الانتخابات النيابية اللبنانية الأكثر فساداً.. لبنان إلى أين؟

فؤاد الحاج

عندما افتتح رئيس الجمهورية اللبنانية المبنى المخصص لهيئة الإشراف على الحملة الانتخابية أطلق ثلاث مسلمات أساسية لهذه الدورة الانتخابية قائلاً: "حاربوا المال الانتخابي"، و"اضمنوا حرية التعبير ومكاناً للمناقشة"، واحرصوا أن يكون السباق "تنافساً وليس تناحراً". ولكن هل الوقائع تدل على ذلك؟!

فمع بدء العد التنازلي للانتخابات النيابية في لبنان اطلعنا عبر الأنباء والأخبار التي تبث وتنشر في أرجاء العالم، على ما يؤكد أنه للمرة الأولى في تاريخ لبنان الحديث تصرف مئات ملايين الدولارات الأمريكية على تلك الانتخابات النيابية وبشكل علني! إذ أنه من المعروف أن أي انتخابات تجري في لبنان إنما تجري ضمن مخطط مرسوم من انتخابات البلديات وصولاً إلى رئاسة الجمهورية، مروراً بالانتخابات النيابية ضمن سياق طائفي مذهبي، ويكون للرشاوي وللمال النصيب الأساسي كبيراً فيها، ما عدا منصب رئاسة الجمهورية الذي يتم التوافق عليه بين عدد من الدول العربية أهمها مصر وبلاد نجد والحجاز وسوريا، ولاحقاً أصبح لإيران دور إقليمي هام في تلك الانتخابات منذ عام 1975 في عهد الشاه، وحالياً تحت سلطة الملالي، وكذلك لعدد من الدول الأوروبية ولأميركا وللقاعدة الصهيونية المتقدمة في فلسطين المحتلة دور كبير ومؤثر ضمن مخطط الانتخابات والفائزين وليس في اختيار المرشحين فقط.

كل تلك الانتخابات التي كان يصرف فيها أموالاً طائلة تحقيقاً لتوازنات محلية طائفية ومذهبية، وسياسية عربية وإقليمية ودولية. ولازال يذكر المتابعون لانتخابات عام 2005 كيف صرفت عشرات ملايين الدولارات في الأقضية والمحافظات اللبنانية، وقبلها عندما جرت الانتخابات النيابية عام 2000 صرف مئات ألوف الدولارات في بيروت وتم إبعاد كافة العائلات البيروتية المعروفة والمشهورة في تاريخ المجالس النيابية اللبنانية.

كل ذلك تم من خلال تدفق الأموال التي لازالت حتى اليوم تتدفق من خزائن حكام بلاد نجد والحجاز وأجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية المستفيدة من وصول هذا التيار أو ذاك من أجل تمرير خططهم، أي أن كل نائب في لبنان وبغض النظر عن التيار الذي ينتمي إليه إنما هو أداة أو دمية ضمن التيار الذي ينتمي إليه، والمستقلون منهم يمكن اعتبارهم أغبياء سياسة، وهم ليسوا بأكثر من جشعين يسعون للحصول على مكاسب مادية وحصانة نيابية، ربما يمكن أن نستثني منهم عدداً لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.

وأشير هنا إلى أنه كما هو معروف، لا يمكن أن يعلن أي مرشح تابع لتنظيم أو لتيار عن مصدر دعمه الخارجي، إلا أن بعض المرشحين أعلنها صراحة كما أوردت الأنباء من لبنان، حيث ذكر (روبرت وورث) في "النيويورك تايمز" أن المرشح احمد الأسعد، وهو رجل أعمال درس في الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى أنه مؤسس لائحة "تيار الانتماء اللبناني" قائلاً إن (المملكة العربية السعودية) تقدم "دعما ماليا كبيرا" لحملته الانتخابية ضد مرشح (حزب الله) في جنوب لبنان، وأن "هدفه يتمثل في المساهمة في إبعاد الشيعة اللبنانيين عن إيران". مضيفاً "أنا في حاجة إلى موارد وأدوات لخوض هذه المعركة وإذا كان (السعوديين) مهتمين ببناء دولة حقيقية فلم لا أستفيد من ذلك؟".

وقد ذكر (روبرت وورث) في "النيويورك تايمز" تأكيداً لما ذكره احمد الأسعد حيث قال: "يقول مستشار يعمل لدى الحكومة (السعودية) "نحن ننفق الكثير من الأموال في هذه الانتخابات" وكشف عن أن المساهمة (السعودية) قد تصل إلى مئات الملايين من الدولارات في بلد لا يتجاوز عدد سكانه أربعة ملايين نسمة. "نحن ندعم المرشحين الذين ينافسون (حزب الله)، كما أننا نصعد الضغوط ضد إيران". وفي المقابل يقول (روبرت وورث) "يشتهر زعيم كتلة المستقبل الملياردير سعد الحريري المقرب إلى (المملكة العربية السعودية) بأنه أكثر من ينفق الأموال في مثل هذه المناسبات الانتخابية، فقد بدأ حملته الانتخابية هذه السنة باحتفالية تلفزيونية أشبه ببرنامج "من يربح المليون؟"، يقول أفراد وأعضاء الكتلة التي يتزعمها إن مثل هذه الاتهامات غير عادلة، وهم يقولون أن ما ينفقونه من مال أقل من مئات الملايين من الدولارات التي حصل عليها (حزب الله) على مدى الأعوام الماضية."

وفي الوقت الذي لم نعرف تحديداً كم صرفت إيران في هذه الانتخابات إلا أن عدد الطائرات التي وصلت إلى لبنان وعلى متنها آلاف الركاب من استراليا ومن غيرها من بلاد الاغتراب وكذلك القادمين براً لا يمكن أن يكون بأقل من مستوى المبالغ التي صرفتها القوى الأخرى.

من هنا نلاحظ أن الانتخابات النيابية في السابع من حزيران/يونيو 2009 ستكون الأسوأ والأكثر فساداً في تاريخ الانتخابات ربما في العالم كله، خاصة إذا علمنا أن تدفق نهر المال من خارج لبنان وبكميات لا يمكن  تقديرها إلا نسبياً، لأن الوصول إلى الرقم الحقيقي للمبالغ التي صرفت في هذه الدورة الانتخابية فأنه من المستحيل أن يصل إليها أي عداد مصرفي في العالم لأنها تتوزع على عشرات المصارف وشركات الطائرات ووكلاء السفريات في كل مدينة كبيرة إن في البرازيل أو استراليا، أو في دول الخليج العربي، أما في لبنان ربما يمكن حصرها وإن يكن بصعوبة وليس بدقة لأن مصرفاً معروفاً ترسل منه الأموال إلى الخارج، أما ما ينفق داخل لبنان وما أنفق حتى الآن لا ولن يمكن حصره مبدئياً لأن المبالغ أكبر من أن يضاف لها مجموعة أصفار ورقم صغير.. فإذا علمنا أن عدد المسجلين للانتخابات في لبنان فقط يصل إلى حوالي (3,300.000) ثلاثة ملايين وثلاث مئة ألف ناخب، وأن ثمن الصوت في الانتخابات النيابية السابقة في لبنان وصل إلى مبلغ (500) دولار أمريكي، واليوم بالتأكيد سيتجاوز الألف دولار في أقل تقدير، فكم سيتم دفع أموال للناخبين في لبنان، إضافة إلى أن أكثر من عشرين ألف مهاجر لبناني أيضاً في أقل تقدير وصلوا أو سيصلون قبل السادس من حزيران إلى لبنان ليدلوا بأصواتهم لكلا التيارين بحيث تم دفع وبشكل علني ثمن بطاقات السفر للبنانيين القادمين من أجل الانتخابات من ديار الاغتراب إن من البرازيل ومن بعض دول ما يسمونها أمريكا اللاتينية ومن استراليا، وكذلك من دول الخليج العربي ومن بلاد نجد والحجاز، ويمكن للمراقب أن يلاحظ إضافة لحركة الطيران في مطار بيروت الدولي، وصول مئات الباصات أو سيارات نقل الركاب القادمين من إيران ومن تركيا ومن بعض الدول الأوروبية وكذلك من بعض الدول العربية عبر سوريا، وكل هؤلاء الركاب دفع عنهم قيمة ثمن بطاقات سفرهم مع مصروف جيب بلغ حوالي (2000) ألفي دولار أمريكي لبعضهم وبعضهم لم يحصل على مصروف الجيب واكتفى بدفع ثمن بطاقة السفر في الطائرة، ويمكن التأكيد أيضاً هنا أنه لم يعد بالإمكان لأي مسافر إلى لبنان أو سوريا أو الإمارات أو الأردن من استراليا أن يجد مكاناً شاغراً في أي من الطائرات المتجهة إلى تلك الدول، ويمكن لمن يريد التأكد من ذلك أن يتصل بأي شركة من شركات طيران الإمارات أو طيران الاتحاد أو طيران الماليزية أو غيرهم ليتأكد من أنه لا توجد أماكن شاغرة ذهاباً وإياباً للفترة من 25/5/2009 لغاية منتصف شهر تموز/يوليو القادم لكافة الطائرات المتجهة إلى لبنان.. وإذا أردنا أن نحسب عدد الركاب أو المسافرين إلى لبنان من أجل الانتخابات ولنحسب فقط أقل رقم يمكن أن يسهل علينا العملية الحسابية ولنأخذ خمسة آلاف في أقل تقدير، بمعنى آخر إذا كانت كلفة بطاقة السفر إلى لبنان في أقل تقدير بمعدل وسطي (1500) ألف وخمسمائة دولار، بالطبع إن ثمن بطاقة أعلى من ذلك بكثير، وإنما وضعنا هذا الرقم تقريبي لنصل إلى أن قيمة ما دفع ثمن بطاقات فقط لخمسة آلاف مسافر وهو أيضاً أقل من الرقم الحقيقي بكثير كما ذكرت أعلاه، فأن ذلك يعني أن مبلغ أكثر من سبعة ملايين دولار أمريكي دفعت ثمن بطاقات سفر للبنانيين المغتربين من استراليا كي يأتوا إلى لبنان ليصوتوا لهذا التيار أو ذاك، مع العلم أن تقديرات عدد القادمين إلى لبنان ليشاركوا في الانتخابات لا يمكن تقديره الآن إلا بعد انتهاء تلك الانتخابات.. لذلك لن نحسب أو نقول أن ثمن بطاقاتهم وتكاليف سفرهم وكلفة المفاتيح الانتخابية خارج لبنان لكل تيار من الفرقاء إن للأكثرية كما يسمون أنفسهم أو لتيار المعارضة كما يقولون عن أنفسهم، فأن الكلفة الحقيقية ستكون مليارات الدولارات.

وهنا يقول البعض إن عودة عشرات آلاف المغتربين إلى لبنان حتى ولو مؤقتاً فأن ذلك سيحرك عجلة الاقتصاد اللبناني بطريقة أو بأخرى، من شراء للذهب والملابس، أو لحركة المطاعم وسيارات الأجرة، ومحطات الوقود والصناعات المحلية وغيرها، إضافة إلى زيارة الأماكن الأثرية والتاريخية، وكل ما له علاقة بحياة المواطن.

لذلك أقول أنه ربما صحيح أن عودة هؤلاء ستحرّك عجلة الوضع الاقتصادي، ولكن في أي اتجاه! صحيح أن القادمين سيصرفون بعض الأموال هنا وهناك، ولو لفترة بسيطة لا تزيد عن الشهر في أقل تقدير، ولكن في المقابل فأن الغلاء المضاف سيقتل اللبناني المقيم ويؤدي به إلى التهلكة أكثر مما هو فيه من تهلكة، وأن المستفيد سيكون أصحاب رؤوس الأموال، ومالكي العقارات والتجار، بينما الأغلبية من اللبنانيين هم من الفقراء المعدمين الذين يتوسلون للوصول إلى ثمن رغيف الخبز ونقطة البنزين والمازوت والكاز، وفوق كل ذلك هم محرمون من التيار الكهربائي ومن المياه الصالحة للشرب، كما هم محرومون من الدواء والغذاء، وأن ما يقوله بعض المتفلسفين في لبنان وفي خارجه من أن ذلك سيشجع الوضع الاقتصادي فليس إلا محض هراء. ولنفترض أن ما يقوله هؤلاء المتفلسفون صحيح، فهل هذا يكفي لتحريك عجلة الاقتصاد اللبناني؟ أليس كان من الأفضل أن يصرف ثمن بطاقات السفر التي تصل إلى مليارات الدولارات على بناء المصانع وتحسين شبكات الكهرباء والمياه وخطوط الهاتف والمستشفيات، وأليس من الأفضل إيجاد عمل للعاطلين عن العمل في لبنان الذي هو أكبر من أن يحصى، في الوقت الذي لا تصل فيه الكهرباء والمياه إلى أكثر إن لم يكن إلى كل مناطق لبنان، أما موضوع المستشفيات فيمكن القول حولها حدّث ولا حرج، فأن العشرات يموتون يومياً في بيوتهم لأنهم غير قادرين على إيجاد الدواء والعلاج، ومنهم مع الأسف غير قادر على الوصول إلى باب أي مستشفى لا حكومي ولا خاص، وإذا وصل أياً منهم إلى باب المستشفى فإنه يموت على بابها!! وأليس من الأفضل إذا كان أولئك الذين دفعوا كل تلك الأموال الطائلة أن يسددوا بها جزء من مديونية لبنان الخارجية التي وصلت إلى ما يقارب الخمسين مليار دولار؟ وأليس ما قاموا به قد جزأ العائلة الواحدة، وفرق أبناء الطائفة والمذهب الواحد؟، ألم يفرقوا أبناء البلدة والقرية الواحدة؟!

لنعد الآن إلى موسم الانتخابات في لبنان بدلاً من الشكوى والبكاء على حالة المواطن المقهور في لبنان، لنقول بأن الأرقام التي ذكرتها أعلاه أي مليارات الدولارات التي تدفقت من خزائن حكام بلاد نجد والحجاز ومن إيران ومن أجهزة الاستخبارات العربية وغير العربية المعروفة، من أجل تحقق كل منها ما تريده في فوز الأغلبية في هذا التيار من أجل إيصال من يريدون لتحقيق غاياتهم في توقيع اتفاقية مع الكيان الصهيوني، أو ذاك التيار من أجل تكريس لبنان ورقة ضغط بيد إيران من أجل مكاسب سياسية يكون فيها اللبنانيون كبش المحرقة! إضافة لتحقيق حلمهم في إقامة الهلال المذهبي الذي يمتد من إيران ويمر بالعراق وسوريا وصولاً إلى لبنان كمرحلة مبدئية!!.

ولننتظر السابع من حزيران/يونيو 2009 الجاري ولنر النتائج التي لن تخرج مهما تقلبت الأحوال، ومهما تبدلت الأسماء، عما هو مخطط لها، لأن المقاعد النيابية لن تنقص أو تزيد عن 128 مقعداً، كما أن التوازن الطائفي والمذهبي لن يتغيّر فحصة الموارنة لن تنقص كما أن حصة السنّة لن تزيد، وكذلك الأرمن والشيعة والدروز والأرثوذكس والكاثوليك وباقي الأقليات بحسب (دستور الطائف) و(اتفاقية الدوحة).. وأنه بعد الانتهاء من الانتخابات سيجلس جميع الفائزين إلى جانب أو مقابل بعضهم البعض ليتضاحكوا ويقذفوا ويشتموا ويخونوا بعضهم البعض لفترة أربعة سنوات، دون أن يستفيد منهم الوطن والمواطن المسكين البسيط الذي صدقهم وانتخبهم لينوبوا عنه من أجل إيجاد عمل له ولأولاده، ومن أجل أن يؤمنوا له الكهرباء والماء والدواء والغذاء، وهكذا ستمضي الأيام دون أن يرى المواطن أياً من هؤلاء المرشحين حالياً والنواب لاحقاً إلا بعد أربع سنوات، لتعود المعركة الانتخابية مجدداً. مع العلم أن أحد النواب الحاليين قال لماذا عليّ أن أساعد هؤلاء الناخبين الذين اشتريتهم بصوتي، وطالما النيابة تشترى وتباع فلي الحق أن لا أنفذ أي من وعودي، لأن الناخبين قبضوا ثمن تصويتهم لي!!.

وأود أن أذكر هنا قصة حقيقية قالها لي أحد الأصدقاء الذين اتصلت بهم هاتفياً لأطمئن عليه وعلى أحواله، وبعد أن طمأنني على أوضاعه المتراجعة كتراجع مساحة الأراضي الزراعية في البلاد العربية بحيث لم يبق أي شجرة خضراء في بلاد الخضرة والمياه، قال لي أنه لن ينتخب إلا لمن يدفع له أكثر، لأنه عاطل عن العمل منذ أكثر من أربع سنوات، وأن ثمن الصوت الواحد وصل الآن في لبنان إلى 800 دولار، ويوم الانتخاب في السابع من حزيران ربما سيصل إلى الألف دولار، وأنه هو وأفراد عائلته ربما يحصلون على مبلغ (5000) خمسة آلاف دولار تكفيهم ليعيشوا سنة على الأقل (وبعدين بيفرجها الله). هذا حال واحد من ملايين اللبنانيين الذين يعيشون دون أمل لا من هذا النائب ولا من ذاك المرشح.. وعندما سألته عن حال المرشحين روى لي ما يلي: أن أحد المرشحين المستقلين في منطقتهم كان يقيم في بلد مهجري، ويجوب البلد ويقيم الأمسيات ويلقي الخطابات ويلتقي بالناخبين حاثاً إياهم على الاقتراع له ويقول لهم بأنه يجب على النائب أن يكون صلة وصل بين الناخبين والحكومة، وعليه أن ينقل مطالبهم وآرائهم وأن يعمل على رفع مكانة المواطن وتعزيز صلته بالوطن، وما إلى هنالك من كلام لا يغني ولا يسمن عن جوع، وذات يوم التقى ببعض كبار السن في البلدة، وسمعوا منه نفس الكلام، فاستأذنه أحدهم وقال له: "يا ابني أنت لا تعرف معنى الجوع ولا معنى أن يكون عندك أولاد غير قادر على تعليمهم في المدارس، ولا معنى للمرض لأنه إذا مرض ابنك لا تقدر أن تجلب له حكيم أو تأخذه إلى مستشفى، وأنت تقول لنا كلمات بقينا نرددها منذ عام 1947 وحتى بداية الحرب المشؤومة عام 1975، دون أن نحصد منها سوى الموت وازدياد عدد العاطلين عن العمل وازدياد أعداد الفقراء، مقابل أن أرباب وقيادات الحرب المشؤومة أصبحوا وزراء ونواب، فالله يرضى عليك عد إلى البلد الذي كنت فيه ودع نصائحك لنفسك واعمل بها هناك فأنها عندنا لن تفيد في شيء"!!

وبما أن معركة الانتخابات النيابية لهذه الدورة ستكون محسومة تقريباً في بعض المناطق لهذه الفئة أو تلك، إلا أن الخطر الكبير هو ليس من تدفق نهر المال كما ذكرت أعلاه، إنما الخطر هو وقوع أحداث قد تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، بما يجعل الانتخابات تخرج عن المخطط المرسوم لها، ورغم ذلك فأن التنافس عملياً سيقتصر في المناطق ذات الأغلبية المسيحية بشكل عام. وبناء لما تورده وكالات الأنباء والأخبار من لبنان فأن نتيجة الانتخابات النيابية اللبنانية ستكون بتقديري فوز للموالاة وللمعارضة معاً بنسب معادلة تقريباً، بحيث لن يكون بمقدور أي منهما أن يسيطر على القرار لا في مجلس النواب ولا في مجلس الوزراء، مقابل فوز كتلة أفراد ينتمون إلى اتجاهات مختلفة، وهذه الكتلة أو المجموعة ستلعب لعبة الوسط بدعم من رئيس الجمهورية الذي سيفسح له مجال التحرك في وضع أي قرارات لصالح ما يراه أفضل بحسب التوجه السياسي العام والمرسوم. أما مجلس النواب فسيعود إلى عملية التوازنات التي أقرها (اتفاق الدوحة).

ولنفترض أن الأكثرية النيابية المنضوية تحت لواء جماعة (14 آذار) فازت بالأغلبية النيابية والوزارية فأنهم يعرفون أن المعارضة أو جماعة (8 آذار) ستلجأ إلى الشارع مجدداً في حال فازوا بزيادة نواب جدد لتحالفهم، وهذا ما ستحاول جماعة (14 آذار) تفاديه ضمن المناخ العربي والإقليمي والدولي الجديد، على الأقل من الآن لنهاية العام الجاري الذي يريده الرئيس الأمريكي كما أعلن في وقت سابق من أجل منح الفرصة للتقارب مع إيران ومع سوريا، لذلك نشاهد مجيء الوفود الأمريكية الرسمية وغير الرسمية إلى سوريا وإيران. وفي الوقت نفسه فأن الانتخابات الرئاسية في إيران وفوز الرئيس الإيراني الجديد، سيكون أيضاً له التأثير الكبير في موقف الإدارة الأمريكية من مجريات الوضع في البلاد العربية عموماً وفي لبنان واليمن والجزيرة العربية وكذلك في الجزائر والمغرب، بحيث إذا لم يفز (رئيس إصلاحي) مقرّب من أمريكا فأن الإدارة الأمريكية وبطريقة غير مباشرة ستوعز بطرقها وأساليبها الخاصة المعروفة منها والمستترة بوضع (خارطة طريق جديد) من أجل خلط الأوراق عربياً وإقليمياً، وهو ما أشار له أكثر من مصدر أمريكي من خلال الحديث عن فلسطين ومنح فترة جديدة تمتد لأربعة سنين من أجل إقامة ما يسمونه (الدولة الفلسطينية)، أما على الصعيد اللبناني وفي حال عدم حصول أي اتفاق بين التيارين الذين يلعبون لعبة شد الحبال فيما بينهم، فربما تقوم جماعة (14 آذار) بالضغط من أجل فرض عدم أعطاء (الثلث المعطل) لجماعة (8 آذار)، هذا في حال فوز الأكثرية النيابية من جماعة (14 آذار)، أما في حال عدم فوزهم بالأغلبية النيابية وفي الوزارة، فأنه من المرجح أن تنسحب هذه المجموعة وتترك الساحة لجماعة (8 آذار) لتحدث بلبلة وفوضى في الحكم وفي البلد بشكل عام، مما يخلق أزمة اقتصادية حادة قد ترتد سلباً على جماعة (8 آذار)، وهو ما أعلنه بطريقة مباشرة بايدن المبعوث الأمريكي الذي زار لبنان والتقى رئيس الجمهورية واجتمع مع جماعة (14 آذار) مؤخراً، لذلك نسمع عن المليارات التي تتدفق إلى لبنان من أجل ترجيح فوز تيار جماعة (14 آذار) علناً!!