مقابل كبير على القوات العراقية التي ليس لديها طائرة حماية جوية واحدة!..

وعندما بدأت المعركة الرهيبة وغير المتكافئة.. كان القائد الشهيد صدام حسين يقود هذه المعركة كما قاد معركة ذراع دجلة.. من داخلها ولهيب نارها وفي قلبها!..

كانت كفتها تميل منذ بداياتها لصالح رجال الحرس الجمهوري البطل والمتجحفلين معه.. وحاولت الموجات الكثيفة من الطائرات القاذفة الأمريكية وبكل ما كانت تحمل من قتل ودمار أن تثني هذه القوة الجبارة عن الصمود والقتال و لكن دون جدوى..

وكان تدمير الموجات المتعددة للدبابات الأمريكية المتقدمة وجنود المارينز ورغم الطيران الكثيف والقصف الجوي والمدفعي يوحي وكأن المعركة قد حسمت لصالح العراق مما يزيد الأبطال صمودا وتفاني وتضحية وصبر ومقاومة..

وقاربت المواجهة على أرض المطار على النهاية بنصر عراقي حاسم!..

وهو الأمر الذي جعل القيادة الأمريكية في الولايات المتحدة تقرر فورا الانتقال إلى صفحة (التدمير التام لأرض المعركة) والذي يعرف في مفاهيم العمليات العسكرية الأمريكية (بالسهم المكسور)..

وفي الوقت الذي كان فيه أبطال العراق شامخين صامدين قريبين من النصر..

أقلعت من أرض الكويت الطائرات..

تحمل الموت في قنابل..

طائرات..

كل طائرة لا تقوى على حمل أكثر من قنبلة واحدة!..

طائرة واحدة تحمل جحيما واحدا..

جحيم توجهه الأقمار الصناعية..

ونقول للمتقولين الذين يتندرون بعدم تصدي ومقاتلة وصمود الجيش العراقي العظيم..

المجد كل المجد للواء 23 واللواء 26 وكتائب دبابات الحرس الجمهوري..

زهوا وعزا بهم.. وإجلالا لهم أبطال الجيش العراقي الباسل والقوات الخاصة والحرس الخاص ومناضلي البعث والفدائيين وهم يلبسون الأكفان.. وينتظرون الشهادة.. ويقودهم الشهيد القائد صدام حسين بنفسه..

لقد انتصرنا عليهم في ذراع دجلة..

وانتصرنا عليهم في معركة تحرير المطار..

وفي السهم المكسور..

عندما صمدنا..

ولبسنا الأكفان..

ووقفنا جميعا كالجبال.. ونحن في وسط النار التي حولت الفولاذ إلى سائل وبخار.. فقد نلنا الشهادة وفزنا بها..

أمي..

لا تحزني ولا تبكي ولا تتألمي..

فلقد وفينا بالعهد.. والقَسَم..

وكان يوما لنا.. ويوما عليهم..

سلاما للأم التي حَمَلت وتحملت..

وعانت.. وأنجبت..

ورَعت.. ورَبَتّ.. وكَبّرَتّ..

وللخطوات الصغار المتعثرات التي بشغف وشوق وحنان راقبت..

وللضحكات التي تتبعها أنهار الدموع تعودت..

ولكل تلك السنين من رموش العيون التي سَهَرَت وحَمَتّ..

وللأحلام التي لم ترى النور وتَحَطَمَت..

إلى المُهَج والشرايين التي لها بالسكين.. توجهت..

وبلا ضجيج أو نحيب.. حملت كبدها للعراق وقدَّمَت..