الوحدة العربية.. كيف ومن سيحققها؟

فؤاد الحاج

تمر علينا في هذه الأيام ذكرى أول وحدة عربية اندماجية بين القطرين المصري والسوري 22/2/1958، ورغم الانفصال 28/9/1961 فقد ترك ذلك فراغاً ملأته أقلام مفكرين قوميين دون أن ينزل إلى مستوى التطبيق الفعلي وبقي حلماً على الورق، ورغم كل ما قيل ويقال من نقد سلبي من بعض المأزومين ضد الوحدة العربية، وفي كل عام في مثل هذه الأيام نطالع بيانات تدعو إلى الوحدة العربية بأي شكل من الأشكال اندماجية أم اتحادية فيدرالية ينطلق معظمها من على منابر تنظيمات تحمل شعار الوحدة العربية.

فعلى الرغم من صدور عشرات الكتب لمفكرين قوميين وحدويين، ومن كل ما قيل ونشر حول مفهوم الوحدة العربية، وعلى الرغم من تعاسة الوضع المأساوي الذي تعيشه الجماهير في ظل حكم أنظمة تفتقد إلى التضامن التي أعدمته بتبعيتها لأعداء الأمة والإنسانية، وزادت من شرذمة الأمة وتفريقها لأي عمل وحدوي حتى ولو على صعيد اقتصادي فيه مصلحة للنظم الحاكمة، فأن الوحدة العربية تبقى أملاً تتطلع إليه الجماهير العربية.

وكي لا ندخل في متاهات التجارب الوحدوية الفاشلة وإشكالياتها، فإننا نتطلع إلى قيام عمل وحدوي مبني على أسس من التجارب الوحدوية التي كان أهمها تجربة الوحدة المصرية – السورية لأنها غنية بالإشكاليات التي تعطينا دفعاً لتجاوز أي مخاطر مهما كانت.

من هنا فأننا نتساءل هل يمكن الحديث عن الوحدة حديثاً جدياً، في زمن تكريس الانقسام والتجزئة، وفي ظل "سايكس-بيكو" الصهيو-أمريكية الجديدة، وسيطرة ملوك الطوائف، والقطرية والإقليمية، والتشرذم الشعبي العربي المنقسم بين تيارات طائفية ومذهبية فاعلة، وأخرى وطنية وقومية لا تأثير لها سوى على المنابر والبيانات؟! وهل عندما نتحدث عن الوحدة نكون نهرب من واقع التجزئة إلى خيال الأمل والحلم بغد أفضل؟

ففي ظل الواقع المعيوش لا نجد قطرين عربيين من المحيط إلى الخليج تسودهما علاقة معقولة من الترابط القومي، سوى مصالح ودرجات مختلفة من التعاون المبني على اتفاقيات ثنائية ينفرط عقدها لدى أول تناقض بسبب موقف سياسي من قضية ما، في الوقت الذي نجد أن الاتفاقيات الثنائية بين دولة عربية وأخرى غير عربية مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا واسبانيا على سبيل المثال، أقوى من أن تقطعها أي مشكلة حتى لو كانت ليست في صالح أي بلد عربي يقيم مع تلك الدول علاقات واتفاقيات، بالأساس هي في غير صالح العرب إجمالاً ولدينا دول الخليج العربي وبلاد نجد والحجاز ومصر والأردن وغيرهم من المغرب العربي مثالاً على ذلك.

وفي المقابل تطالعنا جميع وسائل الإعلام العربية الرسمية منها والخاصة دون استثناء حتى مواقع الانترنيت المختلفة التوجهات والاتجاهات، بأهمية وضرورة قيام الوحدة العربية، وكذلك نسمع من معظم إن لم يكن من كل المسؤولين في أنظمة الذل والهوان العربية عن ضرورة وأهمية الوحدة في كل مجالاتها ومنها الاقتصادية والسياسية!! دون أن يطبّق أي منهم ولو جزءاً بسيطاً ألا وهو إلغاء التأشيرات وجوازات السفر للمواطنين العرب وإلغاء السفارات فيما بين الدول العربية.

فكيف يمكن الحديث عن الوحدة القومية، في ظل انقسام الكل إلى أحاد، وانشطار الآحاد إلى أحادات؟!

وكي لا أطيل في التقديم، لا بد من القول، أن أنني هنا لا أخاطب قليلي الإيمان بقدرة الجماهير على صنع المعجزات، في حال وجدت قيادة وطنية وقومية تقودها إلى بر الأمان، مع التمني بأن يطالع أولئك المناضلون والمنظرون الذين تعجلوا الوصول إلى غايتهم في السلطة والحكم، وكذلك رفاق الدرب الذين كانوا مؤمنين بوحدة الأمة ومن ثم فجعوا بتعقيدات الواقع على الصعيد الوطني، والقومي، والإقليمي، والدولي، ولاح الطريق أمامهم وعراً وشاقاً وطويلاً، فآثروا الانسحاب مستبعدين من أفقهم الفكري أهمية الوحدة العربية وضرورتها.

إنني أتوجه بكلمتي هذه إلى الذين سوف يصنعون أقدار الأمة العربية ومستقبلها، القريب والبعيد على حد سواء، وهم من جماهير ملايين الفقراء المناضلين ما بين المحيط والخليج، الذين تنطبق مصالحهم مع تحقيق الوحدة الشاملة، لأنهم هم الأغلبية، وهم المستفيدون وليس تلك الأقلية الحاكمة التي مهما طال الزمن سينقضي أجلها وتولي.. كما أني أخاطب بكلمتي هذه جماهير المثقفين الذين لم تغمد سيفهم بعد، ولم يضيعوا في متاهات اللغو النظري والتطبيقي، ولم يستسلموا لبرودة اليأس، وللإحباطات الممزقة.

وكذلك أني أتوجه إلى الشبيبة العرب الذين بزغت شمسهم في شفق مرحلة تاريخية غربت يوم احتلال العراق، وإلى أولئك الذين لم يروا سوى على شاشات الفضائيات الخنادق، والصواريخ العابرة للقارات، والقنابل التي لم يسبق أن استعملت في تاريخ البشرية، التي تذيب الحديد الصلب، وتبيد الزرع والضرع، وتسمم الأرض لمئات السنين، إن في العراق أو في فلسطين المحتلة، إني أخاطب أولئك الذين لم يستسلموا، ولم تغم بصائرهم عن المؤامرات والطعنات في الظهر، ولم يروا إلا الممثلين الأقزام الذين سرقوا دور الأبطال وحاولوا التعتيم عليهم إعلامياً وفي كل مجال.

فإلى هؤلاء جميعاً أتوجه، متمنياً أن يعرفوا بأن كل ما جرى ويجري في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج، أن ذلك ليس نهاية العالم، وليس نهاية التاريخ، إنما هي تقلصات وحشرجات عالم ينتهي ليبزغ فجر جديد، -على الرغم من أن المخطط الصهيو-أمريكي يسميه "الفوضى الخلاقة" أو "الفوضى البناءة"-، وأن كل ذلك ليس إلا لحظة مخاض لميلاد وطن جديد رغم المأساة والمعاناة والألم، وسط العداء السلطوي والخارجي الصهيو-أمريكي-الشعوبي، وأنه على كل أولئك وهؤلاء أن يحولوا ما يريده الأشرار وأعداء الإنسانية إلى ولادة جديدة من خلال احتضان تلك الولادة الجديدة، وأن يشاركوا في نموها، وأن يصنعوا منها لهم ولأجيالهم مستقبلاً أكثر إشراقاً وأقل عذاباً، وبذلك يمتلكوا القدرة على الفعل ورد الفعل إلى أعداء الأمة.

إنني أخاطب الذين صمدوا وسط هدير الأمواج العاتية، الذين حملوا على أكتافهم شاقول البناء عندما تآكلت الدعائم، وخاضوا معارك تقرير المصير عندما قرر كل منهم أن يعمل من خلال الأنا دون العمل الجمعي المشترك، وكان كل منهم كالقابض على الجمر، كما أني أخاطب هؤلاء القادة القوميون الوحدويون الذين ارتكبوا الخطأ الكبير عندما تمسكوا بوحدة النضال، ولكنهم لم يبنوا ولم يؤسسوا جيلاً من القادة المؤمنين، بسبب خوفهم على وحدة النضال، مما أدى إلى تفتيت القوى الوحدوية المؤمنة بوحدة المصير ووحدة النضال.

من كل ما تقدم أعود إلى التأكيد على، أنه في الوحدة، تكمن الصحة والقوة، ومع التجزئة يفقد العرب شخصيتهم الحضارية، لذلك يجد الفكر القومي العربي الوحدوي نفسه مطالباً باستجلاء أبعاد المؤامرة الكبرى الراهنة على القومية العربية والوحدة العربية، مؤامرة التحالف الصهيوني الشعوبي، التي كشفت عن أكبر فضائح العصر، من خلال غزو العراق واحتلاله، والعدوان المستمر على شعب فلسطين من أجل تفتيت الأرض العربية ومحاولة إلغاء الهوية القومية، وتفتيت المجتمع العربي، وتكريس التجزئة لتكون عامل مضاد للوحدة، ومجهض للنهضة القومية.

وفي ظل مأساة الواقع العربي الراهن، في فلسطين كما في العراق، تستيقظ الأسئلة النظرية كلها وتتجمع أمام الفكر العربي الوحدوي معلنة عن الحاجة إلى مستوى جديد أكثر علمية وحضارية لتحقيق وحدة النضال والعمل العربي المشترك من أجل مستقبل أفضل للأمة العربية.

فمنذ محاولة التتريك العثماني منذ نهاية القرن التاسع عشر في المشرق العربي، ومن ثم الاستعمار الغربي في المشرق والمغرب منذ بدايات القرن العشرين، ومن ثم صدمة الاحتلال الصهيوني ونكبات فلسطين المستمرة، وصولاً إلى الصدمات المتلاحقة منذ احتلال العراق عام 2003، من محاولات التفتيت والتجهيل وتكريس الأنظمة العربية لحالة التبعية والارتهان للغرب بشكل عام، ولمحفل الشر بقيادة أمريكا بشكل خاص، ما يكشف بوضوح أن الطابع الجدلي لتطور حركة النهضة القومية العربية، التي قادت الصراع المصيري للأمة العربية في مواجهة التحديات الخارجية من جهة، وإفرازات واقع التجزئة والتبعية والاستغلال في المجتمع العربي، عبر المراحل المختلفة لم ولن تتوقف، وأن الفكر القومي العربي الوحدوي، يواجه في اللحظة الراهنة مرحلة تعتبر من أقسى تحديات مرحلة النهوض القومي، التي كانت ولا تزال تتعرض لها الأمة العربية عبر تاريخها.

ومع كل تصعيد لوتيرة المؤامرة على القومية العربية يزداد معها إيقاع الضرب على مفهوم الوحدة العربية، ومنع أي شكل من أشكال الوحدة العربية منذ انفصال الوحدة السورية المصرية، حتى ولو كانت وحدة اقتصادية بين قطرين عربيين، والمتابع لمسيرة التحرك الوحدوي العربي منذ عام 1961 يجد أن فكرة الوحدة والفكر الوحدوي حوربت باسم الوحدات في المشرق والمغرب العربي، كما أنها حوربت تحت شعار الاشتراكية الأممية، والديمقراطية الليبرالية، ثم برزت الظاهرة السياسية الدينية على حساب مفهوم القومية العربية التي اتهمتها بالعلمانية وكفرتها، ولا زالت اليوم تعيث فساداً وتدميراً بالمجتمع العربي، وتزرع بذور الخلاف والتشتت من خلال المذهبية والطائفية، وكذلك شن الحملات المعادية ضد الفكر القومي العربي من خلال ذر كلمات مثل "الديمقراطية" مع أن أول من طرح فكرة الديمقراطية العربية منذ عام 1947 هي الأحزاب القومية العربية.

لذلك على المفكرين القوميين الوحدويين العرب، في ظل التحديات والأوضاع الراهنة للأمة، أن يمارسوا أوسع قدر من النقد والنقد الذاتي، حتى يتاح لمسيرة تطور الفكر القومي العربي أن تحقق ما تتطلبه المرحلة من تجاوز للأوضاع السلبية التي شابت المراحل السابقة، وأن البعد العلمي الثوري هو الذي يميز المفكر القومي الوحدوي في عملية النقد والنقد الذاتي البناء، ومن خلال هذا البعد والنقد والبناء تتضاعف مسؤولية المفكر القومي الوحدوي في هذه المرحلة الخطيرة من نضال الأمة العربية.

وفي الوقت نفسه على القيادات الوطنية والقومية أن تبدأ ولو متأخرة، في إعداد القيادات الشابة من الجيل الجديد، لأنه في ضوء قوانين الصراع مع أعداء الأمة من المشرق ومن الغرب بشكل عام، نجد من خلال ملاحم البطولة التي تسجلها المقاومة الوطنية والقومية في العراق والقوى الحية في فلسطين المحتلة وفي لبنان كما في الأحواز وفي الصومال وإريتريا والسودان وباقي أرجاء الوطن العربي الكبير، إن في عراق التاريخ والحضارات أو في فلسطين المحتلة ضد تحالف قوى الشر والصهيونية والامبريالية والشعوبية، أنها كلها من الجيل الجديد التي تخطط بصبر ووعي، وتوازن نفسي، للذود عن حياض الوطن وحماية الأرض والعرض، وفي ضوء معاناة أبناء الأمة في جميع أقطارهم من ظلم أنظمة الاستبداد، لذلك أكرر على القيادات الوطنية والقومية أن توظف الفكر القومي العربي الوحدوي الذي آمنت به، من أجل تطوير النضال الوحدوي وإبراز القيادات الشابة وإنضاج الجوانب التاريخية والفكرية القومية العربية لديها.

فبمقدار عمق الجرح الذي أحدثه الغزو والاحتلال الصهيو-أمريكي-الشعوبي المستمر منذ عام 2003 في العراق، والصهيونية الأخيرة في فلسطين المحتلة، وبمقدار الألم في نفوسنا من أنظمة الذل والهوان الناطقة بالعربية، وبمقدار التناقضات والمفارقات والخلافات المسكونة بالعجز الرسمي العربي الذي أصبح أحد ثوابت حياة العرب المعاصرة، ولولا إشراقة أمل تأتي من سماء العراق حيث انتصارات المقاومة الوطنية والقومية ضد الغزاة والمحتلين وأذنابهم، وأخرى تلمع في سماء فلسطين المحتلة حيث الصمود الرائع وعظم التضحيات رغم تعاظم عنف هجمات المحتلين، وتآمر الأقربين المرتمين في أحضان أعداء الإنسانية وقوى الشر بقيادة الإدارات الأمريكية المتعاقبة، فأن تجربة أول وحدة عربية تتلخص بأعمق معانيها من خلال حركة النضال الشعبي العربي ببعدها الفكري القومي، وبعمقها الحضاري العربي، رغم كل ما قيل عن أخطائها فأن المعالجات الفكرية التي تناولتها تلك التجربة افتقدت إلى الإيمان بالوحدة وضرورتها حيث أن عدداً من الذين كتبوا عن تلك التجربة ممن كان لهم دور فيها منطلقين من وجهة نظرهم أو من حكمهم الذاتي دون أن يأخذوا في عين الاعتبار المنطق الشعبي الديمقراطي الذي تأثر وأثر بمجمل سلبيات وإيجابيات تلك الوحدة التي سميت بـ"التجربة المرة". إضافة إلى أن تحديات الواقع العربي الراهن كان ولا يزال استمرار لحالة التخلف والتجزئة وفقدان الاتجاه الحضاري الواحد، بسبب الصراع المستمر مع الاستعمار والامبريالية والصهيونية والشعوبية منذ أن حصلت الأقطار العربية على استقلالها الاسمي، ومن يعيد قراءة تاريخ العرب منذ أربعينات القرن الماضي وصولاً إلى يومنا هذا يجد أن الأمة العربية لم ترتاح يوماً من المؤامرات والحروب الطاحنة والتدخل في شؤونها الداخلية، حتى أن الوحدة السورية المصرية تعرضت لتدخلات ومحاولات وأدها من قوى الشر العالمية، كما أن الصراعات العربية-العربية المدفوعة والمؤيدة من قوى الشر العالمية لعبت دوراً مؤثراً في وأد كل عمل عربي توحيدياً إن سياسياً أو اقتصادياً، لذلك على يجب على المفكرين العرب وعلى القيادات الوطنية والقومية أن تحسم مشكلة التخلف بالخيار القومي الواضح والحاسم، وأن الإسلام إنما هو النسيج الروحي والحضاري للأمة العربية وأن الدين لله والوطن للجميع، وأن مفهوم الوحدة العربية بمضمونه ومفهومه يجب أن يطرح على الجماهير العربية بشكل كامل وواضح، وأن تستند الوحدة العربية إلى الإيمان بالمنطق القومي الشعبي وبالعمق الحضاري العربي. وأنه يمكن من أجل تحقيق الوحدة العربية من منطلق قومي أن نبدأ بتقارب شعبي مثل فتح الحدود بين قطرين عربيين وإلغاء التأشيرات وجوازات السفر بينهما مثلما فعلت قيادتا العراق وسوريا منذ عام 2000 وحتى غزو العراق واحتلاله عام 2003، كبداية لتحقيق الوحدة الشاملة بين القطرين.

وإذا كانت الهزائم والنكسات التي مرت بها الأمة العربية، وآخرها ما حدث في غزة، قد أثمر حالة من الوعي والنضوج القومي لدى الجماهير العربية من خلال التفاعل الشعبي العميق مع المصير القومي العربي، فأن ذلك يعني أن الوحدة العربية هي مطلب شعبي يعيشها الشعب في كفاحه ونضاله اليومي، إن من أجل فلسطين أو من أجل مطلب اجتماعي كالتضامن الجماعي مع معتقل في أي من الأقطار العربية التي نشهدها من خلال بيانات ومسيرات من مختلف الأقطار العربية، أو في سبيل مطلب اجتماعي مثل الغلاء أو في سبيل الحقوق الوطنية، من هنا فأن المطلوب من المفكرين القوميين العرب كما من القيادات الوطنية والقومية في البلاد العربية أن تستثمر ذلك من أجل تكريس مفهوم وأهمية الوحدة والنضال المشترك، دون أن ننسى أن ذلك ليس بالمسؤولية السهلة ولا البسيطة، لأن أعداء الأمة متربصين ومتغلغلين في كل البلاد العربية وأن الأنظمة الحاكمة أول من سيعيق أي عمل وحدوي شعبي، ولكن ذلك لا يجب أن يمنع استثمار رد الفعل الشعبي من أجل الدفع باتجاه تكريس مفهوم الوحدة لحين تحقيقها ولو جزئياً بين قطرين أو أكثر ومن ثم يزداد عدد الأقطار كما كان سيحدث بين مصر وسوريا والعراق عام 1958 مثلاً.

مما تقدم فأنه من الطبيعي أن نستخلص دروس التجارب الوحدوية في الوطن العربي، وأن يعاد طرح المفهوم الوحدوي العلمي الثوري، في ضوء الحقائق المأساوية التي يعيشها المواطن العربي ضمن الواقع العربي الراهن، لاستجلاء الصورة كاملة للمرحلة، وفتح آفاق المنظور المستقبلي أمام الأجيال العربية المتطلعة إلى غد عربي أفضل، بعيداً عن التبعية والارتهان، وبذلك يتم التجديد الدائم والمستمر للفكر القومي الوحدوي، وإطلاقه في الحياة اليومية للمواطن العربي، لمواجهة مخططات التجزئة والتفتيت بكافة أشكالها.

وأخيراً يجب على المفكرين والقيادات والكتّاب وكل المناضلين الوطنيين والقومين أن لا يتركوا أي قطر عربي وحيداً في معالجة أزماته المصيرية، فالمستقبل العربي يصنع من خلال التحديات الكبرى، وجواب الشعب العربي عليها هو الذي يجب أن يؤخذ من أجل تحقيق النقلة النوعية الوحدوية، لأن المطلوب تغييراً جذرياً في الأوضاع السياسية والاجتماعية، وأن المقاومة الفلسطينية بمختلف توجهاتها الفكرية مطالبة بتوحيد صفوفها وتعزيز وحدتها لمواجهة الهجمة الشرسة، كي تأخذ دورها في حركة الثورة العربية على طريق صنع المستقبل وبناء نهضة وحضارة الأمة العربية.