معركة الموصل: نقلة نوعية في الصراع

بين المقاومة والاحتلال

خليل السلماني

تشكل معركة الموصل الأخيرة التي انطلقت في مايس - مارس 2008 منعطفا جديدا ومهما في الحرب التي تدور رحاها على أرض الرافدين بين المقاومة الوطنية العراقية من جهة والاحتلال الأمريكي وحكومته العميلة من جهة أخرى، ورغم أن العمليات العسكرية في الموصل لم تنته بعد، إلا أن المؤشرات التي ترشحت عنها تجعل بالامكان تصور ما جرى والتكهن بطبيعة ما سيجري في الأيام القادمة، بما يسمح بتسمية هذه المعركة بمعركة الاستخبارات والإعلام أكثر من معركة الضجيج والمدافع، وهو خيار فرضته المقاومة الوطنية العراقية وليس القوات المحتلة والمتعاونون معها.

 لا شك أن المتابع لسير العمليات العسكرية في الموصل يمكن أن يؤشر عدة توقيتات كان بالإمكان أن تنطلق فيها هذه المعركة، إلا أن منظومات الاستخبارات والإعلام لدى كلا الجانبين ساهم في تأجيلها إلى الموعد الأخير الذي انطلقت فيه العمليات العسكرية في مدينة الرماح بتاريخ 10/5/2008 رغم نفي المالكي بدء هذه العمليات، فإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن المدينة لم تكن خالية من قوات الاحتلال والقوات الحكومية والمليشيات المتجحفلة معها إضافة إلى قدرة تلك القوات على الحركة السريعة والإسناد الجوي الكبير، فأن تفجير الزنجيلي في 23/1/2008 كان يمكن أن يشكل ساعة الصفر لانطلاق العمليات العسكرية، إلا أن إستراتيجية وتكتيكات المقاومة الوطنية العراقية لم تمنح الفرصة لتلك القوات لاختيار توقيتات المعركة من حيث الزمان والمكان. لا شك أن وحدة فصائل المقاومة الوطنية العراقية وانضباطها وتمسكها بخطط وقرارات قيادتها العليا، ساهم بشكل كبير في تفويت الفرصة على العدو لتحقيق ما كان يطمح إليه في تحويل المدينة إلى أطلال وخراب على غرار ما حصل في معركة الفلوجة الثانية وتلعفر والقائم وغيرها.

بعد فشل العدو في سحب المقاومة الوطنية العراقية الى المعركة التي يختارها، راح يخطط من جديد لمعركة قادمة يمكن أن تفرضها عليه المقاومة الوطنية العراقية في التوقيت الذي تختاره، وفق ما يترآى له بأن الموصل هي المعقل الأخير للمقاومة الوطنية العراقية.

المتابع لسير الأحداث بعد تفجير الزنجيلي يستطيع أن يفرز اتجاهين في تخطيط قوات الاحتلال للمعركة المحتملة في الموصل:

الاتجاه الأول جاء استجابة للإعلام المتزايد الذي تحدث كثيرا عن الأهداف الطائفية والعرقية التي تقوم عليها استراتيجية الاحتلال والحكومة في العراق والتي غالبا ما تستهدف تدمير مدن ذات أغلبية معينة وتهجير أهلها وتشريدهم لاعتبارين أولهما انتقامي طائفي والثاني يهدف إلى تغيير الطبيعة الديمغرافية للمنطقة وفرض واقع جديد عليها يخدم إستراتيجية الاحتلال المتعلقة بالفدرالية والتقسيم، وانطلاقا مما تقدم وفي محاولة لإبعاد هذه التصورات التي أثارها الإعلام بشأن معركة الموصل، إ فتعل الاحتلال الأمريكي والحكومة العميلة معارك ثانوية بين الحكومة وبعض العصابات المنافسة لها في سرقة موارد العراق، فكانت أحداث البصرة التي تهدف إلى تحقيق غايتين في آن واحد أولهما السيطرة على بعض الموانيء الصغيرة التي تستخدم لتهريب النفط لصالح جهات غير حكومية، وثانيا ضرب الفصائل الوطنية المقاومة للاحتلال التي أخذت تنشط بشكل ملحوظ في جنوب العراق ومنها تنظيمات حزب البعث العربي الاشتراكي التي أعيد بناءها بشكل فاعل ومؤثر في المحافظات الجنوبية.

لقد بذل الاحتلال والحكومة جهودا إعلامية كبيرة لتصوير تلك العمليات بأنها معارك كبيرة بين الحكومة والتيار الصدري في محاولة لإسقاط البعد الطائفي لتوجهات الحكومة العميلة ولإضفاء الوطنية على هذا التيار لتمكينه بشكل أكبر مكن اختراق القوى والتكتلات السياسية الأخرى المنافسة للتكتل الحكومي، وقد تحقق هذا الهدف جزئيا بهرولة بعض الشخصيات من الكتل الأخرى باتجاه هذا التيار، ولتأكيد النهج الحكومي المشار إليه انتقلت معارك البصرة إلى مدينة صدام لتحقيق ذات الأغراض المشار إليها، واستشهد من أعضاء الحزب العديد من المناضلين بسبب استهدافهم من القوات والمليشيات الحكومية تحت غطاء التيار الصدري.

استمرت قوات الاحتلال والقوات الحكومية طيلة الفترة التي اندلعت فيها عمليات البصرة ومدينة صدام في تعزيز تحشداتها وتفعيل استخباراتها في مدينة الموصل وما حولها لرصد تحركات المقاومة الوطنية ومحاولة استفزازها وسحبها إلى المعركة التي يختارها العدو.

كانت المقاومة الوطنية العراقية قد حددت بوقت مبكر استراتيجيتها العسكرية في منازلة العدو الأمريكي والقوات الحكومية المتعاونة معه، وتحديدا قبل معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني - نوفمبر عام 2004 ولولا تهور بعض التنظيمات الاسلامية حينها، وعدم أخذها بالنصائح التي قدمت لها لاستدراج العدو إلى منطقة القتل التي تختارها المقاومة الوطنية ما كان العدو ليحصل على فرصته في تدمير المدينة، وانطلاقا من هذه الإستراتيجية ورغبة من قيادات المقاومة في عدم إعطاء العدو الفرصة التي يسعى إليها بتدمير مدينة الموصل وتهجير أهلها وإحلال عصابات البيشمركة محلهم، آثرت المقاومة الوطنية العراقية عدم الاستجابة لاستفزازات العدو والتحصن بعيدا عن أهدافه واختيار توقيتات المعركة وظروفها والأماكن التي يتم فيها الإجهاز على قواته وفقا لما وعدت به في بياناتها، خلال هذه الفترة قامت المقاومة الوطنية العراقية بفعاليات أرادت من خلالها تأكيد جملة من الحقائق أهمها:

أولاً: تأكيد تواجدها وانتشارها في جميع أنحاء العراق وليس كما يزعم العدو بأن الموصل هي المعقل الأخير لها، وبذلك ظهرت على العدو بعمليات ناجحة ونوعية في عدد من الأماكن إضافة إلى القصف المستمر لقواعده في عدة محافظات وكذلك "المنطقة الخضراء".

ثانياً: الاستخفاف بقوة العدو من خلال قدرتها الفائقة على اختراق تحشداته واستعداداته.

ثالثاً: تطور منظومة الأمن والاستخبارات الخاصة بالمقاومة الوطنية العراقية.

رابعاً: تعزيز الثقة في نفوس المقاتلين والمواطنين الشرفاء في الموصل وسائر أنحاء العراق من خلال التأكيد بأنها موجودة بثقلها في الميدان وهي قادرة على الحركة والتنقل وضرب العدو في الساعة والمكان الذي تختاره.

وكان من أهم الفعاليات التي قامت بها المقاومة الوطنية العراقية هي زيارة القائد الأعلى للجهاد والتحرير المعتز بالله عزت إبراهيم الدوري إلى مدينة الموصل ومشاركة أبناء المدينة احتفالهم بذكرى المولد النبوي ولقاءه مع قيادات المقاومة الوطنية العراقية في المدينة وشيوخ العشائر الوطنيين الشرفاء، جاءت تلك الزيارة في وقت تفرض فيه قوات الاحتلال حصارا شاملا على المدينة من جميع جهاتها. ثم قيامه حماه الله بجولة في عدد من المدن والمحافظات العراقية شملت ديالى، كركوك، تكريت، واسط، ميسان، المثنى، القادسية، بابل، بغداد، في وقت تعلن فيه قوات الاحتلال خبر اعتقاله حماه الله على الفضائية العبرية. لقد شكلت تلك الجولة استهانة بالعدو واستحضاراته وتغليب بعون الله لاستحضارت المقاومة الوطنية واستخباراتها.

بعد طول انتظار استمر عدة أشهر ولإنقاذ حملته العسكرية ودعايته الإعلامية من الفشل، نفد صبر العدو واستجاب صاغرا لاستفزازات المقاومة الوطنية العراقية وأطلق العنان لقواته المتجحفلة في الموصل وحولها لبدء عمليته العسكرية الواسعة المسماة زئير الفأر (الأسد)، وحيث واجهت هذه القوات استراتيجية المقاومة القائمة على إبعاد شبح التخريب والتدمير والتهجير عن أهل الموصل فقد راحت قوات العدو وبناءا على أوامر عليا باعتقال السكان الآمنين في بيوتهم، وشملت تلك الاعتقالات عدد من أساتذة الجامعات وضباط الجيش العراقي المعزولين من الخدمة وعدد كبير من المواطنين الأبرياء، وبسبب عدم ثقة الاحتلال والحكومة بأهالي الموصل فقد جلبوا معهم عدد كبير من الجلاوزة بين محققين وقضاة وشكلوا محاكم صورية فورية، وهو ما لم يحصل في معارك البصرة التي سبقت عملية الموصل وهو يؤشر الطبيعة والسلوك الطائفي للحكومة العميلة.

بعدما وجد العدو نفسه ثورا هائجا لا يناطح أحد تعب ومال إلى الاستكانة فانعكس ذلك على تبديل اسم العملية من زئير الفأر (الأسد) إلى أم الربيعين وجعلها تقتصر على الاعتقالات العشوائية للقوى والشخصيات وشيوخ العشائر الوطنيين مع الإكثار من التطبيل الإعلامي بصوت محمد سيمون وزميله الأقل ارتجافا منه عبد الكريم خلف، أما قائد العملية فقد عاد أدراجه إلى بغداد بانتظار أن يقض مضجعه رجال المقاومة الوطنية العراقية الذين أصبحوا أقرب إليه من وسادته وإن سمحوا له مؤخرا بالخروج هنا وهناك وذلك لأمر هم أدرى به من غيرهم.

لقد تميزت مواجهة الموصل بقوة استخبارات المقاومة الوطنية وإعلامها الأكثر تأثيرا من قبل ثم بتعاون وتفهم أهل الموصل وخاصة كثير من شيوخ العشائر الوطنيين الشرفاء الذين أغرقوا المحطات الفضائية بالتصريحات الجريئة الرافضة للاحتلال والحكومة العميلة ومشروعهم الهادف إلى تكريد أجزاء كبيرة من محيط محافظة نينوى بعد تهجير أهلها.

وحيث أن المعركة لم تحسم فما زال الوقت كافيا لكثير من المفاجئات التي قد تظهر من هذا الطرف أو ذاك، ويبقى مؤكدا أن المقاومة الوطنية العراقية هي من يختار توقيت ومكان المعركة ولا يفرض عليها.