المعرفة والحكمة

محمد علي الحلبي - سوريا

من يستهويه التوقف عند شواطىء الزمن تبصر عيناه بحاراً لا بحراً مترامية آفاقها،غير محددة، وممتدة تتالى متباعدة أفقاً بعد أفق، تغوص في أعماقها الأيام والسنون فتضيع في عبابها، ورائعة من روائع الزمن السعادة الحياتية، ومن شدّ الرحال إليها وترك لشراع زورقه عبور المياه بحثاً عن أمانيه وأمنياته وحتى أحلامه فلن يطول به البحث فمنارات الهداية كثيرة وأنوارها رجال الفكر، وأثناء تجواله وبحثه واسترشاده في خضم الأمواج المتلاطمة حيناً والهادئة أحياناً سيجد قبل 1396 سنة ميلادية الشاعر الجاهلي الحصين بن حمام الفزاري ما زال في صومعته ينشد:

تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد / لنفسي حياة مثل أن أتقدما

فلست بمبتاع الحياة بنسيّةَ / ولا مبتغ من رهبة الموت سلما

ويتسابق العديد من عباقرة الماضي حاملين أقلامهم وريشهم لرسم لوحات لمعنى الحياة فعنترة بن شداد الفارس العربي المتوفي عام 22 قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:

لا تسقني ماء الحياة بذِلة / بل فاسقني بالعز كأس الحنظل

ماء الحياة بذِلة كجهنم / وجهنم بالعزّ أطيب منزل

والإيمان العميق بالله جلت قدرته ذروة في هدوء النفس وتفجر عطاءاتها التي لا تنضب،والشاعر الجاهلي عبيد بن الأبرص من حكماء العرب،قتل عام25قبل الهجرة يقول:

من يَسلِ الناس يحرموه/ وسائل الله لا يخيب

ساعد بأرض إذا كنت بها / ولا تقل أنني غريب

والمرء ما عاش في تكذيب / طول الحياة له تعذيب

وأهل الفكر رسام اللوحات تتكاثر ألوانهم متباعدة.. ممتزجة في خلق وإبداع لوحات أدق وأشمل تميز ما بين الحياة والعدم فعبد القاهر الجرجاني وفي كتابه (أسرار البلاغة في علم البيان) يقول: "إنك إذا وصفت الجاهل بأنه ميت،وجعلت الجهل كأنه موت على معنى أن فائدة الحياة والمقصود منها هو العلم والإحساس فمتى عدمها الحيّ فكأنه قد خرج عن حكم الحيّ، ولذلك جُعل النوم موتاً إذا كان النائم لا يشعر بما بحضرته كما لا يشعر الميت". ويسبقه دقة في التعريف أبو حيان التوحيدي في كتابه (الهوامل والشوامل) في شرح قول بعض القدماء: العالم أطول عمراً من الجاهل بكثير وإن كان أقصر عمراً عنه فيقول: "قد تبيّن من مباحث الفلسفة أن الحياة على نوعين:أحدهما حياة بدنية وهي البهيمية التي تشاركنا بها الحيوانات كلها،وحياة نفسية وهي الحياة الإنسانية التي تكون بتحصيل العلوم والمعارف، وهذه هي الحياة التي تجتهد الأفاضل من الناس في تحقيقها، والعالم فالواجب أن يقال فيه: إنه هو الحيّ بالحقيقة كما أن غيره هو الميت".

وعبرة الوجود والحياة تظهر جلية بهذه المعاني فهناك الحيّ بالحقيقة وهناك الميت الذي يتحرك على وجه البسيطة بدون أي معنى، والحيّ تتكامل سعادته يوماً إثر يوم بما يقدمه للإنسانية من فكر نبيل فهو معطار يضمخ روحه بالطيب ناثراً عبقها على كل من حوله، والطيب يعطر الحياة بروائحه، والرسول العربي صلى الله عليه وسلم يضيف إلى حلاوة الحياة حلاوة الآخرة فيقول: "أخيار أمتي علماؤها، وخيار علمائها رحماؤها، ألا وأن الله تعالى يغفر للعالم أربعين ذنباً قبل أن يغفر للجاهل ذنباً واحداً، ألا أن العالم الرحيم ليجيء يوم القيامة وأن لنوره ضوءاً يمشي فيه ما بين المغرب والمشرق".

وهكذا فأضواء المنارات أرشدت الجميع إلى الدرب السوي القويم وفيه عناوين ثلاثة: المعرفة، العلم، والحكمة.

والمعرفة في معاجم اللغة اسم علم وهو أن تعلم أمراً باستخدام واحد من الحواس الخمسة، ويقال المعرفة تزيد بالقراءة ولذا فهي مصدر إدراك ووعي ضد الجهل، وقيل معرفة الأمر خير من الجهل.

وراح المفكرون يبذلون الجهد لوضع تحديد دقيق لها وتعريف لمضمونها فكان: هي الوعي وفهم الحقائق أو اكتساب المعلومة عن طريق التجربة أو من خلال تأمل النفس، والمعرفة مرتبطة بالبديهية واكتشاف المجهول وتطوير الذات، وأضافوا العقل إلى أهم الحواس السمع والبصر لأنه يكتشف الحقيقة في مجال محدود وخاص، وأبدعوا تصنيفاً وترتيباً لأنواعها:

1 - معرفة الله: وتأتي في قمة وذروة المعارف، فمعرفة الله جلت قدرته منطلق كل خير ورأس كل معرفة وأعلاها، لأنه مطلق الحق والخير والجمال، وكلمة مطلق تعني عدم محدوديتها بزمان أو مكان فما عند الله من حق وخير وجمال مخزون في قدرته صعب على البشرية والإنسان إدراكه فمهما اقتبس الإنسان من نور كمالاته فهو نذر يسير من مخزون إبداعي متجدد سرمدي، وفي حكاية: أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله: ما رأس العلم؟!.. فقال رسول الله: معرفة الله حق معرفته، وقال السائل: وما حق المعرفة؟!. قال الرسول: أن تعرفه بلا مثل ولا شبه، وتعرفه إلهاً واحداً خالقاً قادراً أولاً وأخيراً، وظاهراً وباطناً، ولا كفؤ له".

2 - معرفة الكون والطبيعة: وكان التوجيه الإلهي في القرآن الكريم حاضاً الجميع على هذه المعرفة فقال جلت قدرته: "قل انظروا ماذا في السماء والأرض". وقال أيضاً: "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب". والمؤمن العالم يحتاج إلى فهم خاص لمعرفة كلماته تعالى لتثبيت إيمانه وتقوية وترسيخ عقيدته.

3 - معرفة الإنسان بنفسه: والربّ الكريم يوجه عباده وجهة البحث والتنقيب للوصول إلى قمة من قمم السعادة في قوله تعالى: ((سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد)). وفي قوله: ((وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون))، وفي هذه الروضة من رياض الكون يقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "نال الفوز الأكبر من ظفر بمعرفة النفس"، وفي ذات التوجه يقول: "من عَرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كل معرفة وعلم".

4 - معرفة التاريخ وعبره:ولقد توصل الباحثون ومنذ المؤرخ العربي ابن خلدون بأن للتاريخ فرعين: علم التاريخ، وفلسفة التاريخ.. فالأول عبارة عن نقل الحوادث والوقائع التي تمرّ عابرة الأيام بينما الفلسفة تعني أولاً وقبل كل شيء استنتاج عِبر الماضي والحاضر من هذه الأحداث لبناء مستقبل إنساني أفضل، وفي القرآن الكريم نبّه الله جلّ جلاله إلى ذلك فقال تعالى: ((لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب"وقال تعالى:"فاقصص القصص لعلهم يتفكرون)).

المرجع: مركز الإشعاع الإسلامي للدراسات والبحوث

 

والذهن البشري ومنذ بداية الخلق ازدحمت فيه أسئلة ثلاثة كان وما زال وسيبقى باحثاً عن أجوبتها بروية وعمق دائمين:

من أين أتيت أنا الإنسان؟!.. لماذا أتيت إلى هذا العالم؟!.. وإلى أين سأذهب في ما بعد؟!..

إنه الماضي والحاضر والمستقبل، والمتصوف العربي ابن عربي يضيف للمعرفة ألقاً جديداً في استعماله لتعبير الدراية، وفي رأيه فهي المعرفة المدركة فقال عنها: "الطوالع أنوار تطلع على قلوب أهل المعرفة وتطمس سائر الأنوار والمواجع".

وفي معجم لسان العرب نجد شرحاً أكثر دقة لما قاله ابن عربي فجاء في القرآن الكريم: ((يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين))، وفي الشرح للآية الكريمة جاء في المعجم (إنما أراد المشرق والمغرب فلما جعلا اثنين تغلب لفظ المشرق لأنه دال على الوجود، والمغرب دال على العدم، والوجود لا محالة أشرف).

 

العلم:

بات من المتعارف عليه أن العلم أوسع من المعرفة ولذلك فمن أسماء الله الحسنى العالم وليس العارف، فالعارف يستخدم إحدى حواسه كي يصل إلى المعرفة،أما العالم فلا يشترط ذلك، وفي ذات التوجه والمنحى وللدقة اللفظية يقال: فلان يعرف الله ولا يقال يعلم الله، لما كانت المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصل إليه - من كتاب التعاريف - والعلم راحت تتوسع فروعه ومضامينه عبر الزمن حتى بات حصرها شبه مستحيل لعظم حجمها وسعتها ولتجددها المستمر.

 

الحكمة:

وعنها يقول أبو حيان التوحيدي في كتابه (البصائر والذخائر): "الحكمة ضالة المؤمن أين ما وجدها أخذها، وعند من رآها طلبها، والحكمة حق والحق لا ينسب إلى شيء، بل كل شيء ينسب إليه وهو متفق من كل وجه". والرسول العربي صلى الله عليه وسلم يزيّن الحكمة ويوضح أهميتها فيقول: "إن الحكمة تزيد الشريف شرفاً، وترفع العبد حتى تضعه موضع الملوك"، والسيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام قال للحواريين: "لا تضعوا الحكمة في غير أهلها فتظلمون، ولا تمنعوا أهلها فتظلموهم".

والحكمة تعريفاً: أفضل الأشياء بأفضل العلوم، والحكم المشتق منها هو العلم والفقه وقد عبّر القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى: ((وآتيناه الحكم صبيا))، أي علماً وفقهاً، والحكمة تعرف بأنها ذروة العلوم وقيمه اليقين والإدراك، وابن الشجري في كتابه (الأماني الشجرية) يوضح لنا تلك المعاني الكاملة فيقول: "اليقين على أربع شعب، على تبصر الفطنة، وتأويل الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الأولين فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة، ومن أوّل الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة كان من الأولين".

ورغم أهمية الحكمة وعظمتها يبسطها لنا هشام بن عروة إذ نقل عن أبيه قوله: "مكتوب في الحكمة: يا بنيّ لتكن كلمتك طيبة، ووجهك بسيطاً تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء"، ومن أسماء الله الحسنى (الحكيم)، وهي صيغة تعظيم لصاحب الحكمة، والحكيم في حق الله تعالى بمعنى العليم بالأشياء وإيجادها على غاية الإحكام والإتقان، والكمال الذي يضع الأشياء في مواضعها، ويعلم خواصها ومنافعها، الخبير بحقائق الأمور ومعرفة أفضل المعلومات بأفضل العلوم، والحكمة في حق العباد هي الصواب في القول والعمل، ومن أسمائه تعالى (الحَكم) وهو صاحب الفصل بين الحق والباطل، والمجازي كل نفس بما عملت ثواباّ أو عقاباً، وهو القائل جلت قدرته: ((واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين))، وفي حديث ابن شُريح أنه كان يكنى أبا الحكم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو الحكم وكناه بأبي شريح".

وفي عودة بعد هذا التجوال عند شواطئ الزمن وسبّر أعماق بحاره نتذكر حكمة عربية قديمة تقول "العلم شجرة ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة"، فمن ترك لشراع زورقه ليجوب به بحار الحكمة والمعرفة عرف معنى الحياة وعاشها في أوسع رياضها سعيداً بها، سعيداً بالآخرين الذين يهديهم إلى ظلالها.

إنه الطريق الوحيد للسعادة الدنيوية، بل الأزلية لكسب غفران ومغفرة الله تعالى يوم القيامة، وضوء وإشراق يومي على وجه البسيطة بين الأهل والأحبة، ونور وضياء يرافق المار عبره في الآخرة يساعده في مشيته نوره الخاص به المضيء ما بين المغرب والمشرق، فالسعادة السرمدية أضحت واضحة، ومن رغب بها وبأن يكون سعيداً أبداً فليبدأ رحلة المعرفة والعلم عله يتمكن من الوصول إلى بعض مراحل الحكمة.