ديمقراطية ما بعد النكبة والمثقفين

فؤاد الحاج

منذ أن تعرضت فلسطين إلى الاحتلال ومن ثم إعلان الكيان الصهيوني تأسيسه في الخامس عشر من أيار/مايو 1948 بالحديد والنار وقتل الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه، كنا ولازلنا نطالع مئات البيانات والكتابات سنوياً في هذه المناسبة التي ألمت بشعب فلسطين، ومع انقضاء الأيام وازدياد النكبات وسنواتها يزداد عدد كتاب البيانات ومعهم يزداد عدد الروايات والأفلام التي تحكي قصة شعب فلسطين العربي ومقاومته للاحتلال الغاصب. وهكذا تمضي السنين ونحن نطالع تلك البيانات والروايات ومعها نطالع الإدانات والشجب والاستنكار لمواقف أنظمة الهوان العربية التي ساعدت ولازالت على تثبيت الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين، بدءاً من الاعتراف السري منذ ما قبل إعلان الكيان الصهيوني ككيان قائم بذاته وصولاً إلى العمل العلني المشترك بين أنظمة الاستبداد الناطقة بالعربية - ما بين المحيط الأطلسي والخليج العربي - والمحتلين الذين ترعاهم وتحميهم قوى الشر العالمية منذ عهد (بريطانيا العظمى) التي كانت تتستر برمز الصليب الذي تفننوا بألوانه وشكله وزواياه وأضلعه، وندّها فرنسا التي كان ولازال الديك رمزاً لها، وصولاً إلى خليفتهما اليوم إدارات الشر الأمريكية المتعاقبة على حد سواء الجمهوريين الذين جعلوا الفيل رمزاً لهم، والديمقراطيين الذين اتخذوا الحمار رمزاً لهم.. ومع اندثار شمس الإمبراطورية البريطانية نجد أن فرنسا لازالت تحلم بعودتها وتحقيق حلمها الإمبراطوري ومشاركة إدارات الشر الأمريكية بالسيطرة على البلدان العربية مع توسع حلمها بالسيطرة على بلدان الخليج العربي النفطية، وهذا ما برز خلال العدوان الأمريكي على العراق عام 2003 حيث لم تؤيد فرنسا هذا العدوان وعارضته بشدة معتبرة أنه ضد إرادة ما يسمونه المجتمع الدولي ومجلس الأمن الدولي، بينما بريطانيا ساهمت فيه بمختلف أنواع وصنوف الأسلحة والقوات العسكرية إضافة للدول التابعة للتاج البريطاني من دول الكومنولث وفي مقدمتهم استراليا، وبعض الدول التي ترزح تحت سيطرة صندوق النقد والبنك الدوليين، وكذلك المستفيدين من تدمير العراق ومنهم إيران، بمساندة من بعض أنظمة العار الناطقة بالعربية ومنهم دول الخليج العربي دون استثناء والنظام الحاكم في بلاد نجد والحجاز.

وفي المقابل نجد أن الأمة العربية بكل ملوكها وأمرائها ورؤسائها وزعمائها ودون استثناء يتخبطون بين ولاؤهم لبريطانيا وصليبها وأشكاله وألوانه المتعددة الذي يجده الباحث ضمن بعض الأعلام الرسمية لدول المصالحات في الخليج العربي، وبين الولاء لخليفة الاستعمارين البريطاني والفرنسي الذين أفل نجمهما دون أن تذره الرياح أو تعصف به الذاريات، لأنهما خلّفا جيلاً جديداً من المستعمرين الجدد الذين أبادوا الملايين من سكان أمريكا وكندا واستراليا الأصليين للتوسع والسيطرة على الخيرات الطبيعية لتلك البلاد باسم (التحرر والديمقراطية) وربيبتهم اليوم إدارات الشر الأمريكية المتعاقبة من حزب الفيل الجمهوري أو حزب الحمار الديمقراطي! ومع انهيار طموحات حزب الفيل الجمهوري والانكسارات الاقتصادية وكره العالم لأمريكا بعد غزو العراق واحتلاله عام 2003 والدعم الكامل للقاعدة الأمريكية الصهيونية المتقدمة في فلسطين، وبروز الحمار الديمقراطي وتوليه السلطة في أمريكا ضمن لعبة سياسية ذكية برئاسة بارك أوباما من أصول أفريقية، ليقولوا للعالم أنهم ليسوا بعنصريين وأنهم يؤمنون بالعدالة الاجتماعية وبحقوق الإنسان، في محاولة منهم لإعادة الهيبة والاعتبار لاسم أمريكا الذي نزل دون الدون من السلبية في عهد الفيل الجمهوري بقيادة جورج بوش الصغير، عادت فرنسا لتأخذ دورها في اقتسام الغنيمة في الخليج العربي حيث أقامت قاعدة عسكرية جوية وأخرى بحرية والباقي يتوالى لاحقاً، وقد أعلن الرئيس الصهيوني الفرنسي ذلك بقوله في افتتاح القاعدة الفرنسية "المسؤوليات التي تنوي فرنسا، وهي قوة عالمية، تحملها إلى جانب شركائها المميزين في هذه المنطقة الحيوية بالنسبة للعالم بأسره".!! فماذا يمكن أن نتوقع من قوى الشر العالمية التي شعارها ورمزها فيل، وحمار، وديك، وصليب مدبب الزوايا.!!!

وفي المقابل نجد الضياع والتقلّب حتى النقيض بين عدد كبير من الأحزاب والتنظيمات العربية كما بين هذه الجبهة وذلك الفصيل، الذين وعلى مختلف مسمياتهم يقولون أن فلسطين هي القضية المركزية دون أن يعرف المواطن ما المقصود بالمركزية. فهذا التنظيم يقول إن تحرير فلسطين هو الأولية في سلّم توجهاته، وذاك يقول أن إعادة الحقوق للشعب الفلسطيني هي الأولية، وبين هذا وذاك نجد أن حق العودة والتعويض لا يمكن التراجع عنهما، وبعضهم يقول بالعودة إلى حدود 1967، والبعض الآخر يقول إن الثوابت الفلسطينية هي تلك التي أقرتها منظمة التحرير الفلسطينية في بداياتها، مع العلم أن كل مقررات منظمة التحرير الفلسطينية وثوابتها ذهبت أدراج الرياح منذ أن دخلت هذه المنظمة في مباحثات سرية ومن ثم علنية مع الغاصبين لفلسطين في "مؤتمر مدريد" عام 1991، ومن ثم في المباحثات التي نتج عنها "اتفاقية أوسلو" المشؤومة عام 1993 وتم توقيعها في واشنطن برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون (الحمار الديمقراطي) زوج الست التي تحمل حالياً صفة "وزيرة خارجية أمريكا".. وكان نجوم ذلك الاتفاق "شيمون بيريز" رئيس الكيان الصهيوني حالياً ومحمود عباس "رئيس سلطة حكم الذات الفلسطيني" وشلة تلك السلطة المعروفين الذين تنازلوا عن كل أوراق التوت حتى لم يبق عندهم أي ورقة ليستتروا بها، دون أن ننسى سلسلة أمراء وملوك ورؤساء أنظمة الذل والهوان الذين يعملون سماسرة لترويج بضاعة "السلام" المزعوم إن كانوا "معتدلين"، أم "متطرفين" بحسب تعبير السيئة الصيت كوندوليسا رايس!! ودورهم في خلق الإحباط والقرف منهم، لأنهم طرف أساس في تحقيق بروتوكولات أعداء الإنسانية ضمن ما يسمى "الفوضى البناءة" بالنسبة لقوى الشر العالمية بقيادة أمريكا وبيتها الأبيض بغض النظر عن لون ساكنه أولاً، وثانياً من الموقف العربي بكافة ألوانه وأشكاله من أحزاب وتنظيمات لا تعرف سوى الرضوخ باسم الديمقراطية!! تلك الديمقراطية التي يتغنون بها ليل نهار في وسائل إعلامهم المختلفة.

ولا بد من التذكير هنا بـ(الديمقراطية والأخلاق والقيم الإنسانية) في أمريكا وفي استراليا على سبيل المثال لا الحصر، فقد حدث في ستينات القرن الماضي ولا يزال يحدث حتى يومنا هذا، وإن يكن بأساليب مختلفة، أن "سيدة ملونة مسنة كانت تجلس في سيارة نقل عامة (باص) ثم صعد رجل أبيض وطلب من المرأة أن تترك له مكانها، فامتنعت السيدة عن ترك مكانها لرجل أقدر منها على الوقوف لأنها عجوز في عمر أمه، فاستعان الرجل الأبيض بالشرطة التي ألقت القبض على السيدة المسنة وقدمتها للمحاكمة التي قضت بإدانتها وتغريمها، وهنا ثارت نفوس الملونين لهذا الظلم الاجتماعي، وقرروا مقاطعة سيارات النقل العامة، وصاروا يذهبون إلى أعمالهم ويعودون منها سيراً على الأقدام، ولكن (الحكومة الديمقراطية العادلة) لم تسمح لهم حتى بهذا الاحتجاج الذي لا مسيرات فيه ولا اعتصامات ولا خطابات ولا بيانات فعملت (الحكومة الديمقراطية) على القبض على مائة منهم وقدمتهم جميعاً للمحاكمة بتهمة مقاطعة وسائل المواصلات العامة واعتبار ذلك مقاطعة ورفض لقرارات الحكومة فقضت المحكمة بإدانتهم جميعاً".

ومن يطالع الصحف الأمريكية حتى الآن يجدها تطفح بحوادث امتهان حقوق الإنسان غير الأبيض، وتحقيره، والاعتداء عليه، وحرمانه من حقوقه المشروعة في الحياة، لا لشيء إلا لأنه غير أبيض، وكذلك الأمر بالنسبة لأستراليا التي أبيد سكانها الأصليون كانوا حوالي 200 ألف قبل الغزو الأنغلو-سكسوني لأستراليا ولم يبق منهم أكثر من عشرين ألف، تائهون، مشردون، وضائعون بين الحانات والمخدرات إلا ما ندر منهم، ومن يطالع تاريخ "الأبورجينيلز" سكان أستراليا الأصليين، يجد أنه عام 1977 لم يكن لهم أي حقوق تذكر وصولاً إلى بدايات تسعينات القرن الماضي حيث تم تعيين وزير منهم، هللت له وسائل الإعلام  الأسترالية لهذا "الحدث الهائل" بكل موجاتها وطباعاتها، وقد استمر ذلك لفترة بسيطة من ثم اختفى ذلك الوزير عن الشاشات والمطبوعات، كما تم تعيين وزير أبيض آخر مكانته، ورغم محاولات اعتراف الحكومات الأسترالية المتعاقبة من "أحرار" و"عمال" منذ منتصف تسعينات القرن الماضي بقضية حقوق السكان الأصليين، إلا أن ذلك لم يكن عملياً سوى دعايات إعلامية لا أكثر، إلى أن اعترفت حكومة العمال الحالية بحقوق "الأبورجينيلز" دون أن نجد عملياً أي تحقيق لذلك على أرض الواقع، وأيضاً من يطالع تاريخ سكان أستراليا الأصليين يجد أن كافة أنواع وصنوف الأسلحة المحرمة وغير المحرمة، قد استعملت لإبادتهم، وأهمها رميهم بقنابل الأمراض الخبيثة والمعدية، وقطع رؤوسهم، حيث كان "الصياد الأبيض" يقبض مبلغاً معيناً من المال (عشرة شلن) من الحكام المتعاقبين، عن قطع رأس كل شخص من "الأبورجينلز"!! ومن تلك الأنواع أيضاً كان خطف أطفالهم وبيعهم للبيض، وأذكر أنه في ولاية نيو ساوث ويلز في بداية السبعينات كان هناك مناطق خاصة يحظر فيها على السكان الأصليين دخولها، وكذلك كان هناك سيارات إطفاء خاصة بالبيض وأخرى خاصة بالأبورجينلز، بحيث إذا نشب حريق في منزل أو في أي مكان ما في مناطق الأبورجينلز كان البيض _الديمقراطيين) يحظروا على سيارات الإطفاء مد يد المساعدة في الإطفاء في مناطق الأبروجينلز، وعلى الرغم من أن ذلك قد تغيّر لاحقاً إلا أنه لم يصل إلى مرحلة إعادة الحقوق الكاملة لسكان استراليا الأصليين..

وهنا قد يقول قائل، أن الحكومات الأميركية المتعاقبة قد أعطت للملونين، وتحديداً السود أو الزنوج من أصول إفريقية، حقوقهم، وأن بعضهم وصل إلى مناصب رفيعة وعالية، إن في الحكومات مثل كولن باول وكوندوليسا رايس وأخيراً باراك أوباما الذي أصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، إضافة لوصول عدد كبير من الملونين لمراكز "مسؤولين كبار" في عدد من الدوائر الرسمية وغير الرسمية، أقول أن ذلك يبدو للوهلة الأولى أنه صحيح، ولكن وصول كل أولئك إلى هذه المناصب لا يعني أن حقوق الملونين في أمريكا لا تمتهن يومياً باسم الديمقراطية، وأن كل الذين وصلوا إلى هذه المناصب الرفيعة نسبياً، لا يوجد بينهم شخص سوي ويحترم حقوق الإنسان، وحرية المعتقد، وحرية وسيادة كل دولة في أي مكان في العالم، إلا ضمن مصالحهم ومصالح أسيادهم الذين أوصلوهم إلى تلك المناصب، وأخيراً إن هؤلاء بالنسبة لجموع ملايين الملونين في أمريكا، لا يمثلون أي رقم لا نسبي ولا غير نسبي مئوي، وأن كل هؤلاء كانوا وبالاً على البشرية ولنا في كولن باول وأكاذيبه التي أدت إلى تدمير العراق ومن ثم غزوه واحتلاله مثال واحد فقط، وهناك العشرات من الأمثلة التي يمكن تعدادها بهذا الصدد، وكذلك الأمر بالنسبة لكوندوليسا رايس ولنا في ما قامت به من دعم للاحتلال الصهيوني في فلسطين المحتلة، وفي العدوان الصهيوني المستمر على لبنان، واحتلال العراق خير مثال على تبعيتهم وتنفيذهم لأوامر أسيادهم في الحكومة الخفية، وكذلك الأمر بالنسبة لما حدث ويحدث في أفغانستان وفي الصومال وفي أفريقيا بشكل عام، لما قامت به هذه الكوندي، وما ذلك إلا أمثلة بسيطة ظاهرة لما قدمته الحكومات الأمريكية المتعاقبة من "جمهوريين" و"ديمقراطيين" ضد البشرية باسم "نشر الحرية والديمقراطية"، وأن باول ورايس في نهاية الأمر لم يكونا سوى دمى أي مبشرين لأسيادهم في الحكومة الخفية إن في إدارة الفيل الجمهوري دون أي اعتراض أو نقاش، وعندما شعر باول أنه لم ليس سوى دمية استقال من منصبه وأعلن عن الأكاذيب التي أطلقها للاحتلال العراق.

وأعتقد أن الكثير من المتابعين لمجريات الأوضاع العالمية مازالوا يتذكرون تندر الرئيس (الديمقراطي) بيل كلينتون بالتابع كوفي أنان أمين عام ما يسمى هيئة الأمم المتحدة عندما كان يهزأ به كان يلفظ اسمه مستهزأ فكان يناديه (كوفيييييي) وذلك يعني نسبة إلى لونه الشبيه بالقهوة أي بالسواد وهكذا.

أما بالنسبة لباراك أوباما فقد كتبت قبل أن يصبح رئيساً رسمياً للولايات الأمريكية المتحدة خلال فترة ترشحه للرئاسة الأولى، ولا زلت أكرر، أنه ليس أكثر من دمية، وعندما يشعر أسياده أنه غير صالح لتنفيذ مآربهم فأن نهايته في أقصى الحالات ستكون مثل نهاية جون كندي، أو سيخلقون له قضية مثل قضية (إيران-كونترا-غيت). ومع ذلك نجد أن العرب كل العرب ودون استثناء لا زالوا تائهين ما بين الفيل الجمهوري والحمار الديمقراطي الذين أضاعوا حقوق الإنسان في كل مكان.

بعد كل ما تقدم ألا يحق لنا أن نسأل ما هو دور المثقف الوطني والقومي؟

باختصار أقول أن ضياع الحقوق العربية بدأت مع المثقف التائه، الذي يريد الحرية والديمقراطية دون أن يعرف أين يقف، وكيف يمكن تحقيق مطالبه، فهو يريد الحرية والديمقراطية دون أن يبني أسساً متينة ليقف عليها، من خلال تعليم وتثقيف الجماهير، مع العلم أن مؤسسي الأحزاب القومية العربية منذ بدايات أربعينات القرن الماضي، قد وضعوا الأسس لكيفية الحصول على الحرية والديمقراطية، ولتحقيق العدالة الاجتماعية، ولبناء الوطن لجميع أبنائه، ولكن مع الأسف نجد أن المثقفين الجدد، قد ابتعدوا عن تلك المفاهيم والأفكار، وبدأوا بطرح آراء وأفكار جديدة، إذا نظرنا إليها وقرأناها بتمعن، نجد أنها صيغ مختلفة لما طرحه رواد القومية العربية الأوائل، وأن الرواد الأوائل في طروحاتهم وأفكارهم إنما كانوا أكثر قدرة على التوسع الشرح في ما يريدون إيصاله إلى الجماهير التي كان معظمها أميّاً آنذاك، وكان الرواد الأوائل أكثر قدرة على استشفاف مستقبل الأمة العربية والإنسانية، لذلك نرى ونطالع في الكثير من المواقع عبر شبكة الانترنيت عودة إلى قراءة ونشر ما كتبه رواد القومية العربية الأوائل، وفي المقابل أيضاً، نجد أن المثقفين الوطنيين والقوميين الملتزمين، وغير الملتزمين، أو المنضويين تحت لواء أي من الأحزاب الوطنية والقومية أنهم لم يقاموا بما يجب أن تكون المقاومة والرفض لطروحات القوانين التي فرضتها أنظمة الاستبداد الناطقة بالعربية، كما نجد أن الكثير من المثقفين الوطنيين والقوميين قد تركوا الأحزاب التي كانوا ينتموا إليها ليس كرهاً، بل لأنهم وجدوا أنفسهم مهمشين بسبب تصرفات القيادات أو المسؤولين الذين تحوّل عدد كبير منهم إلى ممجد للسلطان أو أن بعضهم أصبح تاجراً كبيراً، بمعنى أنه استغل مركزه الحزبي وبات يتصرف بما تقتضيه مصلحته الشخصية لا خدمة مصلحة تحقيق أفكار الحزب وأهدافه، كما أبعد الكثير من الوطنيين والقوميين الحقيقيين، وقرّب أنصاف المثقفين الذين وصلوا إلى مراحل متقدمة في قيادة تلك الأحزاب والتنظيمات.

وهنا أؤكد على أم مأساة أو نكبات الأمة العربية التي بدأت عام 1948، إنما هي ليست سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد، وما سلسلة النكبات المتلاحقة التي تلت 1948 وصولاً إلى عام 1990 إلا مراحل في ما وصل إليه حال الأمة العربية اليوم، حيث تم ترويض الجماهير أولاً من خلال أنصاف المثقفين الذين لا يوجد لديهم بعد نظر لا سياسي ولا اجتماعي ولا اقتصادي، ومع الأسف هم الذين يقودون الآن شرذمة الأحزاب الوطنية والقومية، بينما القيادات التاريخية أو المؤسسة، منها من مات دون أن يدري أحد عنهم شيئاً، ومنهم من طوته الذاكرة وصفحات الإعلام الحزبي فباتوا نسياً منسيا. أما القيادات الحقيقية والأصيلة المؤمنة في أفكار وأهداف القومية العربية، إما هم مشردون في بلاد الله الواسعة لا تقبل سلطات بلادهم الأم عودتهم إليها فباتوا يعيشون مع آمالهم وأحلامهم وأمراض شيخوختهم في أصقاع متفرقة من العالم، وأن من عاد منهم قسراً إلى وطنه الأم، فإنه يعيش قيد الالتزام بعدم التصريح أو الكتابة أو الاشتراك في أي عمل جماهيري، أو ضمن أي مجموعة غير المجموعات التابعة لأنظمة الفساد والذل، بمعنى لآخر أنهم قيد الإقامة الجبرية.

والجانب الأخطر من جهة أخرى، إنما هو قبول القوى والأحزاب والتنظيمات والفصائل والجبهات وكل النقابات العمالية والمهنية وكل الفصائل الفلسطينية دون استثناء، وكل رجال الدين أيضاً دون استثناء، وكل ما له علاقة بالعمل والتواصل مع الجماهير عام أم خاص، أعني قبول كل أولئك بإلغاء كلمات مثل الصراع  العربي الصهيوني، والكيان الصهيوني، واستعمال بدلاً منها كلمة (الصراع العربي-الاسرائيلي)، و(حل الدولتين)، و(الدولة العبرية)، و(الدولة اليهودية)، و(الشرق الأوسط) حتى كلمة (اسرائيل) مع الأسف لم يعودوا يضعوها بين قوسين أو هلالين، إضافة للكثير من الكلمات التي كانت سائدة في لغة الأحزاب والمنظمات والسياسيين قبل غزو العراق واحتلاله، ولا يعني ذلك أن العراق كحكم وحكومة وطنية وقومية لم تستعمل لفظة (إسرائيل) خلال فترة أبشع حصار في تاريخ البشرية الذي وصل إلى أكثر من اثني عشرة سنة، ولكن ذلك كان له ما يبرره آنذاك، بسبب التهديدات الأمريكية والبريطانية منذ ما قبل وبعد الحصار من أجل توجيه الرسائل السياسية الخطابية إلى غير العرب، وتحديداً إلى إدارات الشر المتعاقبة في أمريكا، كما أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر استعمل تلك الكلمة، وذلك لا يعني أنهم عير وطنيين وغير قوميين، لذلك يجب علينا أن نفرّق بين الحكم وبين القوى والأحزاب الوطنية والقومية في استعمال تلك الكلمات، لأننا عندما نقول أن الحزب الفلاني كان حاكماً في العراق، وأن الناصريون حاكمين في مصر فهذا تعبير مجازي لا يمت للحقيقة ونظام التعامل بين الدول، وإن يكن حزب البعث العربي الاشتراكي كقيادة قطرية كان لها الأثر المميز في طرح القوانين وتحقيق أهداف الحزب وأفكاره على صعيد القطر، ولكن على صعيد التعاون أو العلاقات بين الدول لم يصل إلى حد تحقيق كامل أهداف وأفكار وطروحات الحزب إلا نسبياً، وهذا له بحث آخر. المهم هنا أن الكثير من الكلمات التي كانت سائدة التي ذكرت بعضها أعلاه، إنما مسحت من التداول إن في قاموس الأحزاب الوطنية والقومية، وفي لغة التداول الجماهيري منذ عام 2003 نهائياً، حتى أن الذين يقال لهم مفكرين وباحثين - وما أكثر تلك الألقاب - أيضاً بدأوا يستعملون تلك الكلمة في كتاباتهم وفي حواراتهم، وقد انسحب ذلك على وسائل الإعلام دون استثناء الرسمية والخاصة والحزبية، حتى أن أولئك المثقفين والإعلاميين الوطنيين والقوميين الذين نجد في أي مقالة أو تحليل لهم، أو في أي حوار متلفز نجد أنهم يستعملون كلمة (اسرائيل) التي ترد في كلماتهم وعلى لسانهم مرات ومرات، ليس ذلك فحسب بل حتى أن وزراء في دول من المفترض ولو اسميّاً أنها تحكم باسم حزب قومي عربي أو مؤتمر أنهم يستعملون تلك الكلمات المرفوضة أساساً من قبل حزبهم أو مؤتمرهم، وهي - أي تلك الكلمات - التي قام على أساسها ذلك الحزب، وبنى شعبيته وجماهيره من أجل مقاومتها وتحقيق أهدافه في الوحدة العربية وتحقيق الدالة الاجتماعية، وحتى في مؤتمرات يقال أنها قومية عربية مثل (المؤتمر القومي العربي) و(الأحزاب العربية) فأنهم مع الأسف أصبحوا يستعملون تلك الكلمات دون خجل أو خوف من أي معارضة لا جماهيرية ولا حزبية! وهنا مكمن الخطر، حيث أنهم في كتاباتهم أو في حواراتهم ومؤتمراتهم إنما يكرسون مع الأسف وجود الكيان العنصري الغاصب لفلسطين العربية، وهو ما أفرح الصهاينة بحيث كتبوا كتاباً خاصاً عن نجاحهم في تحقيق وتثبيت الكيان الصهيوني في أرض فلسطين بعد أن أزال العرب اسم كيانهم من (بين قوسين).!

أكتفي بما ذكرته أعلاه، لأنتقل إلى موضوع آخر هام له علاقة بأسباب نكبات الأمة ودور المثقفين أيضاً، ألا وهو العلاقات التجارية مع دول الغرب بشكل عام، لأقول أن الأنظمة التي أولت قيادة بنائها وتجارتها إلى أعداء الإنسانية، وأقاموا العلاقات التجارية مباشرة أو غير مباشرة، وفتحوا مكاتب تجارية أو مكاتب اتصالات أو علاقات، وما إلى هنالك من تسميات مع الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين، ومع الولايات المتحدة الأمريكية، إن من خلال الشركات المتعددة أو من خلال منظمة (الغات) وغيرها، ويتفاخرون بذلك، فأن الراسخين في علوم السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، يرونها دليلاً على انهيار الأمم، لأن قيادات تلك الدول الناطقة بالعربية، قد أسلموا قيادة بلدانهم لمن قالوا عنهم، - أي عن العرب عموماً وتحديداً أنظمتهم - في بروتوكولاتهم: "عمياناً، وكلاء، أجراء، أغبياء..." ومن يرد المزيد عليه بالعودة إلى قراءة البروتوكولات مجدداً، وأن ما حدث مؤخراً من انهيارات اقتصادية عالمية، ليس إلا طرفاً من مؤامرات الصهيونية العالمية، وهذا لا ريب يدل على واقع وحقيقة ما ورد في تلك البروتوكولات. إضافة إلى أن أنظمة الذل والعار الناطقة بالعربية كما ذكرت أعلاه، إنما هم خَدَمْ للصهاينة من أجل تحقيق مقولاتهم في هدم المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، "لأنهم رعيان، والرعيان لا يأبهون من أن تأكل مواشيهم ما تأكل".

وأخيراً أرجو من جميع المثقفين الوطنيين والقوميين، لحظة تأمل منهم، بلوحة الوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج، تلك اللوحة الفسيفسائية من المشرق إلى المغرب العربي، التي تروى بأنهار الدماء المتدفقة في العراق وفي فلسطين وفي الصومال وفي موريتانيا وفي السودان وفي اليمن وفي الجزائر وفي لبنان وباقي أرجاء البلاد العربية منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا، أكرر فقط أريد منهم التأمل بما تبثه فضائية "الجزيرة" كما كل الفضائيات الأخرى الناطقة بالعربية، - اخترت اسم "الجزيرة" لأنها على ما يبدو الأكثر انتشاراً ومشاهدة حتى بين صفوف المثقفين في البلاد العربية - وعلى أي أخبار ومقابلات ومواضيع تركّز، حتى تلك البرامج التي يسمونها بالوثائقية، والعلمية والسياحية والتكنولوجية وغيرها من برامج  التي هي بالأساس مترجمة أي منقولة عن برامج ليست من صنع أو تصوير أو توثيق تلك الفضائيات، بل هي مأخوذة أو مشتراة أو مقدمة من دول مثل كندا، واستراليا، وأمريكا، وفرنسا، وبريطانيا، وحتى تلك الفضائية الإٌيرانية المسماة "العالم" الناطقة بالعربية ومعظم مذيعيها ومذيعاتها من لبنان من فئة محددة، فأنهم يركّزون على إطلاق اسم (الخليج الفارسي) على الخليج العربي، كما على لقاءات محددة ظاهرها أنها ضد الكيان الصهيوني، وأنها ضد الطائفية، لأسأل إذا كانت تلك الفضائيات ودون استثناء ضد الكيان الصهيوني، فلماذا هذا الكيان المسخ يسمح لهم بفتح مكاتب وتصوير ونقل لبعض الأحداث، وأجراء المقابلات حتى مع المسؤولين في الكيان الصهيوني، فهل صحيح أن الكيان الصهيوني أصبح (واحة الديمقراطية) في وسط أنظمة استبداد وذل تنطق بالعربية؟! وهل إيران و"عالمها" ومراسليه يؤمنون بحق العرب في فلسطين وبحق حرية و(استقلال البلاد العربية)؟!

وبما أن الحديث يطول حول ذلك كما أن طرح التساؤلات لا أعتقد أنه ينتهي هنا، أقول مذكّراً بأن ما تسعى له الصهيونية العالمية، وعلى لسان المسؤولين الأمريكيين من (ديمقراطيين) ومن (جمهوريين) دون استثناء، حول مخطط ما أسموه (الفوضى البناءة) التي هي في واقعها فوضى هدامة، أن ما نراه الآن من أحداث في اليمن وفي مصر وفي لبنان وفي موريتانيا وفي فلسطين وفي عدد آخر من الأقطار العربية، إنما يصب في خانة تحقيق ذلك المخطط البغيض. وكذلك أن ما نشاهده في الفضائيات الناطقة بالعربية ودون استثناء، وما ينشر في بعض وسائل الإعلام وفي مواقع في الانترنيت، من حوارات وكلمات وبرامج أيضاً تصب في مخطط الفوضى الهدامة، وأيضاً ما نسمعه في غرف (البالتوك) وغيرها، إنما يخدم ذلك المخطط الهدام، بمعنى أن الصهاينة يعملون على تنفيذ مخططاتهم القديمة وتوسعهم على حساب طرد الشعب الفلسطيني من أرضه، وطرد العراقيين من أرضهم واستقبالهم في دول الغرب دون استثناء، بحجة حقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية، ليتم تفريغ أرضهم وتوطين آخرين غرباء عنها، وفي الوقت نفسه ليستفيدوا من المهاجرين العرب في كافة المجالات، إن كخبراء أو علماء أو عمال، أو من خلال أولادهم وأجيالهم الذين يصبحون مواطنين بالولادة يحملون جنسيات تلك البلاد التي يلدوا بها، تماماً كما حدث مع اللبنانيين الذين هاجروا من وطنهم منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، بسبب الحرب المؤامرة التي ساهم في إشعالها ليس القوى الانعزالية فقط، بل كل القوى في لبنان ودون استثناء من خلال الرد والرد المضاد بدعم صهيوني وعربي وأوروبي وأمريكي، وهذا يحتاج لبحث آخر مطوّل. المهم هنا أنه بينما الصهاينة ينفذون مخططاتهم التي لا يمكن ينسوها في الأدراج، كما يفعل العرب الذين يتلهون في الردود والردود المضادة، كما يتلهون في مقاومة بعضهم البعض، وتكفير هذا وذاك باسم الإسلام الذي هو منهم بريء، وما الكلمات التي نسمعها مع الأسف من العراقيين واللبنانيين ومواطني الخليج العربي والجزيرة العربية عن المذاهب والفرق وتكفيرها، سوى خدمة الصهيونية العالمية التي تريد تشتيت وتفريق العرب والمسلمين تحقيقاً لمخططاتهم، - ومن يعود لقراءة ما كتبه (هرتزل) في كتابه (الدولة اليهودية) عام 1896 ليجد ملخص ما أوصى به في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل في سويسرا ، وأن معظم ما طرحه آنذاك من مخططات كلها تم تنفيذها تقريباً – وأهمها تهديم المجتمعين العربي والإسلامي، وإعادته إلى عصور الجاهلية، وهي ما تسميه وتتفنن به الإدارات الأمريكية المتعاقبة (الفوضى البناءة) التي هي ليست إلا ضمن مسلسل تحقيق توصيات (هرتزل).

وأن ما تبثه فضائية "العالم" التي هي الوجه الآخر لفضائية "للجزيرة" إنما أيضاً تخدم مشروع ما أسماه اللعين جورج بوش الصغير "إعادة رسم خارطة المنطقة العربية" التي تعني صراحة تقسيم البلاد العربية إلى كانتونات وهو مخطط صهيوني قديم ابتدأوا في محاولة تنفيذه في لبنان عام 1975، ونجحت الإدارات الأمريكية المتعاقبة في تحقيقه في العراق ولو مرحلياً – مع أن ذلك لن يدوم لأن الشعب العراقي وأبناء الأمة العربية الوطنيون والقوميون لن يسمحوا بذلك -، إضافة إلى تقسيم البلاد العربية إلى طوائف ومجموعات مذهبية، وما يحصل الآن في اليمن ليس سوى تمهيد آخر لإعادة تقسيم هذا البلد العربي بعد اقتتال اليمنيين فيما بينهم، ولنا في ما حدث ويحدث في الصومال وفي موريتانيا وفي السودان برهان ساطع لا يحتاج إلى الجدل حوله.

على أمل أن يعود المثقفين العرب الوطنيين والقوميين إلى إعادة النظر في فسيفساء الوطن العربي وما يجري فيها، لأن الأجيال لن ترحم أي منهم، كما لأنها لن ترحم أنظمة الذل والهوان الناطقة بالعربية.. ولا يسعني إلا أن أقول اللهم استر من الآت..