حوار فكري سياسي شامل مع طارق عزيز آذار 1991

طارق عزيز:

* السلاح الإعلامي هو من أهم الأسلحة التي تستخدمها الإمبريالية الأمريكية..

* اخترنا أن نكون وطنيين وقوميين من أجل أن نغيّر هذا الواقع..

* التضحيات دائماً كانت مطلوبة في أي عمل نضالي..

* نحن لدينا قضايانا الوطنية والقومية، لدينا مطالب عادلة، واجب علينا أن نناضل من أجل خدمة هذه القضايا..

* نحن ورثة التراث النضال الوطني والقومي ولن نتراجع عن مواقفنا الوطنية والقومية..

* إن الشعارات والبرامج التي عبرنا عنها، ربما لن تتحقق كلها، ولكنها ستتحقق لأن حركة التاريخ ليست جامدة بل أن التاريخ كان ومازال مع الحرية والاستقلال..

* الأنظمة في الخليج العربي لم تكن جزء من الأسرة العربية..

* ما يؤذي العراق سيؤذي أي قطر عربي آخر..

* ما هي علاقة الكنيسة التي قصفوها في الموصل، وما هي علاقة ملجأ العامرية، وما هي علاقة قصف معمل الحليب والجامع وغيرهم من المصانع المدنية والبنية التحتية بما جرى في الكويت وتنفيذ ما يسمونه قرار الأمم المتحدة؟! 

 

أجرى الحوار فؤاد الحاج

بعد العدوان الثلاثيني الغادر عام 1991 على عراق العروبة والتاريخ والحضارات، حيث تم تدمير بناه التحتية المدنية والصناعية وغيرها، وتحقيق مقولة جيمس بيكر وزير خارجية أمريكا آنذاك "إعادة العراق إلى عصر ما قبل الصناعة"، وبين ذهول وكفر وإشاعات وتأويلات مختلفة وبين مصدّق وغير مصدّق من أبناء الأمة والأمم الصديقة في أرجاء العالم، وبعد أن صعقت الأمة العربية بما جرى في العراق في ظل تعتيم وغياب إعلامي عربي شامل سوى من بعض النشرات والمطبوعات القليلة جداً التي كانت تصدر في الأردن وفي مصر وفي باريس ولندن وبمختلف اللغات ومنها التي كنت أصدرها آنذاك باسم (الخليج العربي) بالعربية وأوزعها على أبناء الجالية، إضافة إلى عشرات النشرات والتقارير بالإنكليزية التي كنت أصدرها مع عدد من الأصدقاء الأستراليين الرافضين للهيمنة الأمريكية والمناهضين للصهيونية، وكذلك عشرات المقابلات الإذاعية باللغتين العربية والإنكليزية التي كنت أرد فيها على الإشاعات والأقاويل التي كانت تبث روح الهزيمة واليأس وتدعي بأن النظام في العراق متآمر مع أمريكا في ما حصل في العراق، ورغم ذلك أقول أن كل ذلك مع الأسف لم يصل إلى مستوى الإجابة على تساؤلات الجماهير لدواعي نفسية أولها أن ما حدث في فلسطين منذ ثلاثينات القرن الماضي وتواطوء الأنظمة العربية آنذاك كما يقول البعض ويضيف في رفد التواجد الصهيوني وتهجير اليهود من البلاد العربية إلى فلسطين العربية، والأهم هو عدم وجود فضائيات عربية لتنقل ماذا جرى في العراق مثلما حدث في غزو واحتلال العراق عام 2003 على الرغم من التباين في الرأي حول تلك الفضائيات، مما جعل المادة الإعلامية آنذاك والمؤيدة للحق العربي عموماً وللعراق على وجه الخصوص ضعيفة وغير مؤثرة كما هو مطلوب وذلك بسبب سيطرة محطات التلفزة غير العربية ووسائل الإعلام الأخرى ومنها المطبوعة والمسموعة حتى تلك التي كانت تبث بالعربية والتي كانت تنقل الدعاية الصهيو-أمريكية وكل ما هو معاد للعرب بشكل عام بسبب تمويلها أو تبعيتها للدوائر الحكومية ومنها الأسترالية وما زالت مع الأسف الشديد مما أثر على معظم إن لم يكن كل جهود المؤمنين بحق أمتهم في الحياة وبجهود المناهضين لقوى الشر والعولمة في العالم وعلى الرغم من ذلك كانت الجماهير تعرف أن ليس كل ما تبثه تلك المحطات التلفزيونية والإذاعية غير صحيح بل أنهم يدسون السم بالعسل، وهكذا كنت واحد من أوائل الكتّاب العرب الذين كشفوا وكتبوا عن ما يسمى "النظام العالمي الجديد" عام 1990 ومحاولة سيطرة قوى الشر في العالم بقيادة أمريكا على العالم وتقسيمه إلى خمسة أقاليم ومنها إقليم ما يسمونه "الشرق الأوسط" بقيادة الكيان الصهيوني قبل العدوان الثلاثيني الغادر على العراق، إضافة إلى كتابة الكثير من التحاليل السياسية ومنها مخطط تقسيم البلاد العربية ضمن مخطط صهيوني وضع في ثمانينات القرن الماضي وغير ذلك الكثير مما تناولته وسائل الإعلام العربية بعد أكثر من عقد من الزمن، وبعد أن دكت الصواريخ العراقية قلب وأطراف الكيان الصهيوني وغمرة الفرح التي انتابت الجماهير آنذاك، وبعد أن تم تدمير العراق كما ذكرت أعلاه وحالة اليأس والكفر التي عادت وانتابت الجماهير وأصبحت عرضة للإشاعات وفي نهاية شهر آذار/مارس من عام 1991 أي بعد شهر تقريباً من انتهاء العدوان الثلاثيني الغاشم على العراق وبعد شهر تقريباً من قرار وقف إطلاق النار الذي وافقت عليه أمريكا بقيادة جورج بوش الأب آنذاك حيث تم ذلك في محادثات خيمة أقيمت في سفوان العراقية، حزمت حقائبي وقررت المجيء إلى بغداد لمعرفة ماذا جرى ويجري، وما هي نتائج العدوان الثلاثيني على العراق، إضافة إلى حزمة من الأسئلة التي تدور في أذهان الكثير من أبناء الأمة العربية والكثير من الشرفاء والأحرار في العالم.

وصلت إلى الأردن وحاولت أن أجد وسيلة نقل توصلني إلى بغداد حيث كانت الطريق من عمان إلى بغداد تعتبر مخاطرة حيث لم تكن الطريق الدولية المعروفة كما هي الآن، إلى أن وجدت سيارة مغامر مقابل حفنة كبيرة من الدولارات وافق أن يوصلني إلى بغداد، فانطلقنا بعد المغرب مع هبوط الليل باتجاه بغداد، وقبل أن نصل منطقة الرويشد الحدودية الأردنية التي كانت النقطة الحدودية السابقة مع العراق آنذاك وقبل أن تمتد مسافة حوالي 75 كيلومتراً داخل الأراضي العراقية لتصبح منطقة الكرامة الحدود الفاصلة مع العراق ولهذا حديث خاص في وقت ما لاحق، حدث أن السائق أخطأ في الطريق وذهب باتجاه أراضي نجد والحجاز لست أدري كيف ولماذا ربما بسبب أنه مغامر أو لأنه أول مرة يأتي من هذا الطريق إلى أن شاهدنا معلم على الطريق مكتوب عليه (هاتش 5) بالإنكليزية عندها قال لي إن الطريق أكيد خطأ ويخاف أن ينفد البترول من السيارة لذلك عاد أدراجه إلى أن أعاننا الله وشاهدنا بعض الخيم للبدو الذين أرشدونا إلى الطريق الصحيح وأعطونا بعض البترول كي نصل إلى أقرب محطة لتعبئة الوقود بعد أن أرشدونا إلى الاتجاه الصحيح إلى طريق العراق، وفي نقطة الجمارك الأردنية الحدودية أشروا على جواز سفري (مغادرة) وسرنا حوالي كيلومترين اثنين فوصلنا إلى نقطة الحدود العراقية حيث استقبلونا بالترحاب وأشروا على جواز سفري (دخول) إلى العراق ومنحي مدة أسبوعين على أن أراجع الجهات المختصة للتجديد والفحص الطبي تابعنا المسير، وهكذا وبعد جهد ليل كامل ومع انبلاج الفجر وصلنا إلى محطة للوقود في الرمادي حيث انفرجت أساريرنا واسترحنا من عناء السفر وأكلنا التكة والقص وشربنا اللبن الرائب، ثم انطلقنا إلى بغداد وكانت المزارع والمياه تريح النظر إلى أن شاهدنا إشارة كبيرة مكتوب عليها (توقف جيش) وبعد أن سألونا عن جهة قدومنا ووجهتنا سمحوا لنا بمتابعة المسير وما هي إلا ساعات حتى أطلت علينا العمارة وأسماء المدن والمحلات وهكذا وصلنا بغداد حيث ازدحام السيارات والمارة والخراب والدمار والروائح الكريهة التي كانت تنتشر في مناطق بغداد نتيجة تدمير محطات توليد الطاقة الكهربائية التي نتج عنها إيقاف تشغيل محركات مجارير الصرف الصحي وتفجير بعضها مما جعل الأوساخ والقاذورات تطفوا في الشوارع كما لاحظت في الكرخ إضافة إلى تدمير كل الجسور التي تربط بين ضفتي دجلة وكيف الناس كانوا يقطعون بالقوارب، إضافة إلى تدمير كل مباني الوزارات ومرافق الدولة ما عدا مبنى وزارة الإعلام حتى مبنى التلفزيون الذي كان قربها قد تم تدميره كاملاً، إضافة إلى حرق المحاصيل الزراعية وعشرات المئات من أشجار النخيل وتدمير المصانع المدنية والأسواق الشعبية ومحطات القطارات ومستودعات المواد الغذائية، بكلمة مختصرة كان كل شيء في بغداد مدمراً، وفي الوقت نفسه شاهدت ورشات عمل إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار، كما شاهدت الفوضى تعم أرجاء بغداد في آن معاً، شاهدت كل ذلك خلال توجهي إلى فندق الرشيد الذي كان محطة نزول معظم الصحفيين غير العرب آنذاك، ومن هناك انطلقت للبحث عن الأصدقاء والزملاء وكل من ربطتني به علاقة ما، وبعد يومين انتقلت من فندق الرشيد إلى فندق المنصور الذي كان أقرب إلى وزارة الإعلام حيث انطلقت من هناك لإجراء مقابلاتي ولقاءاتي مع عدد كبير من القيادات العسكرية والسياسية والحزبية في القيادتين القومية والقطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي إضافة للقاءات أجريتها مع عدد من الشعراء والأدباء كما زرت بيوت مواطنين عاديين في بغداد الجديدة وفي الكرادة والمشتل والشعلة ومدينة الثورة وحي العامل والأعظمية والكاظمية ومناطق أخرى مختلفة من بغداد، ومن ثم زرت الموصل ومسجد النبي يونس ودير مار ميخائيل ودير مار كوركيس وكنيسة مار توما وكاتدرائية للكلدان وللآثوريين وغيرهم، وكذلك عدد آخر من الكنائس ودور المطرانية للطوائف المسيحية وأجريت لقاءات مع عدد رجال الدين المسيحيين من مختلف الرتب الدينية إضافة إلى زيارتي للأسواق الشعبية ومناطق وقرى تل كيف وباخديدا وكرمليس وبرطلة وباعشيقا وقره قوش ودير بهنام ودير مار متى وغيرهم من الأديرة التاريخية المنتشرة في نينوى والتي كتبت عنها بحوثاً أغنيتها بصور ووثائق سأعيد نشرها لاحقاً إن شاء الله، ومنها حوار فكري هام استمر لأكثر من أسبوع مع المفكر القومي الدكتور إلياس فرح الذي كنت ألتقيه يومياً لمدة تزيد عن الساعتين أسجل فيها صوتياً الحوار معه حول تاريخ حزب البعث العربي الاشتراكي وفلسفته وأهدافه ومراحل نضاله القومي، ولم ينته الحوار مع الدكتور إلياس فرح آنذاك بل أتممته عبر سلسلة من اللقاءات استمرت كلما سمحت لي الظروف بزيارة العراق بعد ذلك إلى أن أصبح في أدراج مكتبي مجموعة من الأشرطة المسجلة التي تحتاج لساعات عديدة لتفريغها وتدوين ما فيها، وعلى الرغم من لقاءاتي وحواري مع عدد من السياسية والحزبية ومنهم الدكتور عبد المجيد الرافعي عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي ووزير الإعلام الأستاذ حامد يوسف حمادي ووزير التعليم العالي الدكتور همام عبد الغني، وعبد الغني عبد الغفور لطيف نصيف جاسم وعبد الغني عبد الغفور وغيرهم من المسؤولين في الحكومة العراقية قبل الغزو والاحتلال الصهيو-أمريكي-الصفوي.

وهكذا أمضيت في العراق أكثر من شهر متنقلاً بين بغداد والموصل ومكاتب القيادات السياسية والحزبية، وقد كان أهم ما في زيارتي تلك في شهر آذار من عام 1991 هو لقائي بالأستاذ طارق عزيز الذي ما أن عرف بوجودي في العراق وأني أطلب لقاءه حتى اتصل بي مدير مكتبه وأبلغني أن الأستاذ طارق في انتظارك في مكتبه وبعد استقباله لي وسؤالي عن أوضاع الجالية في استراليا وعن الجديد الذي أحمله معي كعادتي ومتى سأغادر العراق، قلت أنه لا يهمني متى سأغادر بقدر ما يهمني أن أحمل إجابات شافية ووافية لما حصل في العراق، فوافق أن يعطيني من وقته ساعة واحدة في اليوم الأول على أن نتابع الحوار ضمن لقاءات متتالية كي أحصل على الإجابات الكافية والوافية، وذلك بسبب ارتباطاته وانشغاله مع القيادة في العديد من القضايا جراء العدوان ونتائجه ومحاولة العمل لتأمين إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل العدوان لأن السيد الرئيس صدام حسين رحمه الله كان يريد أن يتم ذلك بأسرع ما يمكن، "لذلك تجد أن كل كوادر الوزارات والمكاتب منهمكة بتقدير الأضرار وبوضع الدراسات والتقارير والتوصيات للمباشرة بإعادة بناء ما دمره الأشرار" وأهمها إعادة بناء الجسور وإزالة الأنقاض وتأمين البترول ومشتقاته وإعادة الكهرباء ومياه الشرب النظيفة والهاتف وعودة المصانع للعمل بعد أن تم تدمير كل شيء من البنى التحتية إلى المصانع ودور العبادة والمساكن وكل المباني الحكومية ومبنى القيادة القومية، وسألني إذا كنت قد تجولت في بغداد وإذا شاهدت آثار الدمار فأجبته بحسرة نعم شاهدت كل شيء وصورت كل ما وقعت عيني عليه من دمار وخراب، وسأنقل معي كل ذلك للعالم الذي يسمى متمدن ومتحضر، كما استعنت بمجوعة من الاختصاصيين لتصوير أفلام فيديو عن مشاهداتي عن الدمار وحملة إعادة الإعمار وتأثير الحصار الجائر كل ذلك كي أعرضها في استراليا، من هنا ابتدأ هذا الحوار الذي كان مجاله الفكر والسياسة، ومداه البعد التاريخي بين ماضي مزدهر وحاضر بشع ومؤلم ومستقبل واعد بغد أفضل، وقد تحدث الأستاذ طارق عزيز على مدى لقاءاتي معه بعمق المفكر الباحث، والمناضل الثوري، والإعلامي الأستاذ، والخبير بشؤون السياسة الدولية والعربية.

ومن تلك التساؤلات التي حملتها والتي كانت نقاط مفتاحية لهذا الحوار المعمق وهي:

- لماذا تم تدمير العراق بهذا الشكل؟

- كيف ومتى تم اتخاذ قرار العدوان على العراق؟

- ما هو موقف العراق من القضية الفلسطينية؟

- ماذا عن دور الاتحاد السوفياتي وفرنسا في العدوان على العراق؟

- هل كانت القوى الوطنية والقومية العربية عند مستوى الحدث؟ وما هو دور القوى الحية والجماهيرية وما هو المطلوب منها في هذه المرحلة؟

من هذه النقاط المفتاحية تفتقت آفاق الأسئلة وأجاب الأستاذ طارق عزيز بقريحية المناضل والمفكر معاً، وقد حاولت أن اختصر الإجابات عملاً بمبدأ الصحافي الذي يريد أن يختصر ويركّز على النقاط التي يرى أنها فقط تصلح للنشر في عصر المقال السندويش والهمبورغر، ولكن لم أفعل ذلك لأني بداية لم أجد ما يمكن أن يحذف أو يختصر في إجابات الأستاذ طارق عزيز، وثانياً لأني أؤمن بأنه من غير المنطق أن يتم حذف أي كلمة وذلك بكل بساطة أن الحوار مع مناضل ومفكر وسياسي مخضرم مثل الأستاذ طارق عزيز يعتبر أستاذاً في مجال الإعلام، وأستاذاً في شؤون السياسة الدولية والعربية الذي يستحق أن يقام له تمثال في كل وزارة خارجية عربية كي يبقى رمزاً لكل وزير خارجية عربي أصيل، لأنه كان صادقاً وصدوقاً ونبراساً يقتدى به، ولأن التاريخ العربي الحديث لم ولن يخلق مثله وزيراً عربياً للخارجية يتعامل مع الدول الكبرى والصغرى على حد سواء الند للند، وهو الذي كانت تهابه كل وزارات الخارجية غير العربية لأنه كان مثقفاً وواعياً لمراحل التاريخ وتطورها وعارفاً بخبايا وأسرار الدبلوماسية الغربية، ويعرف متى وكيف يتم اللقاء وكيف يدير الحوار معهم، ومتى يجب أن يقول كلمته، لأنه لم يشتري الوهم، بل كان يريد المكانة العليا للأمة العربية ولوطنه عراق التاريخ والحضارات، وهو الذي علّمنا أن البساطة في التعبير وفي الطرح هو تعبير عن ضمير الجماهير والأمة هكذا يكون الصحافي الملتزم بقضايا أمته، لذلك وضعت عناوين للفقرات وحذفت فقط معظم الأسئلة التي تاركاً للقاريء أن يقدّر الأسئلة ويجد ما يريده من شرح ومعان في أجوبة الأستاذ طارق عزيز التي أتت على شكل محاضرة شاملة لكافة مجالات المرحلة السابقة والأمل الكبير بالغد الأفضل، التي يمكن الاستفادة منها كدروس في النضال القومي لكل الأجيال المناضلة ضد الاستعمار وضد الإمبريالية وضد كل غاز ومحتل.

بعد هذا الشرح الذي كان لابد منه لتصوير وضع العراق في تلك الفترة أترك القراء الأعزاء مع ما قاله الأستاذ طارق عزيز (أبو زياد) باسترسال:

 

دور الإعلام والنهج الوطني والقومي

فلنبدأ من الإعلام الذي هو ميداننا، إن ميدان الصحافة والفكر والكتابة هو من أكثر الميادين التي تتعرض الآن إلى عملية التضليل والضغط والتحريف، لأن السلاح الإعلامي هو من أهم الأسلحة التي تستخدمها الإمبريالية الأميركية والغربية بشكل عام من أجل فرض هيمنتها، وبذات الوقت من أجل تضليل الجماهير العربية ومن أجل تضليل الإنسانية.

لذلك فإن ميداننا يحتل أهمية كبيرة في المعركة التي نخوضها الآن، من هنا يمكن القول إن البساطة في الطرح تكون في كثير من الأحيان هي الأقرب إلى الصدق وإلى الواقع وإلى المهمات الجوهرية التي نتحمل مسؤوليتها في هذه المرحلة.

لذلك أقول أنه في هذه الأيام ونحن نقرأ ما يكتب في الصحافة وما ينشر في وسائل الإعلام وخاصة تلك التي تخضع لتأثيرات الأنظمة السائرة في ركب هذا المنهج، نقرأ ونسمع الكثير مما يشير إلى أن أولئك الذين يختارون النهج الوطني والقومي مثلنا هم على خطأ، أو أنهم ليسوا واقعيين، ولا يتعاملون مع الواقع الراهن أو الدولي كما ينبغي، فهم لا يفمهونه ويطلقون شعارات غير واقعية ولا جدوى منها، هذه هي خلاصة ما يقال، ربما يتم التعبير عن ذلك بأساليب متعددة، وبعضها لا يخلو من الفطنة والذكاء، والقدرة على التضليل، ولكن الهدف مما يقال هو أن يصوّر النهج الوطني والقومي الذي نؤمن به ونسلكه على أنه نهج لا جدوى منه، وربما يتعين علينا أن نسأل بعضنا، هل نحن مخطئون في التمسك بهذا النهج؟ هل نحن على صواب؟ لابد أن نقول إننا عندما نعود إلى الماضي ونتذكّر، خاصة الذين عايشوا تلك الفترة منا، فنحن اخترنا أن نكون وطنيين وقوميين، اخترنا أن نتمسك بقضايا أمتنا وأن نناضل من أجلها قبل عشرات السنين، وفى ذلك الوقت سواء من اختار منا كفرد أو كحزب أو كحركة هذا الخيار وهذا المسلك في الأربعينات والخمسينات تبعاً لسن الفرد، هل كانت الظروف في ذلك الوقت ظروفاً سهلة؟ هل كانت إمكانيات الإمبريالية والاستعمار ضعيفة؟

الجواب واضح لنا، فنحن كنا نواجه في تلك المرحلة قوى عاتية، وكل أمر يرتبط بظروفه، حيث أن المسألة في ذلك نسبية.

في الأربعينات عندما بدأ هذا الجيل الذي هو من سني ينزل إلى الشارع ليقود المظاهرات كانت بريطانيا هنا لها نفوذ وتأثير في العراق، فقد كانت من أكبر القوى العاتية في العالم، وكذلك كانت فرنسا بالنسبة للذين كانوا يناضلون في سوريا وفي لبنان وفي شمال إفريقيا، وايطاليا بالنسبة للذين كانوا يناضلون في ليبيا وكل القوى الاستعمارية الأخرى التي نعرفها كانت قوى تمتلك إمكانيات هائلة أكثر بكثير من الإمكانيات البسيطة التي كنا نمتلكها كمناضلين، ولكننا اخترنا أن نكون وطنيين، اخترنا أن نكون قوميين، اخترنا أن نناضل من أجل أن نغيّر هذا الواقع، فهل كنا على خطأ عندما اخترنا هذا السبيل؟

في ذلك الوقت كان هناك من يقول لنا أن أنكم مخطئون وأنتم مثاليون، أنتم لا تتعاملون مع الواقع، فبريطانيا دولة قومية وأنه لابد من التحالف معها، ومنهم من قال تحالف كامل، ومنهم من قال نصف تحالف، وأنه لابد أن نتوصل إلى نوع من أنواع التسوية مع فرنسا، ولابد أن نستعين بأمريكا إلى آخره من الأقوال التي كنا نسمعها، لقد كان النظام في العراق يقول هذا الكلام وكذلك القوى الغير ثورية في سوريا تقول مثل هذا الكلام، وكان هناك في الجزائر من الذين يتعاطون مع المجال الوطني يقول مثل هذا الكلام قبل الثورة الجزائرية، هذا الكلام ليس جديداً.. وكان هناك من يقوله سواء في السلطة أو في بعض الأحزاب حيث هناك أناس بدأوا أو عملوا لفترة ما في الحركة الوطنية ثم تعبوا وخانوا، واختار هذا أو ذاك منهم أن يكون وزيراً أو محافظاً، أو موظفاً في الحكومات العميلة، أو الحكومات المتواطئة وترك النضال.

وكنا نرى هؤلاء ولكننا لم نختار الخيار الذي اختاروه، بل اخترنا أن نكون وطنيين وقوميين ومناضلين، وأن نتحمل ونصبر، وكان لنا أمل قوي وإيمان عميق في إمكانية التغيير وقد حصل التغيير، الآن الظروف صعبة بدون شك، فالهجمة قوية، ووسائل هذه الهجمة قوية جداً ومؤثرة، ولكن طبيعة الأشياء، لم تتغير.

فهل تغيّرت بريطانيا وأميركا وفرنسا؟! هذه الدول الاستعمارية التي نعرفها ماذا تغيّر فيها؟ فرنسا التي قتلت عشرات الآلاف من أبناء شعبنا في الجزائر، وهل تغيّرت بريطانيا التي فرضت علينا الانتداب والمعاهدات المقيدة لاستقلالنا؟ أميركا ما الذي تغيّر فيها؟ هي نفسها التي دعمت الكيان الصهيوني في عدوانه عام 1956 وفي عام 1967 وما تزال تدعمه حتى الآن!

 

طريق الوطنية والقومية وطريق الخيانة

صحيح أن هناك أفراداً هنا أو هناك في هذه الدولة أو تلك ممن يلتقون معنا في الرأي، ممن يتعاطفون معنا، وكان هؤلاء موجودون في الأربعينات وفي الخمسينات، عندما وقع العدوان الثلاثي على مصر كان هناك من يعارض هذا العدوان داخل بريطانيا وداخل فرنسا، ولكن حكومتي بريطانيا وفرنسا شاركتا في العدوان، فلم يتغيّر الأمر جوهرياً لكي نقول أو يقال بأن علينا أن نغيّر، وأنه علينا أن نتخلى عن الخط الوطني والقومي، أو أن نغيّر مسلكنا ونسلك سلوك التفاهم مع الامبريالية ومع الدول التي كانت وما تزال تمارس سياسة الاستعمار وإن تغيّرت الأساليب والأشكال.

لنفترض أننا اخترنا هذا المسلك، فكيف نبرر رفضنا السابق لما كان يطرح في الأربعينات وفي الخمسينات وفي الستينات!! هل نعترف بأننا كنا على خطأ ونلغي تاريخنا كأفراد وأحزاب وكحركات، بل كأمة؟

هل نلغي ذلك لأن أمريكا الآن قوية، أم نتمسك به لأنه الخيار الصحيح؟ وهل لدينا خيار آخر؟ هل مطروح علينا خيار كريم وحر غير الخيار الوطني؟ لأنه ليس غير الوطنية والقومية من مسلك غير الخيانة، فإذا كان أحد يتوهم بأن هنالك منتصف طريق بين الوطنية وبين الخيانة بحيث يستطيع أن يسلك في منتصف الطريق ويبقى نظيفاً ووطنياً وقومياً فهو على وهم، إذا كان حسن النيّة، لأنه لا يوجد خط أو طريق وسط بين الوطنية والقومية كم جهة وبين الخيانة من جهة أخرى، فإما أن تختار طريق الوطنية والقومية، طريق التمسك بأهداف الأمة أو تختار طريق الخيانة.

 

حقائق ثابتة

أنا واثق أن ما ذكرته في جوابي السابق بأن هذه الحقائق معروفة، ولكن لابد أن نعود مرة ثانية لنتذكّر بعض الأحداث في تاريخنا المعاصر حول صعوبة الظروف.

في عام 1919 قامت الثورة المصرية، وفي عام 1920 قامت ثورة في العراق، وفي عام 1936 قامت ثورة في فلسطين، وفي عام 1941 قامت ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق، وفي عام 1952 قامت ثورة يوليو في مصر ثم تأميم قناة السويس، والثورة الجزائرية وحركات التحرر والاستقلال في شمال إفريقيا وفي جنوب اليمن كما في كل أنحاء الوطن العربي، وهي معركة خاضتها الأمة العربية ضد قوى عاتية، هذه كلها تمت في ظروف صعبة جداً، ومع ذلك قامت الثورات وحققت ما حققت من منجزات وانتقلت الأمة العربية من أوضاع إلى أوضاع أفضل على رغم بقاء الكثير من السلبيات، ولكن بالتأكيد انتقلت إلى أوضاع أفضل ولم تتوقف الساعة، لم ينتهي التاريخ كما يراد أن يقال لنا بأن أمريكا قد انتصرت والغرب كذلك، وأن التاريخ قد توقف عند هذا "الانتصار" وأنه علينا أن نستسلم، فهذا كلام مزوّر ولا يستند إلى أي تحليل علمي وجدّي، لأنه لا يمكن للتاريخ أن يتوقف ولا يمكن للحياة أن تتوقف.

يمكن القول أن ظروف صعبة جداً يمكن أن تمر، أو ظروف أقل صعوبة، وهذا حصل في الماضي، ويمكن أن تحصل الآن وفي المستقبل، ولكن أن يتوقف التاريخ وتحسم الصراعات بصورة نهائية ولا يبقى هناك أمل بحيث الأبواب تغلق من كل الجوانب ومن كل مكان بحيث لا يستطيع المرء أن يغيّر من الواقع شيئاً فهذا تحليل غير صحيح وغير موضوعي، فضلاً عن كونه مضلل، ولكن حتى لو استبعدنا التضليل وأخذنا جانب حسن النيّة وقلنا أن هذا المفكّر وهذا الكاتب يقول (كذا وكيت) فنناقشه مناقشة موضوعية علمية، فنتوصل إلى أن تحليله فاسد وخاطيء ولا يستند إلى حقائق التاريخ ولا إلى حقائق الحياة، فالحياة تتغيّر والتاريخ يستمر ويتحرك، والصراعات تتجدد، ومراكز القوى تتغيّر، هذه حقائق ثابتة منذ أن بدأ المجتمع الإنساني وما تزال.

 

انهيار الاتحاد السوفياتي والهيمنة الأمريكية

والثورات العربية تمهد لانجازات لاحقة

قد يقول البعض إن الاتحاد السوفياتي هو السبب أو أن ما جرى في الاتحاد السوفياتي هو السبب هذا الانهيار، وما دام غورباتشوف والقيادة السوفياتية الحالية قد تخلو عن الشيوعية، وقد تخلو عن الدولة السوفياتية التي بناها لينين وستالين واستمرت حتى الثمانينات فأصبح العالم لابد أن يصبح أوتوماتيكياً تحت الهيمنة الأمريكية، ولابد لنا نحن الذين كنا ندعو للوطنية والقومية والاشتراكية أن نتخلى عن هذا المنهج لأن السيد غورباتشوف قرر أن يتخلى عنه، وهذا أيضاً نوع من أنواع التحايل على الحقائق، والبعض هايشه من الجيل الذي قبلنا، وقد ذكرت بعض الثورات التي حصلت في هذا القرن في الوطن العربي، لذلك أعود إليها الآن، فعندما قامت ثورة 1919 في مصر ضد بريطانيا العظمى التي كانت الشمس لا تغيب عن إمبراطوريتها، كانت الثورة الروسية قد حصلت قبل عامين من ذلك التاريخ ولم يكن لها أي تأثير ملموس في مصر، والآن في الوقت الحاضر عندما يحصل شيء في الاتحاد السوفياتي ونسمع به على الفور بحيث الإذاعات ومحطات التلفزيون والتلكس وكافة وسائل الاتصالات الحديثة تنقله في وقت كان فيه مثل ذلك يراد له أسابيع أو أشهر حتى يصل إلى مصر، ولم يكن الثوار الذين تحدوا الاحتلال البريطاني في مصر قد رأوا لينين أو ستالين أو تروتسكي أو تحدثوا مع أحدهم وسمعوا نبرات صوته وقرأوا كتبه فقرروا أن يثوروا على الاستعمار البريطاني ويطالبوا باستقلال وبعزّة وكرامة مصر كما هي الشعارات المعروفة التي قرأناها في كتب التاريخ، في العراق هنا قامت ثورة العشرين في الفرات الأوسط وهي منطقة صعبة حتى الآن، فكيف في عام 1920 يمكن للثائر أن يلتقي ستالين أو تروتسكي أو يقرأ له هذا الكتاب أو ذاك، وكيف له أن يعرف ماذا جرى في قصر الشتاء في بترسبورغ وغيره ليستلهم روح الثورة الروسية لكي يقوم بثورته ضد الاحتلال البريطاني؟! فالثورة ضد بريطانيا كان الدافع لها عملاً وطنياً صرفاً، كان الدافع وطني عراقي بدافع قومي عربي غريزي أصيل، وليس له علاقة بما كان يجري في روسيا.

الثورة الفلسطينية التي امتدت لعدة أعوام في منتصف الثلاثينات لم يكن لها أي علاقة بروسيا، والدارس والباحث لتلك الفترة من الزمن يذكر أنه في عهد ستالين تحالفت روسيا أثناء الحرب العالمية الثانية مع الغرب ضد النازية، ونحن كنا ضد الغرب لأنه كان يحتل بلادنا، وعندما قامت ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق وهي ثورة عراقية وطنية ضد الاحتلال البريطاني فقد كان الاتحاد السوفياتي ضد هذه الثورة، ومع هذا قامت الثورة وأن الثوار في ذلك الوقت صلاح الدين الصباغ ورفاقه لم يسألوا ما هو موقف موسكو، لأن موقف موسكو كان واضحاً، ومع ذلك قرروا أن يقوموا بثورتهم واعتبروا تجربتهم وطنية إن نجحت حققت أهدافها، وإن فشلت لحين فهي تحفر الطريق وتعبده أمام انجاز لاحق.

الثورة الجزائرية التي بدأت في منتصف الخمسينات ليس لهذه الثورة أي صلة بالاتحاد السوفياتي، لم تأخذ السلاح من الاتحاد السوفياتي، الحزب الشيوعي السوفياتي لم يقدّم لها أي دعم حتى المعنوي، والكثيرين يعرفون جيداً قصص ومواقف الأحزاب التي كانت مرتبطة بالسياسة السوفياتية في ذلك الوقت وهي من الحقائق المعروفة في جيلنا، فالثورة الجزائرية لم تستأذن السيد خروتشوف أو بولغانين في ذلك الوقت لكي تبدأ وتخوض معركة طاحنة استمرت سبع سنوات وقدّمت الملايين من الشهداء لكي تتحرر الجزائر.

 

ما هو دور الاتحاد السوفياتي وما الذي تغيّر؟

والآن ما الذي تغيّر؟ نعم إن وجود دولة قوية تنافس أو تواجه الولايات المتحدة والغرب في محاولتهما للهيمنة على العالم هذا أمر جيد، وكنا نعتبره وضعاً ايجابياً في الحياة السياسية الدولية، ونستفيد منه ونتعاطى معه، ولكن لو قرر أو كما قرر السيد غورباتشوف أن يتوقف عن أداء هذا الدور فهل يعني أننا نحن في العام 1991 نقرر أن لا نكون وطنيين وقوميين، وأن لا نطالب بحقنا في فلسطين، وأن لا ندافع عن استقلال العراق وعن حقه في التقدم، وأن نسلّم بالهيمنة الأمريكية على مصر وعلى لبنان وعلى هذا الجزء أو ذاك من الوطن العربي لأن السيد غورباتشوف قد تخلى عن الشيوعية وقرر تفكيك الاتحاد السوفياتي؟! إذن نحن نكون أقل درجة بكثير إذا فعلنا ذلك من الثوار في العراق في عام 1920، من الثوار في مصر، من الثوار في الجزائر، من الثوار في فلسطين وفي كل أنحاء الوطن العربي، فهل نحن أقل درجة؟

نحن كنا نتصوّر بأننا أحفاد أو ورثة هذا التراث النضالي الوطني والقومي، وأنه علينا أن نواصله، فهل نتوقف؟ هل نتنكر لهذا التراث ونقول مادام السيد غورباتشوف قد تخلى فعلينا إذاً أن نتخلى أيضاً؟! نحن لدينا قضايانا الوطنية والقومية، لدينا مطالب عادلة، لدينا قضايا مشروعة، وواجب علينا أن نناضل من أجل خدمة هذه القضايا، من أجل تحقيق هذه المطالب.

 

أليس كان من الأفضل كما قال البعض من الذين أرسلوا رسائل للرئيس صدام حسين بأن يرضخ للأمر الواقع وأن لا يغامر في تدمير ما بنته الثورة عبر أكثر من عشرين سنة؟

لا أريد الخوض في متاهات لا تفيد في هذا الظرف لأقول إن التضحيات دائماً كانت مطلوبة في أي عمل نضالي، ومن أجل تحقيق هذه المطالب كان علينا أن نقدّم التضحيات، ومن ناضل في السابق يعرف معنى تلك التضحيات، فهل يفترض أن نناضل بدون صعوبات وبدون تقديم تضحيات؟ وهل يفترض أن تكون طريق النضال معبّد وميسّر وأن نناضل ضد الاستعمار وبريطانيا تصفّق لنا، والفرنسيون يهنئوننا على منجزاتنا الوطنية، والأميركان يشيدون بها؟! إذا كان هذا هو النضال فأعتقد أننا لا نستطيع أن نحقق مثل هذه الأماني، هم كانوا في السابق يغضبون علينا لأننا نناضل من أجل تحرير بلادنا، وكانوا يتهمون القادة المناضلين بشتى التهم، والكل يعرفون أن في التاريخ بالنسبة لنا كعرب وبالنسبة للشعوب الأخرى يكون المناضل الثائر إرهابياً، وأحياناً مجرماً، وأحياناً خارجاً على القانون، هكذا يوصف من قبل القوى المتسلطة، ولكنه عندما يحقق أهدافه يسمى بالصفات الحقيقية التي تليق به.

ماوتسي تونغ كان بالنسبة لتشانغ كي تشيك خارج على القانون، ونحن كنا جميعاً في الأربعينات وفي الخمسينات خارجين على القانون ومخربين بالنسبة لنوري السعيد، الثوار في الجزائر كانوا عصابات قتل كما يسميهم الفرنسيون ومنهم السيد ميتران الذي يتولى رئاسة الجمهورية الفرنسية في الوقت الحاضر، وهو الذي كان وزيراً للعدل عدة مرات في الحكومات الفرنسية في الخمسينات، (توفي فرانسوا ميتران في مرض سرطان البروستاتا عام 1996) بعد وهو الذي وقّع بيده "الكريمة" الكثير من قرارات الإعدام للمناضلين الجزائريين، وهذا هو شأن ميجر (جون ميجر رئيس وزراء بريطانيا السابق) ولكن ربما ليس هو شخصياً، ولكنه وريث التراث الاستعماري لبريطانيا لحزب "المحافظين" البريطاني لتشرشل ومن سبقه، وكذلك بوش وكل أنواع القيادات وما ستؤول إليه الأحداث في الاتحاد السوفياتي، وطبعاً علينا أن نتابعه نحلله، نستنتج منه استنتاجات سليمة، ولكنني لا أرى أن يكون مسوغاً لنا لكي نتخلى عن نهجنا الوطني وعن نهجنا القومي.

 

القدر الأمريكي

وهنا لا بد من أن أثير موضوع سمي بـ"القدر الأمريكي"، كي تنقل وتعرّف الأخوة عندكم من أصول عربية وغير عربية وما هي حقيقة التطورات السياسية التي نتجت وكما قلت التي تسمى بـ"القدر الأمريكي".

إلى ما قبل سنوات كان هنالك توازن في القوى في العالم كما هو معروف، وحتى في تلك الفترة وكما جاء في حديث الرئيس القائد صدام حسين في مؤتمر الحزب العاشر، كانت أمريكا في ذلك التوازن متفوقة نسبياً على الطرف الآخر، ولكن كان هنالك قدر من التوازن، الاتحاد السوفياتي تدهورت أوضاعه بسرعة، أسرع مما حصل لإمبراطوريات سابقة، خلال فترة قصيرة جداً من الزمن جاء غورباتشوف إلى الحكم في عام 1985 حتى عام 1988 لم يكن الانهيار قد حصل بشكل دراماتيكي، في عام 1988 وعام 1989 كرّت السبحة كما يقال بالعامية وانهار المعسكر الاشتراكي بدءاً بدول أوروبا الشرقية ثم بدأت الانهيارات داخل الاتحاد السوفياتي، ثم استغلت الولايات المتحدة هذا التغيير وقامت بعدوانها هي وحلفاؤها الغربيون ومن سار معهم من الحكام الخونة في المنطقة بضرب العراق، القوة الناهضة في هذه المنطقة، التي كانت تهدد المصالح الامبريالية وتهدد العنجهية والتوسعية (الاسرائيلية)، ضربت العراق مادياً، نعم كما يعرف الجميع، والنتائج مغروفة، ولكن هنالك من يريد أن يصوّر أن هذه النتائج التي تحققت في هذه الفترة القصيرة الماضية على أنها القدر الأمريكي المحكوم الأبدي، وبأن أميركا قد سيطرت على العالم ولا مجال لأحد في هذا العالم في أن يقول لا لأمريكا، حتى بالنسبة لقضاياه الجوهرية، ولحقوقه الأساسية التي لا يمكن العيش بحرية وكرامة بدونها، ولا يمكن أن يتوفر للشعب مقومات النهضة والتقدم بدونها، لا يستطيع أن يقول لا لأمريكا!

هنالك من يريد أن يفرض هذا المفهوم علينا، وهذا ببساطة وبتواضع أقول هو استنتاج غير صحيح، حتى لو افترضنا حسن النية بالنسبة للذين يروجونه، بعض الذين يروجونه عملاء وخونة وجواسيس وخدم لأمريكا وخدم لآل سعود ولحكام الخليج الذين يدفعون الأموال ويستأجرون الأقلام التي تُسخّر لترويج ما يسمى "القدر الأمريكي"، ومن يعمل في مجال الإعلام يعرف ذلك تماماً وخاصة الذين يكتبون في صحف خارج الوطن العربي، ولكن نحن في الصف الوطني والقومي علينا أن لا نقع في الاستنتاج الخاطيء من أن هذا "القدر الأمريكي" قد أصبح شاملاً، مطلقاً، أبدياً لا مجال على الإطلاق لمقاومته، لا مجال على الإطلاق للتصدي له لحماية الذات منه، اللهم إلا إذا اعتبرنا أميركا قد امتلكت إمكانيات الخالق عز وجل وهذا كفر.

أميركا قوية، نعم، متقدمة، نعم، غنية، نعم، ولكن أميركا لم تستطع حتى الآن وهي في أوج قوتها وعنجهيتها لم تستطع أن تثبت مقدرة قيادية كما أثبتت بريطانيا في القرن التاسع عشر وفي بدايات القرن العشرين، بريطانيا كدولة استعمارية كانت أقدر على القيادة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، حتى قيام الحرب العالمية الثانية، كانت بريطانيا تمتلك أضعاف أضعاف ما تمتلكه أميركا من إمكانيات قيادية، وقد أتيحت لي خلال فترة عملي كوزير للخارجية أم أطلع على بعض الحقائق، إن الدبلوماسية البريطانية ما تزال حتى الآن توجه الدبلوماسية الأميركية في كثير من الأمور وتقدّم لها خدمات لا تستطيع الدبلوماسية الأميركية أن تنجزها لوحدها لأنها متخلفة عقلياً، متخلفة حضارياً، متخلفة بالمعلومات، وبالنسبة لمواضيع كثيرة، وهؤلاء البريطانيون الاستعماريون القدامى يقدمون لأميركا الكثير من الخدمات والنصائح والأوراق والصيغ، وهناك في أميركا مجتمع مليء بالعدل بقدر ما فيه من جوانب الضعف والتفكك، هم يقولون ذلك، أنا لا أحلل الوضع في أميركا كما يفعل بعض كتّاب الأعمدة، ولكن نحن نردد ما يقوله الأميركان أنفسهم، فهم يقولون عن أنفسهم أن بلادهم كما يقال بالعامية "خربانة" في التعليم وبأسباب انتشار المخدرات، وبسبب انتشار الجرائم، وبسبب انتشار الفساد السياسي، والخطير جداً هو العجز في الميزانية الأميركية، ذلك العجز الخرافي بحيث لم تستطع الإدارة الأميركية الحالية والتي سبقتها أن تسيطر عليه، إضافة إلى العجز في الميزان التجاري، هذه كلها علل ونقاط ضعف في القدرة القيادية لأميركا، ولا تستطيع أميركا أن تستوعب ولا أن تعمل أو تتصرف إزاء كل المشاكل التي تبرز هنا وهناك، لذلك هناك تركيز على منطقتنا، هناك تركيز على العراق، وعلى القضية الفلسطينية.

نعم، عندما تركز أميركا وحلفاؤها من البريطانيين وغيرهم ويقدمون لها الخدمات، تستطيع أميركا أن تحقق بعض الأهداف التي تسعى إليها، ولكن لا يجوز لنا أن نتوهم بأن القدرة الأميركية هي قدرة مطلقة وأن أميركا ستسيطر على كل جزء من أجزاء العالم وحتى على منطقتنا إلى فترة طويلة، لذلك نجد أن أميركا مستعجلة تريد أن تستثمر النتائج التي حققتها نتيجة العدوان على العراق بأقصى درجة، وهنالك من يشن حرباً نفسية لكي يهزمنا من الداخل، فنحن لا يزال لدينا إمكانيات كثيرة جداً للمقاومة والصمود والتحدي والتقدم بهذا القدر أو ذاك، هنا في العراق وفي فلسطين وفي الجزائر وفي مصر وفي كل مكان من الوطن العربي لدينا إمكانيات، وأن هنالك من يقول لنا ارموا كل ما لديكم من أسلحة لا تفعلوا شيئاً واخضعوا لما تقواه أميركا، اقبلوا بكل شيء، وبذلك نحن نقدّم الخدمات للبرنامج الأميركي بدون أن يكون لأميركا أي انجاز في ذلك! أي بمعنى لآخر نحن نقدّم لأميركا مكاسبها على طبق من ذهب أو من فضة، ونقول لها تفضلي استلمي هذه المنطقة، نحن قررنا أن نستسلم أو نهاجر ونترك المنطقة.

وهنا أقول بأن أميركا لا تستطيع أن تواصل لسنوات قادمة هذا الحصار الذي تفرضه على العراق الذي قرر أن يصبر وأن يتحمّل شعباً وقيادة، وأن يواجه وأن يناور وأن يقاتل بكل الوسائل المتاحة لكي يحافظ على استقلاله، وعلى هويته الوطنية والقومية، ولا تستطيع أميركا أن تنهي الانتفاضة الفلسطينية الباسلة، وأميركا لا تستطيع أن تنهي المد الشعبي المتنامي القوي في المغرب العربي، وأميركا لا تستطيع أن تقمع الحركة الوطنية في مصر.

نعم، أميركا وعملاؤها لديهم وسائل كثيرة وإمكانيات ويستطيعون أن يضغطوا وهذا ما كانوا يفعلونه في السابق ولازالوا حتى الآن، وهذا ما كانت تفعله أيضاً بريطانيا وما كانت تفعله فرنسا، وأميركا نفسها والأنظمة العميلة لهم كانت تفعل كل ذلك ضدنا نحن ومع ذلك استطعنا أن نغيّر والآن نستطيع أن نغيّر، فإذا كان من يتوهم بأن التاريخ قد توقف وأن العصر الأميركي قد بدأ وأن العالم سينتهي لسيطرة وسيادة أميركا على العالم فهو واهم، واهم، وأن الذين يقولون هذا الكلام هم عملاء وجواسيس ومأجورون حتى أولئك الذين يدعون الموضوعية والتفلسف من حسني النية.

 

الأمة العربية ساهمت في صناعة التاريخ

إن الشعارات والبرامج التي عبّرنا عنها في مؤتمرات الحزب وفي المؤتمرات الشعبية كلها شعارات واقعية وعملية وسيتحقق منها الكثير، وبموضوعية أقول أنه ربما لن تتحقق كلها وربما لن يتحقق منها البعض اليوم أو غداً أو بعد غد في المدى المنظور على الأقل، ولكنها ستتحقق تدريجياً لأن التاريخ كان وما زال مع الحرية ومع الاستقلال ومع التقدم، وأن التاريخ كان وما يزال مع  الأمة العربية، هذه الأمة التاريخية، بمعنى أولاً أنها أمة قديمة وليست طارئة أو مصطنعة، وهذه ليست هي المرة الأولى التي تمر فيها هذه الأمة بمرحلة صعبة، فقد مرت بصعوبات كثيرة عبر تاريخها الطويل وهذه المرحلة الصعبة لن تكون الأخيرة، ولأنها أمة تاريخية بمعنى أنها ساهمت مساهمة حقيقية في صناعة التاريخ الإنساني، وإذا كان أجدادنا قد ساهموا مرات عديدة في صناعة التاريخ الإنساني فهل يمكن أن نتصوّر بأننا لسنا قادرين على أن نساهم نحن أبناء هذا الجيل في صناعة التاريخ الإنساني، إن الاستنتاج الواقعي العلمي والصحيح يقول بأننا قادرين على ذلك.

عندما قامت ثورة يوليو/تموز في مصر كانت قيادتها شابة والرئيس الراحل جمال عبد الناصر رحمه اله كان ضابطاً شاباً عمره في الثلاثينات ومعه شباب من جيله تقريباً، فكيف كانت اللوحة بالوطن العربي آنذاك؟

العراق كان تحت النفوذ البريطاني ومن قم صار جزء من حلف بغداد الذي ضم العراق وتركيا وإيران والباكستان، هذه الدول التي ذكرتها والدويلات في منطقة الخليج العربي كانت كلها تحت الحماية البريطانية، جنوب اليمن أيضاً كان تحت الحماية البريطانية، شمال إفريقيا كلها كانت تحت الاستعمار الفرنسي والايطالي والبريطاني المباشر، ومع هذا عبد الناصر والثورة المصرية والقوى المناهضة في مصر قررت تغيير كل المعطيات التي حولها، وفي الوقت نفسه كان هناك أشخاصاً يأتون إلى عبد الناصر ويقولون له اسمع عليك أن تتوقف وترى إلى أين أنت ذاهب، وماذا يمكنك أن تفعل مع قوى كبيرة ورتبتك هي مقدم وأنت عضو في مجلس قيادة الثورة، وهل ستقدرون على الوقوف أمام بريطانيا وفرنسا؟

وكذلك كنا هنا في العراق ابتدأنا بالانتماء إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، وآخرون اختاروا الانتماء إلى حركة القوميين العرب، وإلى الاشتراكيين، يعني كل الذين انتموا إلى فصائل حركة التحرر العربية في ذلك الوقت الذي كانت الصورة فيه أسوأ بكثير مما هي عليه في الوقت الحاضر، والآن صحيح أن الهجمة الأميركية شرسة ويوجد حصار كما توجد إيران وتركيا والقواعد الأميركية فيهما وكذلك القواعد العسكرية الأميركية في الكويت، ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح هنا هل هذه القواعد لم تكن موجودة سابقاً؟ بل كانت موجودة، وهم اليوم يحاولون إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، وأعتقد بأنه غير مستحيل علينا مرة ثانية بأن نجعل عجلة الزمان تعود لتأخذ مكانها ودورتها الطبيعية، وقد تكون المرحلة الآن هي مرحلة الصمود أكثر من مرحلة تحقيق التقدم إلى الأمام، والصمود هو كما في الحروب العسكرية عندما تتعرض لهجوم كبير فإن المطلوب منك الصمود لتحتوي الحملة، فتصمد وتتمترس في الخنادق وتحصّن نفسك، وبالتالي عندما تمتص الهجمة وزخمها تواصل مرة ثانية الهجوم المقابل، فنحن (شايفين) هذه الحالة تماماً وهي ليست غريبة عنا و(مجربينها) سابقاً.

 

الدويلات في الخليج العربي اختراع بريطاني

أما بالنسبة لما يجري في الخليج العربي، فنحن قلنا بأننا ارتكبنا خطأ كبيراً جداً من حيث أننا اعتبرنا هذه الأنظمة في الخليج العربي جزء من المجموعة العربية، وصحيح أن هناك سلبيات في العراق وفي مصر وفي السودان وفي سوريا وفي غيرهم من بلادنا العربية الأخرى، ولكن هذه الدويلات تأسست خصيصاً من قبل بريطانيا، يعني صحيح أنه حدثت "سايكس-بيكو" وقسمت البلاد العربية وصار هناك سوريا ولبنان وفلسطين، ولكن سوريا ليست اختراع، العراق ليس اختراع حتى لبنان ليس اختراع، يعني صحيح أن لبنان بلد صغير وكان ممكن أن يكون جزء من سوريا، ولكن الكويت وقطر والإمارات وباقي دويلات الخليج العربي هي اختراع بريطاني صرف مئة بالمئة، وكان ممكن وبكل بساطة أن تصبح هذه الدويلة أو تلك أن تصبح محافظة أو قضاء تابع للمحافظة الشرقية في بلاد نجد والحجاز، والكويت كما كانت هي حقيقة محافظة عراقية، ونحن قبلنا بهذا الوضع وجلبنا أهل (العُـقُل) وجعلنا منهم أعضاء في الجامعة العربية التي هي أيضاً اختراع بريطاني (وصرنا نبوسهم) ونطلب منهم المشاركة في الجهاد من أجل تحرير فلسطين، وقد عادوا الآن إلى أصلهم خدم من الدرجة العاشرة لبريطانيا ومن ثم لأميركا، وقد وقعنا جميعاً بحالة من الوهم في الستينات والسبعينات واعتقدنا بأن هؤلاء يمكن أن يكونوا من الأسرة العربية التي تسعى إلى التقدم والنهضة، وثبت أن هذه الحالة كانت غلط، فابن سعود أصبح ملكاً بإجازة بريطانية وكان يحصل على راتب من البريطانيين وهم الذين حموه، وهم الذين ربّوه، وهم الذين أسموا بلاد نجد والحجاز باسمه وهو الآن يعود إلى أصله الخائن، وهو بالطبع ما لم نكن نتمناه، ولكن يجب أن نعتبر ذلك مفاجأة تاريخية كبرى أن ابن سعود عميل لأمريكا، أو جابر عميل لبريطانيا، فأين المفاجأة هنا! هذا الواقع السلبي فهل نعتبره نهائي، أو قدر أبدي، أم نعتبره حالة ظرفية نواجهها الآن وهي قابلة للتغيير؟! هذا هو السؤال اليوم.

إن هذه الحالة لا يمكن أن تتغيّر أوتوماتيكياً بحكم السير الطبيعي للتاريخ، بل تتغيّر بإرادات البشر، القوى الفاعلة هي التي تغيّر وهؤلاء البشر موجودون.

في مصر هل الشعب المثري والقوى الناهضة، تلك القوى التي ما تزال مرتبطة بإرث ثورة 1919 وبإرث ثورة يوليو 52، فهل نعتبر أن الوضع الحالي في مصر قدر نهائي؟ أو نعتبره حالة ظرفية قابلة للتغيير وبجب أن تُغيّر.

 

من أين تلك القوى تحصل على القوة؟

القوة هي أساساً الشعب ومن يتصدى من بين صفوف هذا الشعب من قوى طلائعية لتقدم المسيرة، لفتح الآفاق الفكرية والسياسية ولصياغة البنى التنظيمية.

أنا أعتقد أن الساحة العربية مليئة بهذه القوى وفيها من الديناميكية الآن ربما أكثر مما كانت عليه موجودة في السابق، وأن المؤتمرات الشعبية التي تشارك فيها أنت في بغداد وقبله في عمان وفي صنعاء وفي المغرب العربي، فأن تلك اللقاءات والاجتماعات كلها تشير إلى وجود نهضة شعبية عربية لها مستقبلها لذلك لا بد أن تأخذ مداها، وأنني في ذات الوقت مؤمن بأن لهذه القوى مستقبل مشرف، والذي يتعب ولا يريد أن يكمّل الطريق فهو حر، لكن إذا تعب فإنه ليس بالضروري أن يجعل الآخرين يتوقفون عن متابعة المسير، ونحن لا نعرف بأنه ربما بين الكثير من تلك القوى هنالك من القيادات ومن الإمكانيات ما يمكنها من أن تفعل الكثير مما لا نحلم به نحن الذين دخلنا مرحلة الكهولة أو الشيخوخة.

من كان يتصوّر أنه في عهد الباشوات في مصر أنه كان سيبرز شاب برتبة ضابط اسمه جمال عبد الناصر ممكن أن يغيّر كل هذا التغيير الذي جرى في مصر وفي المنطقة؟ من كلن يتصوّر أنه في عهد نوري السعيد بأنه سيأتي شاب مثل صدام حسين هو وحزب البعث ويعمل كل هذا الانجاز الذي حصل في العراق في وقت كان عددنا آنذاك قليل في الخمسينات حيث كنا نجلس في الاجتماعات ونتحدث عن آمال كبيرة نحلم لتحقيقها، فإذاً هل نوقف الحلم، والحلم هنا ليس بمعنى الخيال وإنما الحلم المشروع في أن القوى الناهضة هي قادرة على التغيير؟ نعم، نحن نقول نعم لا يزال عندنا أمل لأنه عندنا إيمان وعندنا تجارب، وإيماننا ليس إيمان تجريدي، وتجاربنا في السابق أشارت إلى إمكانية مواجهة حالات صعبة جداً، والصمود فيها ومن ثم الانتقال إلى مرحلة التقدم.

 

فيما يخص الحرب في الخليج هل كانت محتومة أو لم تكن محتومة وهل كان ممكن تجنبها؟

هذا سؤال سبق أن طرح في تجارب سابقة عربية ومنها تجربة السبعة والستين، يعني هناك ناس اتهمت الزعيم الراحل عبد الناصر بأنه أقدم على هذه المغامرة فبل أن يستعد لها تمام الاستعداد فأصيب بالهزيمة، وهؤلاء الناس لابد أن نذكرهم بأنه في العام 56 لم يقدم على مغامرة في مواجهة الكيان الصهيوني وإنما أمم قناة السويس، وهو يجب أن يؤمم قناة السويس لأنه كيف يمكن أن حاكماً وطنياً في مثر وتبقى قناة السويس بيد أو تحت سيطرة الاستعمار البريطاني؟ هل عليه أن يتعايش مع الاستثمارات والسيطرة الأجنبية على مقدرات الاقتصاد المصري؟!

لأنه أمم قناة السويس ضربوه وقاموا بعدوانهم الثلاثي البريطاني-الفرنسي-الصهيوني المشترك، وقبلها في العدوان الذي حصل على (قطاع) غزة عام 1955 وأنت تذكر هذا، يعني لم يكن هناك استفزاز مثلما يقولون، ربما كان هناك بعض الفدائيين يقومون ببعض العمليات وفي عام 1956 حصل العدوان مصر.

والحرب ضد العراق كانت محتومة، نعم، محتومة، بأي معنى لا أستطيع أن أقول لك بأنه لو لم يحصل كذا، ما كان سيحصل كذا، ولكن المنازلة مع أميركا، ومع الكيان الصهيوني، ومع الغرب نعم كانت محتومة، وهن (أحكيلك) من تجربتي الخاصة، نحن خلال الحرب مع إيران وبحكم التحليل المعروف أنهم كانوا يخافون من الوضع الإيراني وبالتالي لم يدعمونا أبداً، فنحن لم نر منهم في أي يوم من الأيام أي دعم، ولكن كانت سياستهم تتطلب أن لا نهزم أمام المد الإيراني، وكانوا يريدون كما قال كيسنجر بصراحة أنهم يتمنون أن يطلع الطرفين مهزومين، وأنا خلال تلك الفترة أصبحت وزير خارجية عام 1983 وتعرّفت على عدد من الزملاء وزراء الخارجية، وزملاء هنا أعني بها أن علاقتنا كانت طيبة وندعوهم إلى بغداد ونذهب إلى عواصمهم ونتحدث معهم في الشؤون التي تهم العراق وبلادهم، وبعد قبول إيران بقرار مجلس الأمن في صيف آب/أغسطس عام 1988 ذهبت إلى نيويورك أطالب بالمفاوضات المباشرة فقط بيننا وبين إيران، هل تعتقد بأنه يوجد أحد بكل هذا العالم يرفض المفاوضات المباشرة بين دولتين معترفتين ببعضهما البعض، وقد كنت أشرح ذلك والبعض كان يقول نعم أنتم العرب ترفضون المباحثات المباشرة مع "اسرائيل" فلماذا تطالبون بذلك مع إيران؟! فأقول لهم نحن معترفين بإيران وإيران معترفة بالعراق ولا يزال عندنا سفارة في طهران وهم لا يزال عندهم سفارة في بغداد، ولا يوجد مسألة عدم اعتراف أو اغتصاب أراضي، ونحن دولتين تحاربنا والآن نريد أن نتفاوض مع بعض (صار كفر) أنا صار يصعب عليّ أن أتحدث مع وزير الخارجية الفرنسي أو البريطاني أو الأميركي أو مع مندوبهم في مجلس الأمن على مطلب يعتبر من بديهيات السياسة في العالم الذي هو التفاوض المباشر، والسيد ديكويار (أمين عام الأمم المتحدة) الذي هو مستعد لأي مشكلة في العالم ورأساً ينصب لها طاولة للتفاوض المباشر، يقول لي كيف تتفاوضون مباشرة مع إيران وأنا أين دوري؟! قلت له أنت تجلس معنا ونتحدث نحن مع الإيرانيين، وأنت في كل الأزمات في العالم تنصب الطاولات المستديرة والمستطيلة والمثلثة، وأنت تكون موجود وأحياناً لا تكون موجود، بس المهم أن ندع الناس يتحدثون مع بعضهم البعض لكي يحلوا مشاكلهم، وكان يقول لي، لا، هذه غير موجودة في قرار مجلس الأمن، وبقيت أتحدث مع رولان دوما وزير الخارجية الفرنسي بالتلفون حول ذلك وكلن يقول لا هذه غير موجودة في قرار مجلس الأمن، وقلت له (مسيو) دوما أحضر لي قرار صدر في السابق عن مجلس الأمن ينص على التفاوض المباشر وعدم المباشر، وأن قرارات مجلس الأمن فيها مباديء لحل النزاعات والوسائل المتبعة لتنفيذها هي المفاوضات والموائد المستديرة والمستطيلة وغيرها من الأساليب المتعارف عليها في الدبلوماسية العالمية، فلماذا هذا الموقف الآن من العراق هل لأنه طلع من الحرب منتصراً وقوياً وليس مهزوماً؟!

 

التآمر على العراق

لقد بدأ التآمر على العراق كما هو معروف للجميع منذ عام 1988 وحتى عام 1990، نعم، ربما لو لم يدخل الجيش العراقي إلى الكويت ما كانت الأحداث حصلت كما حصلت بعد ذلك، ولكن هل كانت المنازلة ستتوقف؟ كلا بل كانت ستتخذ شكلاً لآخر، وما كانت ستستبعد لأنهم قرروا ضربنا، هم اتخذوا قراراً بذلك ونحن عندنا علم بأنهم اتخذوا قراراً نهائياً بذلك وكان آخر شيء في حزيران عام 1990، وحتى حزيران من عام 1990 وأنا أقولها بصدق للجميع، أن العراق لم يكن يفكر بمسألة الكويت، ولكن في حزيران 1990 بعد أن اتخذوا القرار النهائي بعد القمة التي عقدت في بغداد، لأنه في قمة بغداد تحدث الرئيس صدام حسين مع حكام الخليج بوضوح وقال لهم "تصرفكم في السياسة البترولية هو حرب على العراق، والذي لا ينوي أن يخوض الحرب ضد العراق فليتراجع"، طلعوا من المؤتمر وواصلوا نفس السياسة، إذاً قرار الحرب كان متخذ، وكان من الممكن أن تأخذ الحرب شكلاً آخراً، ولكن المشكلة هل هي في الشكل أو في الجوهر؟ مثلما حدث في مصر عام 1967 تماماً، لماذا ضربت مصر آنذاك؟ لأنها خرجت عن الهط الأحمر المقبول من الغرب ومن الكيان الصهيوني، خرجت مصر عن الخط الأحمر في الصناعة وفي التسليح، وخرجت في الخطاب السياسي، والعراق خاصة بعد انتصاره على إيران في الحرب عام 1988 وفي الأعوام التالية حتى عام تسعين خرج عن الخطوط الحمراء في الصناعة وفي التسليح وفي الخطاب السياسي، إذاً كان لازم أن يُضرَب، ساحة المعركة صارت الكويت، كان ممكن أن تكون هناك ساحة أخرى ولكن النتائج قد تكون واحدة خاصة إذا ما تجمّع عليها كل هذا التجمّع.

من الناحية العملية نحن نتحدث عن العدوان الثلاثيني، لأنه فعلاً هو عدوان ثلاثيني وشاركت فيه ثلاثين دولة، أي واحد حتى من الذين أيد تأييد سياسي يعتبر مشاركاً، أو حتى الذي أرسل جندياً واحداً هو مشارك ضدنا في هذه الحرب، ولكن حقيقة نحن الذين حاربنا أمريكا، يعني باستثناء مشاركة بريطانية وفرنسية محدودة في الحرب نحن حاربنا أمريكا، وكان من الممكن أن تقع الحرب مع أمريكا بالكويت أو بغير الكويت لأن أمريكا مقررة أن تستولي على منابع النفط لتغطية بعض العجز المتدهور في الموازنة الأمريكية، وهذا ما تنبأ به الرئيس صدام حسين في عمان في خطابه حيث قال "إن الاتحاد السوفياتي ها هو يتراجع وأوروبا الشرقية انهارت، فهل معقول أن تترك أمريكا النفط لنا"،! وأنه كان علينا نحن كعرب أن نسيطر عليه، وكيف نسيطر عليه؟ الثورة الإيرانية هزمت في الحرب وهزمت في شعاراتها وفي برنامجها، لم تهزم عسكرياً فقط، وبقي العدو الذي هو العراق، ولنفترض بأننا نحن لم ندخل الكويت وجاءت أمريكا وفرضت سيطرتها على منابع النفط كما سيطرت الآن باتفاقيات تعقدها مع الشيوخ وكانوا مستعدين أن يوقعوها سابقاً هم أنفسهم هؤلاء الشيوخ، فهل كان من الممكن أن نسكت، بالطبع ما كنا لنسكت، وكنا سنصطدم بهم صدام سياسي ممكن أن يتطور إلى صدام عسكري ومن ثم يحاربونا، الشيء الوحيد السلبي في كل الظرف الدولي الراهن، هو هيمنة أمريكا على مجلس الأمن وعلى مؤسسة الأمم المتحدة، وهذه الهيمنة الآن واضحة جداً في تعاملها مع العراق، ولكن الذي يتابع على وجه دقيق ما يجري في مجلس الأمن الآن سيكتشف أن ما يجري في مجلس الأمن لا يستهدف فقط العراق وإنما يستهدف مناطق أخرى.

في بعض القرارات التي وضعوها على العراق و(مشّوها)، هذه القرارات ستستخدم كسوابق للتعامل مع حالات أخرى في العالم، ما دام "الفيتو" السوفياتي تعطّل و"الفيتو" الصيني مجمّد بسبب الوضع الصيني، فداخلياً وضعها شيء ولكن سياستها الخارجية في السنوات العشر الأخيرة ما عادت الصين التي نعرفها وكانت قبل ذلك تقف موقفاً مسانداً وحقيقي وفعّال لأي برنامج معاد للإمبريالية، ولم يعد عندها أي إسهام في ذلك، ونحن نعرف ذلك تماماً بلمس اليد، وممكن أن تسأل الفلسطينيين وتسألهم أسئلة مباشرة محددة عن الصين وهم يخبرونك عن ذلك، "الفيتو" الصيني صار "بزنس"، يعني هي تريد من أمريكا حاجة ما والأميركان لا يريدون إعطاء هذه الحاجة للصين، يلوّح الصينيين بهذا "الفيتو" ولكن لا يستخدمونه، فإذاً عندما ألغي "الفيتو" الصيني والسوفياتي أصبح مجلس الأمن في كل الأحوال في غالبيته يعني عندما تحسب الأعداد رغم وجود كوبا ورغم وجود الجزائر والآن موجود فيه كوبا واليمن وزمبابوي لكن الأغلبية تسع أصوات عندما تريد أمريكا والغرب وليس أمريكا لوحدها وإنما الغرب يستطيعوا الحصول على الأغلبية في مجلس الأمن لصالحهم، وإذا "فيتو" واحد لم يصدر يعني ذلك أن القرار أصبح نافذ المفعول، فإذاً أن الحرب كانت محتومة، وأعتقد أن الصراع بيننا وبين أميركا وبين الكيان الصهيوني كان وما يزال وسيبقى محتوماً حتى يحسم نهائياً، ونحن لا نعتبر أن الصراع قد حسم نهائياً ضدنا، لكنه قد يحسم في مرحلة ما لصالحنا ولصالح الأمة العربية إن شاء الله.

 

دور بريماكوف وكتابه "الأبيض" والموقف من القضية الفلسطينية والانسحاب من الكويت

أما بالنسبة لبريماكوف فهو قد كتب كتاباً وأنا لم أرد عليه، وأنه من السابق لأوانه أن نصدر "كتاب أبيض" نرد فيه عليه لأن دورنا في المعركة كبير جداً ومن غير الممكن أن نلخص في كتاب من مئة أو من مئة وخمسين صفحة أو من مائتي صفحة ونضع فيه بعض الوثائق، لأن العملية كبيرة جداً وظرفنا السياسي الآن قد لا يسمح بأن نقول كل شيء، فأنا لم أرد على بريماكوف لسبب سياسي صرف لأنني لا أريد أن تتعقد علاقاتنا أكثر مع الاتحاد السوفياتي، لأن الاتحاد السوفياتي سياسته سيئة جداً بالنسبة لنا وهو يختلق الذرائع شأنه شأن الأميركان لإيذائنا، فقلنا نهدّيها ونتركها للتاريخ ربما نبقى أحياء ونستطيع أن نوضح كل ذلك.

وكل ما يمكنني أن أقوله حول ذلك الآن هو أن بريماكوف كذب ليبرر هزال زعيمه، والذي حصل هو أن بريماكوف جاء إلى بغداد وعرض على الرئيس صدام حسين بعض الأفكار فيما يخص الانسحاب من الكويت، وقد التقى معنا كلنا في الاجتماع ومن ثم طلب عقد لقاء منفرد مع السيد الرئيس وحضر إلى جانب السيد الرئيس السيد النائب الأستاذ عزة ابراهيم وبعد اللقاء ذهب بريماكوف إلى السفارة، وأبلغنا السيد الرئيس بأن بريماكوف طرح بعض الأفكار وأن غورباتشوف مستعد إذا ما العراق أبدى مرونة في موضوع الانسحاب من الكويت هو مستعد أن يوقف العدوان الأميركي ويرفع العقوبات، فدرسنا هذا الموقف وقررنا فعلاً أن نأخذ موقفاً مرناً، وأن نواصل متابعة هذا الموضوع والبحث فيع مع القيادة السوفياتية ومع غورباتشوف شخصياً، لأن الذي طرحه بريماكوف هو فقط مجرد تأشيرات وليس مخططاً كاملاً، يعني واحد اثنين ثلاثة.. الخ، هذا يحصل مقابل هذا، وهذا يحصل مقابل هذا، وهكذا، بريماكوف جاء مثل ما يمكن أن يقال ليستكشف نوايا أو تفكير القيادة العراقية، فالقيادة العراقية أبدت استعداداً من جانبها لمزيد من الاستكشاف، والسيد الرئيس قال لبريماكوف بأننا سنرسل لكم طارق عزيز قريباً لمتابعة هذا الموضوع معك، فأنا ذهبت إلى موسكو وكانت مهمتي الأولى هي استكشاف أيضاً مثل مهمته التي جاء بها، لأنه لا يوجد وزير خارجية يذهب بمهمة استكشافية ويحمل معه قرارات في جيبه، لا طارق عزيز ولا غير طارق عزيز لأن ذلك هو طبيعة السلطة في العالم، ولا يوجد وزير خارجية هو يقرر متى يمكن أن تقف الحرب أو متى سيحدث سلام، اجلب لي بمثل ذلك في كل التاريخ المعاصر والقديم يدل على أن وزير خارجية دولة ما ذهب في مهمة وعندما يقتنع هو بأن الحرب يجب أن تقف فتقف الحرب، فأين دور رئيس الجمهورية أو الملك وكل الجهاز الحكومي، يعني صحيحاً أن زير الخارجية له موقع متميز في الحكومة، ولكن يبقى هو وزير وليس صاحب قرار السلطة.. بريماكوف لعب هذه اللعبة السخيفة وقال أن وزير الخارجية العراقي طارق عزيز جاء "As a messenger"، وهو أيضاً جاء As a messenger من رئيسه، وقد ذهبت إلى موسكو والتقيت مع غورباتشوف وقال لي: "أنتم أصدرتم بياناً وضعتم فيه أمور تتعلق بالقضية الفلسطينية، وأن كل موضوع يتعلق بالقضية الفلسطينية غير وارد ولا نقدر أن نحققه لكم، إذا أنتم حليتم مشكاة الكويت، نحن سنسعى إلى عقد مؤتمر دولي من أجل القضية الفلسطينية، أنا أتعهد لك بذلك، وأن الاتحاد السوفياتي سيضع ثقله كاملاً هو وآخرين فرنسيين وغيرهم سيبذلوا المجهود لعقد المؤتمر الدولي بعد حل مسألة الكويت".

قلت له: بالنسبة لنا سيادة الرئيس إن القضية الفلسطينية هي ليست قضية سياسة خارجية أو اهتمام فرعي حتى نعزلها عن موضوع الكويت، وأن صراعنا مع أمريكا لماذا وما هو السبب؟ إذ أنه لولا وجود "اسرائيل" والعدوانية التوسعية الصهيونية التي جعلتنا نصطدم مع الولايات المتحدة، وعندما نطالب نحن بحل شامل لقضيتنا فأننا في العراق كدولة وكشعب لكي نعيش في سلام وفي أمن وأن نستفيد من خيرات بلادنا ومن إمكانياتنا، عندها نتوقف عن الصراع مع أمريكا ومع غيرها، لأن أصل الصراع بيننا وبين أمريكا هو هذا الذي ذكرته".

فقال غورباتشوف: "رفيق عزيز أنا أفهم وجهة نظركم وهي واضحة لنا، ولكن نحن لا نقدر أن نربط وأنت تعرف موقف الولايات المتحدة من الربط الذي طرحتوه قبل الحرب، فأرجوك أن تعود وتقنع القيادة العراقية بأن يرفعوا هذا الربط المباشر الفوري، وأن يركزوا على موضوع الكويت، وأن تقبلوا بالقرار 660 والباقي عليّ".

قلت له: "وموضوع الحصار لأنه إذا قبلنا بالقرار 660 فيجب أن ترفع العقوبات الاقتصادية، وكل القرارات التي تلت 661 وما بعده كلها ترفع".

قال: "هذا طبيعي".

وكان حاضر اللقاء بيني وبين غورباتشوف بريماكوف ومعه كان موجود كل معاونيه ما عدا وزير خارجيته بسمرتنخ الذي كان مسافراً، ولم يكتب أحدهم ورقة يقول له فيها أن الموضوع هو غير ما قال، لأنه قال "إن ذلك طبيعي".

فقلت له: "السيد الرئيس غورباتشوف أنا الآن راجع إلى بغداد وسأعرض أفكارك على القيادة العراقية".

هكذا انتهى اللقاء وعدت إلى بغداد هبر طهران، وتدري أن الظروف كانت صعبة والإيرانيين لازم يظهروا على أن لهم دور على المسرح الدولي وفي هذه القضية، فأبقوني ليلة وعملوا لي موعد مع رفسنجاني إلى أن وصلت إلى بغداد، وفوراً اجتمعنا إلى القيادة وقالوا طيب تعود من هذه الساعة وأنت مخوّل بكل ذلك، وهكذا في الزيارة الأولى كانت استكشافية، وفي الزيارة الثانية أصبحت مخوّل في الوصول إلى اتفاق مع غورباتشوف، وحملت معي الخطوط الأساسية للاتفاق والتي هي ننسحب من الكويت، تقف الحرب، ترفع العقوبات الاقتصادية عن العراق، هذه هي النقاط الأساسية بالنسبة لنا.

 

الاتفاق مع غورباتشوف والحرب البرية وعدم اكتراث الأميركان بالاتفاق

وصلت إلى موسكو الساعة 11،40 بتوقيت موسكو، توجهت فوراً إلى مكتب غورباتشوف في الكرملين وأبلغته بأنني أحمل الجواب الإيجابي من القيادة العرقية، وقلت له بأن موضوع المؤتمر الدولي من أجل القضية الفلسطينية هو أمانة في عنقك كما قال السيد الرئيس صدام حسين وأنني أبلغك به، وبذات الوقت هو أمانة من القيادة العراقية إلى القيادة السوفياتية بأن القضية الفلسطينية هي أمانة ولكن نحن لن نربطها الآن لأن هذا هو طلبك.

فسألني غورباتشوف: "كم تحتاجون من الزمن للانسحاب من الكويت؟".

قلت له: "نحتاج إلى حوالي الستة أسابيع".

قال بدهشة: "لا، كيف ستة أسابيع! نعطيكم أربعة أيام".

قلت له: "يا سيادة الرئيس أنت كرئيس دولة وأنت تعلم بأنه يوجد لدينا مليون طن معدات ونريد أن ننسحب انسحاب منظم بعد أن يصدر قرار وقف إطلاق النار كما اتفقنا وأبلغتني ومن ثم ننسحب، إذ لا يوجد دولة في العالم تنسحب هكذا بأربعة أيام".

المهم وبعد مناقشات في الجلسة المسائية لم نتوصل إلى أي شيء، قال غورباتشوف "غداً تكمل المناقشات مع بسمرتنخ وبريماكوف، وتكملوا هذا الموضوع وتتوصلوا إلى استنتاجات نهائية حول ذلك"، ثم سألني عن الأسرى، قلت له نحن ماذا سنفعل بالأسرى الآن لا يوجد عندنا كهرباء ولا نعرف أماكن تواجد كل الأسرى أعطني مهلة إلى أن نجمعهم ونحصيهم، عندها نحن نسلّمهم في يوم واحد.

قال: "هذه مهمة ويلحون عليها".

قلت له: "والعقوبات".

قال: "خلص أنتم فقط تعلنوا ومن ثم النقاط التي نتفق عليها أنا سأأخذها إلى مجلس الأمن ونصدر قراراً بوقف إطلاق النار وانسحاب العراق من الكويت، ونحدد أقصر مدة تتفقوا عليها أنت وبسمرتنخ وموضوع الأسرى ورفع العقوبات والمسألة نعتبرها منتهية، ومن ثم موضوع المؤتمر الدولي للشرق الأوسط، وسلّم لي على الرفيق حسين وقل له بأننا نحن مثل ما تعاهدنا سابقاً سنعمل به".

وفي اليوم التالي اجتمعنا في بيت الخارجية وتوصلنا إلى ما يلي:

أن يتم الانسحاب خلال فترة واحد وعشرين يوماً، وتبادل الأسرى يتم بفترة أربعة أيام، وهم عليهم الباقي، وهو وقف إطلاق النار، ورفع العقوبات وكلها بمجملها سبع نقاط اتفقنا عليها، ومن ثم تناولنا الغذاء وذهب بسمرتنخ وبريماكوف إلى غورباتشوف وعرضوا عليه الاتفاق، وفي وقت متأخر من الليل اتصل بي بسمرتنخ وقال لي بأن غورباتشوف وافق على النقاط كلها ونريد أن نعلنها كمقترح من غورباتشوف ماذا تقول في ذلك؟ قلت له أعلنها.

ثم قال هناك تقرير من بغداد وأن الأميركان يشوشون، قلت له أنا ما عليّ ماذا يقول الأميركان، قلت لك أنا موافق تريد أن تعلن ذلك في بيان فأنا موافق، وفي نفس الوقت صدر بيان من مجلس قيادة الثورة في بغداد يقول أن وزير الخارجية مخوّل من قبل مجلس قيادة الثورة في العراق بالاتفاق مع الاتحاد السوفياتي، هذا الحديث كان حوالي منتصف الليل بتوقيت موسكو.

وأخبرته بأنه أصلاً قد صدر بيان من بغداد لتعزيز ما قلت لك عليه، وقد بلّغت بغداد بذلك، وهذا شيء طبيعي في أن كل وزير خارجية عليه أن يبلّغ حكومته في كل ما تم التوصل إليه من اتفاق رغم صعوبة الاتصالات ببغداد في ذلك الوقت.

من قم قال: "نحن نريد منك أن تعلن التأييد".

قلت له: "أنا مستعد".

فقال غداً نلتقي صباحاً وتعقد مؤتمر صحفي في المقر الصحفي لوزارة الخارجية بعد أن نلتقي هناك".

فقلت له بأنني موافق.

وفي صباح اليوم التالي وبعد مراجعة شاملة سألته: "ماذا ستفعل الآن بعد أن أعلن غورباتشوف النقاط"، قال: "لقد بدأ غورباتشوف اتصالاته منذ ليل أمس وصباح اليوم مع بوش وأندريوتي وميتران وحسني مبارك وحافظ أسد ورفسنجاني الخ، يعني هو يقوم باتصالات للتهيئة لعقد اجتماع".

فقلت له: نحن وزراء خارجية ولنتكلم من هذا المنطلق، ما هي الخطوة التي ستقومون بها؟ هل ستدعون مجلس الأمن إلى اجتماع؟

قال بريماكوف: "هذا طبيعي، فسندعو مجلس الأمن ونضع أمامه الخطة لكي تصدر بقرار من مجلس الأمن".

قلت هذا هو المطلوب.

بعد ذلك ذهبنا إلى المركز الصحفي وأدليت بتصريح صحفي مختصر، واضح، لكي لا يكون هناك أي التباس أو أخذ ورد، قلت فيه: "إنني وباسم الحكومة العراقية أصادق لصورة لا لبس فيها على الاقتراحات التي طرحها الرئيس السوفياتي غورباتشوف يوم أمس ونحن نتبناها". فقط، وبعد ذلك طلبت أن ألتقي  الرئيس غورباتشوف، قالوا أنه مشغول ويتابع عمله، ولا أذكر على وجه الدقة إذا أنا أو هم طلبوا أن أتحدث معه بالهاتف فوافقت، وفي مقر إقامتي قالوا لي أن الرئيس يريدك على التلفون، فتحدثت معه من خلال مترجم، قال غورباتشوف بأنه علم بأنني عملت مؤتمر صحفي وصادقت فيه على خطتي وهذا شيء جيد يا رفيق عزيز، وأنا أواصل اتصالاتي"، وقال بأنه اتصل بـ"بوش" وميتران وأندريوتي وعدّد الاتصالات التي أجراها، كما قال لي بسمرتنخ، فقلت له إذا كان مطلوب مني أن أقوم بأي عمل آخر، فأجابني بالنفي وبأنني أقدر أن أعود إلى بغداد، وطلب أن أبلّغ الرئيس صدام حسين سلاماته، وهكذا كان.

من ثم استقليت الطائرة إلى عمّان وكان ذلك في شهر رمضان المبارك وبعد فترة قصيرة من وصولي أبلغت جلالة الملك حسين بما جرى معي في موسكو خلال لقاء مع جلالته، وفي اليوم التالي على أساس أنه يجب أن أستيقظ في الساعة الرابعة صباحاً لكي يرتب الأخوة الأردنيين سفري بواسطة طائرة إلى مكار قريب من الحدود ومن هناك نذهب بالسيارة إلى بغداد، لأنه يفضّل السفر في مثل هذه الظروف مع وجه الصبح.

ولدى استيقاظي شاهدت الشباب جالسين في صالون البيت الذي كنت فيه فسألت عن السبب قائلاً (خير إن شاء الله) قالوا لقد ابتدأت الحرب البرية، فتحنا التلفزيون على الـ"سي أن أن" وشاهدنا بأنهم قاموا بالحرب البرية وأنهم لم يهتموا أو يسألوا بالنقاط التي تحدّث إليهم بها غورباتشوف، وحتى لم يناقشوه بها، ولم يطلبوا منه إرسال وزير خارجيته لكي يبحثوا بموضوع النقاط لكي يقللوها أو يعدّلوها أو يزيدوها أو غير ذلك، فهذه الفضيحة لكي يغطيها بريماكوف أصدر كتابه واتهم طارق عزيز بأنه غير مخوّل من القيادة العراقية!.

هنا أقول (معليش)، ولكن أنت رئيسك الذي عمل بياناً من سبع نقاط، بالأساس من الذي تعامل معه؟ ومن الذي وضع هذه النقاط ووافق عليها؟ على أية حال أنا أفهم بريماكوف جيداً لأننا نعرفه منذ فترة طويلة، وهو يخدم غورباتشوف بشكل معروف، والقصد مما عمله هو التغطية على هذه القصة التي لا يوجد لها مثيل في أسلوب التعامل بين الدول الكبرى على الأقل حتى ذلك الوقت الذي كان مازال فيه الاتحاد السوفياتي يسمى "دولة كبرى"!.

 

صراع القوى الوطنية والقومية فيما بينها أضعفها

وقد قلت وبشكل واضح وصريح لا لبس فيه، أننا كلنا أخطأنا في اعتبار أن الأنظمة في الخليج العربي جزء من الأسرة العربية، وهي لم تكن كذلك، لأن هذه أنظمة عميلة أقامها الاستعمار الغربي البريطاني، الذي كان مهيمناً على المنطقة ثم تولتها أمريكا فيما بعد، لذلك نحن نعترف بأننا أخطأنا، وكذلك غيرنا أخطأ في التعامل مع هذه الأنظمة، وهنا لابد أن نقول بأن أحد الأسباب التي دفعتنا جميعاً إلى الخطأ في التعامل مع هذه الأنظمة هو الصراعات غير الموضوعية بين القوى الوطنية والقومية العربية، إن هذه القوى الوطنية ولقومية العربية أضعفت نفسها كثيراً في صراعاتها فيما بينها، وخسرت في هذه الصراعات معنوياً ومادياً أكثر مما خسرته في صراعها مع الامبريالية والصهيونية، هذه حقيقة ثابتة واستنتاج موضوعي، وهذا يدعونا إلى أن نغيّر تغييراً حاسماً في منهج الصراع والتنافس غير الموضوعي بين القوى الوطنية والقومية العربية، مما يستوجب فعلاً على القوى الوطنية والقومية العربية أن تتوحد بشكل أو بآخر، وأن تتجنب الصراع والمنافسة غير الموضوعية والسخيفة التي أشغلتها لسنوات طويلة وأضعفتها ومكّنت القوى الرجعية المرتبطة بالامبريالية وبالاستعمار من أن تبقى، ومن أن تلعب هذا الدور الخياني الذي سبق وأن لعبته كما ذكرت أنت وفي المعركة الأخيرة.

 

القدريين يستسلمون وأمريكا ستنتهي بأسرع مما يتصور البعض

أما بالنسبة للنفط وللوضع الاقتصادي، وهل يمكن أن تقبل الدول الصناعية الأوروبية بالهيمنة الأمريكية على منابع النفط، وهل يمكن أن تعود علاقاتنا معهم؟

هناك صراع خفي بين هذه الدول الاستعمارية للسيطرة على منابع النفط في المنطقة، وأن الصراع بين هذه الدول متشابك في المصالح ومتشابك في الأهداف، وإن لم يكن ظاهراً وبوضوح الآن ولكن بالنسبة لنا هو واضح ولابد أن يظهر في المستقبل للعلن، ونحن حتى الآن دورنا هو دور المستضعف، بمعنى أننا نتلقى الهجوم لنحتويه من قبل الآخرين، حتى أن الذين كان يمكن أن يستفيدوا من استقلالنا مع الأسف ساهموا في إضعاف هذا الاستقلال لأنهم في هذه المرحلة لا يستطيعون أن يسفروا عن كامل برنامجهم المستقبلي، خشية من الهيمنة الأمريكية، لذلك اشتركوا في الجريمة ضدنا، لكن احتمالات أن تنشأ علاقات بيننا وبينهم في المستقبل فهي احتمالات موضوعية.

وبالنسبة لدور أميركا فهل سيطول في المنطقة وعن توقعاتنا، في العصر القديم وحتى منتصف هذا القرن أي حتى قيام الحرب العالمية الثانية، فإن الأدوار التي لعبتها الدول الاستعمارية الرئيسية في ذلك الوقت وفي الوقت الذي سبقه يعني بريطانيا وفرنسا وهولندا والبرتغال وغيرهم استمرت لعدة قرون، فبريطانيا استمرت لعدة قرون وهي قوة استعمارية مهيمنة على أجزاء كثيرة من العالم وكذلك فرنسا وهولندا في بغض البلدان والبرتغال كذلك، أما الآن فإن العالم أكثر ديناميكية والمتغيرات فيه أسرع، لذلك لا أتوقع بأن الهيمنة الأميركية ستمتد لقرون، ونحن مناضلين والمناضل والمفكر السياسي يتعامل مع المستقبل القريب، ونحن أيضاً نقرأ التاريخ ونعرف حركته لذلك أنا متفائل، وإلا أنا ما كنت لأتحدث في هذا المستوى، ربما قد تمتد لبضع سنوات، نعم، لأنها هي في مرحلة زخم مثل ما يسمونه (مومنتو) وهم يريدون أن يطوّلوا به وأن يرعبوا الناس حتى تقبل وتستسلم وترضخ لأمر واقع آني، فإذا حصلت مقاومة هنا أو هناك فإن ذلك يعطّل من هذا الزخم ويقصّر من هذه المدة، ولذلك لا يجب أن نعتمد فقط على عوامل التحلل الذاتية داخل الولايات المتحدة للتخلص من البرنامج الأمريكي للهيمنة، هذه قدرية واستسلام للقدر، والقدريين يستسلمون لذلك، وينتظرون حتى تتحلل أميركا من داخلها وبعدها يرفعون رؤوسهم مجدداً، (لأ) يجب أن نناضل لكي نضعف هذا الدور الأميركي ونشجّع النضال في ساحات أخرى من العالم ونستغل إلى ابعد مدى عوامل الضعف داخل الولايات المتحدة، لذلك أقول أنا متفائل في المستقبل الذي قد يطول أو يقصر لسنة أو سنتين أكثر، لخمس سنوات أقل أو أكثر فهذا غير مهم بالمعنى التاريخي، وقد يكون مهماً بالنسبة لبعض الأفراد لظروفهم الصعبة المعاشية، نعم، ولكن ذلك غير أساسي بالنسبة للمسيرة التاريخية، ونحن يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن مسيرة النضال العربي هي مسيرة متجددة، بمعنى أنه عندما أشعر أنا بأن سني ووضعي الصحي لم يعد يسمح لي بمواصلة النضال، فإن ذلك لا يعني بأن التاريخ قد انتهى، بل هناك من سيأتي بعدي، وبعده غيره ليواصل هذه المسيرة، وهذا ما فعلناه نحن في جيلنا وما فعله الجيل الذي سبقنا، لذلك أعتقد بأنه علينا أن نصرّ على أن لا نستسلم وعلينا أن نواصل العمل والنضال.

 

أما عن موقف الأقطار العربية التي ادعت الحياد أو لم تساند العراق، فقد قلنا لهم ليس بصيغة الاتهام والعتب، ولكن بصيغة الوصف للحالة التي كنا نعيشها ونوهنا إلى مخاطر ذلك، بعض الناس في السياسة يتصوّر بأنه عندما لا يأخذ موقفاً معلناً وواضح، عندما يتعرّض شقيقه إلى أذى فهو يمكن أن يتجنّب شيئاً من الأذى، وهذا تقدير ثبت بأنه علمياً غير صحيح، فأنت لا يمكن أن تبعد عنك الأذى عندما تتخذ موقفاً من حليفك الموضوعي، والشقيق هو ليس هو شقيق تربطه رابطة الدم، ولكن ما يؤذي العراق سيؤذي أي قطر عربي لآخر لا يزال يتمتع باستقلاله، وليس الأنظمة السائرة في ركاب المخطط الأميركي، وهذا ما حصل مع الأسف فإن بعض الأخوة تصوروا بأنه إذا قللوا من الإسفار والإعلان عن تأييدهم للعراق وتضامنهم معه وتنسيقهم معه، ممكن أن يجنّبهم شيئاً من الأذى، والآن هم أدرى بالنتائج، ونحن في إطار عائلة واحدة وليس بصيغة الاتهام والعتب كما قلت لابد أن نعيد التحليل والنظر، وأعتقد بأن الاستنتاج الذي توصلت إليه من أن هذا الضعف الناتج عن عدم التنسيق لم يجنّب أي واحد من هذه الأطراف مزيداً من الأذى ومن الضغط من قبل أميركا وحلفاءها، بل على العكس فإن ذلك شجعهم على المزيد من الضغط والمزيد من إلحاق الأذى ويشجعهم على إثارة الفتن والمشاكل الداخلية للبلدان العربية.

 

المبادرة الفرنسية

وبخصوص المبادرة الفرنسية فإن الكثير من الأشقاء العرب والأصدقاء الأجانب قد طرحوا علينا هذا السؤال، لذلك أقول بأن المبادرة الفرنسية أو بالأحرى ما سمي بالمبادرة الفرنسية التي بدأت بخطاب الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران يوم 26 أيلول (سبتمبر) 1990 في الجمعية العامة، وقد قال على ما أذكر "أن على العراق أن يعلن عن نيته في الانسحاب من الكويت وكل شيء ممكن"، هذا كلام جيد وجديد سمعناه ويختلف عن اللهجة التي كان يتحدث بها بوش ومارغريت تاتشر التي كانت لا تزال رئيسة وزراء بريطانيا، من جهتنا نحن وعلى أعلى المستويات وبتصريح للرئيس صدام حسين قلنا أننا نجد في مبادرة الرئيس ميتران جانباً إيجابياً، ونحن مستعدين لمتابعة البحث والمناقشة حوله، وقلنا للفرنسيين أنتم طرحتم فكرة مبادرة تعالوا لنجلس ونبحثها، قالوا (لأ) يجب عليكم أن تعلنوا أولاً عن نيتكم بالانسحاب من الكويت، فقلنا لهم أنتم قلتم بأنه إذا أعلن العراق انسحابه من الكويت فإن كل شيء ممكناً، نريد منكم أن نعرف ما هو هذا الشيء الممكناً؟ قالوا (لأ) نحن نشترط بأن تعلنوا أولاً ومن ثم نتحدث، قلنا لهم آسفين لأن أي شخص يعمل في المجال السياسي والدبلوماسي يعرف بأن من يريد أن يقوم بالانسحاب من الكويت هو العراق الموجود فوق الأرض، وما نريد معرفته هو الشيء الموجود عند فرنسا لتعطينا إياه وهو الممكن الذي تحدث عنه الرئيس ميتران، وقد طلبنا لقاء مع ميتران قالوا لنا (ماكو) لقاء! وهذا الموقف استمر، وقد التقى مسؤولين دبلوماسيين فرنسيين مع دبلوماسيين عراقيين في عدد من العواصم الغربية، وكلهم قالوا بأنهم يلتقون بعلم الرئيس ميتران الذي يطلب كذا، ومن جانبنا نقول لهم هذا جيد، نحن مستعدون، ولكن أنتم ماذا ستفعلون؟ فيقدمون خطوط عريضة جداً، وعندما يصلنا التقرير من دبلوماسيينا وندرسه نقول هذا جيد والخطوط هذه ملائمة للبحث من الناحية المبدئية، ونحبر الفرنسيين بأن هذا المسؤول العراقي الذي تقابلونه لا يقدر على الدخول معكم بتفاوض بمستوى الأخذ والعطاء، وأن هذا النوع من البحث يتطلب كحد أدنى أن يكون المفاوض العراقي بمستوى وزير الخارجية والمفاوض الفرنسي ليس بمستوى مستشار أو محسوب على الرئيس ميتران، وإنما شخص من مطبخ ميتران في القرار السياسي، ونحن مستعدون أن نختار من عندنا من مطبخ القرار ويتبادلوا الآراء والمواقف، وفيما بعد يقومون بالتلخيص الأولي بحيث يعرض على الرئيس صدام حسين وعلى الرئيس ميتران ويعطوا توجيهاتهم حولها، عندها ممكن أن نصل إلى الاتفاق، بهذا الشكل تصير السياسة وهذه هي أصول السياسة والدبلوماسية.

يجيبوننا بأنهم آسفين، عير مستعدين لإرسال أي شخص إلى بغداد، وغير مستعدين أن يستقبلوا أي مسؤول سياسي عراقي في باريس! وقد طلبنا أن نلتقي في عاصمة ثالثة، قالوا أيضاً هذا غير وارد؟ طيب كيف سنتفاهم؟ هل بالمراسلة؟ هل يمكن أن يكون ذلك في هذه القضية الكبيرة جداً على مستوى سفير من جانب العراق وعلى مستوى مستشار من الجانب الفرنسي؟!

من ثم إن صراعنا الأساسي أساساً ليس مع فرنسا، إن صراعنا الأساسي كان مع أميركا، ومهما توصلنا مع فرنسا من اتفاق معها فأنها يجب أن تأخذ هذا الاتفاق، مثلما يقال في السياسة الرائجة الآن و(تسوقّه) في أميركا، وقد (يسوّق) وقد لا (يسوّق)، فقط المطلوب مني أن أقدّم كل شيء لأنني أنا الطرف القادر على العطاء من الجانب الآخر للصراع، والطرف الثاني من الصراع فرنسا هي ليست جزء منه وليست رأسه، لذلك كل ما قيل عن المبادرة الفرنسية هو نفاق، نفاق فرنسي، لكي تظهر أمام العالم وأمام العرب بأنها هي حاولت أن تقوم بشيء، ولكنها لم تحاول جدياً.

 

(ميشيل فوزيل) يمثل الرئيس ميتران، (ميشيل فوزيل) لا يمثل الرئيس ميتران

آخر شخص جاءنا من فرنسا هو (ميشيل فوزيل) الذي هو رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الفرنسي، وكان الناطق الرسمي بالإليزيه، وقد وصلتنا برقية تقول بأنه يريد أن يأتي إلى بغداد قلنا أهلاً وسهلاً، ، خير إن شاء الله يريد أن يأتي إلى بغداد نحن مستعدين بأن نستقبله، وقد عرضنا الأمر على السيد الرئيس وطلب مني أن ألتقيه شخصياً، جاء (فوزيل) والتقيت به وقال لي أنه لا يمثل الحكومة الفرنسية، ونريد أن نتحدث قلت له خير وقد تحدث كثيراً ومطولاً وكان معه لائحة مطالب يريد عنها إجابات ملزمة للدولة العراقية.

قلت له (مسيو فوزيل) أنت دبلوماسي وسياسي، وأنا كوزير خارجية بلدي وتطرح عليّ أسئلة المطلوب فيها أن أقدّم شيئاً باسم الحكومة العراقية، وأنت تقول بأنك لا تمثّل الحكومة الفرنسية، فلا يوجد شيء بالدبلوماسية أو بالسياسة يضطرني بأن أجاوبك بأننا سننسحب أو لا ننسحب، ومتى ننسحب، وما هي شروطنا ومطاليبنا، وما نقبل به وما لا نقبل به، وأنت تقول لي بأنك لا تمثل شيء، ولكنني سأتكلم بشكل عام عن موقفنا لأنك أنت تحدثت بشكل عام أيضاً عن موقف بلدك، وفهمك لما يجري، وأن هذه الزيارة تبقى مفيدة بحيث يتعمق التفاهم، ولكن أن أجيب على أسئلتك فهذا غير وارد الآن، وليأتي (رولان دوما) عندها أجاوبه عليها، ومقابل أجوبتي أطلب منه إجابات على أسئلتي، لأنك أنت غير قادر على الإجابة لأنك لا تمثّل الحكومة الفرنسية كما قلت، فطلب أن يلتقي الرئيس صدام حسين، قلت له سأرفع ذلك للسيد الرئيس، عندها ذهبت للسيد الرئيس وأخبرته بما جرى وبكل ما قاله، وتمنيت على الرئيس أن يتقيه بالرغم من مشاغله الكثيرة، وقلت أيضاً للرئيس بأن (فوزيل) هو قريب من الرئيس ميتران، وبأنها فرصة ليسمع منك مباشرة كل شيء، فوافق الرئيس على ذلك، وعندما التقى الرئيس صدام حسين به قال (فوزيل) بأنه يمثّل ميتران شخصياً، فقال السيد الرئيس هذا شيء جيد، وتابع (فوزيل) يقول بأنه غير مستعد أن يلتزم بأي شيء نيابة عن ميتران،.

طيب، هذه المرة التقى برئيس الدولة ويقول له هذا الكلام، هو هنا يمثل ميتران بالأسئلة التي يطرحها فقط، ولكن لا يمثّل ميتران بالإجابات التي ينبغي على ميتران أن يقدمها للرئيس صدام حسين، فما هي هذه اللعبة؟ وقد تم اجتماع الرئيس به حوالي الثلاث ساعات، ولو كان اللقاء مع الرئيس ميتران لكان الوضع يختلف، حيث يكون هناك طرح أسئلة ونقاشات، بمعنى أنت تقوم بهذه الخطوة، وأنا أقوم بهذه الخطوة الخ.. مثلما فعلنا مع غورباتشوف ومن ثم غورباتشوف لم يقدر أن ينفّذ الاتفاق، أما (يجينا) واحد هو مخوّل وعير مخوّل، وعنده استعداد لأن يسأل كل الأسئلة، ويضع كل المطالب على الطاولة، وبذات الوقت هو غير قادر على أن يعطي جواب على طلب واحد من الطلبات العراقية، فهذه لا تعتبر مبادرة.

ومن يقول أن الفرنسيين كان عندهم مبادرة، فهذا تعبير غير صحيح، الفرنسيين لم يكن عندهم مبادرة، بل كان عندهم كلام، مناورة، أي شيء ممكن أن يقال إلا مبادرة فذلك غير صحيح أبداً.

أنا شخصياً التقيت بـ(كلود شيسون) لقاء سري في تونس نظمه الأخ أبو عمار و(كلود شيسون) كان وزير خارجية وكنا زملاء وعلاقاتنا كانت جيدة، استغربت منه كلمة قالها في اللقاء وهي "أننا لم نطلع على خطاب ميتران"!! فقلت له: كيف ذلك! نحن اطلعنا عليه كما أنه أعلن عبر وسائل الإعلام! على أية حال، أنت كزير للخارجية تعرف أنه كي يتم تفعيل مثل هذه المبادرة أو الطرح يجب أن يجتمع وزراء خارجية البلدين لكي يبحثوا بالممكن من أجل إنجاح المبادرة والتزامات كل من البلدين، بمعنى ماذا يمكن أن يقدمه العراق وما هو الممكن أن تقدمه فرنسا، فقال أنه موافق على هذا الطرح تماماً، فاقترحت عليه أن يذهب إلى (ربعه) - الجهات الرسمية المختصة في فرنسا - ويطلب منهم المجيء إلى بغداد لنلتقي ونبحث في التفاصيل، وسألته لماذا لا يأتي (رولان دوما) إلى بغداد؟ لماذا لا أذهب أنا إلى باريس؟ فقد كانت هناك زيارات متبادلة بيننا لمئات المرات، وليقل أو يعلن أنه قادم إلى بغداد في سبيل استكشاف الآفاق أو الأجواء الدبلوماسية، وفي حال تم الاتفاق نعلن عن ذلك، وفي حال كان هناك تعسر له الحق عندها أن يقول للعالم عن حقيقة ما جرى وما أدى إلى تعسر المباحثات، فذهب (كلود شيسون) ولم نسمع منه شيئاً، لذلك أكرر أنه لم تكن هناك بالأساس مبادرة فرنسية.

 

الفكر القومي العربي لم ولن يموت

أما بالنسبة لسؤالك هل أعتقد بأن فكرة القومية العربية قد فشلت في تحقيق الوحدة العربية؟ فأنا أعتقد بأن كل الذين دعوا للوحدة العربية أفراداً وحركاتاً وأحزاباً، كانوا يعرفون مسبقاً بأن هذه المهمة طويلة وشاقة جداً، وتتعرض إلى تآمر أكثر بكثير مما تتعرض له أية محاولة للوحدة في العالم، لأسباب عديدة أشرت لها مسبقاً، وهي السبب الحضاري والروحي، وماذا تعني وحدة الأقطار العربية للغرب، والسبب الاستراتيجي، والسبب الاقتصادي، فالوحدة الصينية مثلاً ممكن أن تقف أميركا ضدها واليابان أيضاً نقف ضدها، ولكن الوحدة العربية تقف ضدها أميركا وبريطانيا وفرنسا واسبانيا وايطاليا واليابان وإخطبوط عالمي أكثر بكثير مما تتوقع أو يتوقع أي باحث ومناضل والأهم والأخطر هنا هو الإخطبوط الصهيوني الذي لا يوجد  له مثيلاً في تاريخ البشرية، لا يوجد تنظيم تآمري حاقد ويمتلك إمكانيات كبيرة كالتنظيم الصهيوني الذي يعمل ليل نهار ضد الوحدة العربية وبطرق مختلفة شتى منها ما هو معروف ومنها ما هو مستجد أو يستجد دائماً.

من هنا فإن فكرة القومية العربية وتطبيقاتها تواجه قوى كبيرة جداً، وأنه من الطبيعي أن يكون الصراع مع هذه القوى وبشكل يومي تقريباً صراعاً عنيفاً ومستمراً لمنع تقدم الأمة وتحقيق وحدتها، بمعنى ما يجعل تحقيق أهداف وفكرة القومية العربية ليست سهلة أو بالسهولة التي حققتها أمم أخرى، والوطن العربي كان ولازال مع الأسف جاهز للتقسيم إلى أكثر من عشرين ولاية على رأس كل منها مهراجا أو أمير، وممكن أن تكون دولة أكبر خمسين مرة من (قطر) وقسم آخر أكبر بمئة مرة، فلماذا لم يقسّم الإنكليز دول أخرى استعمروها وفيها أجناس ولغات وأديان وآلهة مختلفة؟! بينما نحن العرب عندنا دين واحد، وإله واحد، بمعنى دين الأغلبية والذي لا خلاف ولا جدل حوله، وكذلك لغة واحدة، فلماذا فعل الإنكليز ذلك في بلادنا؟!

لنلقي نظرة على الهند مثلاً، فقد قسّموها دولتين كبيرتين هما الهند والباكستان وقد اعتبر الوحدويون الهنود وقتها أن ذلك أكبر كارثة تحل ببلادهم وبالأمة الهندية، ومؤخراً صارت ثلاث دول حيث برزت دولة بنغلادش، وهذه منطقة الحليج العربي كلها التي من الممكن أن تصير قائمقامية من الهند، فإذاً هناك تآمر وقوى موضوعة أمامك ضد الوحدة العربية، لكن مهما حصل من إخفاقات في الفكرة القومية وفي الفكر الوحدوي العربي بعد هذه المعركة الطاحنة التي حصلت بيننا وبين القوى الامبريالية بقيادة أميركا في أم المعارك حيث تصوّر أعداء الفكرة القومية بأنه قد قضي علينا كعرب، ولا بد أن أشير هنا إلى أنه لن تكون هذه المعركة الأخيرة مع الامبريالية والاستعمار بل ستكون هناك معارك قادمة بطريقة أو بأخرى عسكرية واقتصادية وثقافية وعلى مختلف الصعد، ربما ينتج عنها محاولات سايس-بيكو جديدة، وأشير هنا أيضاً إلى مؤتمر القوى الشعبية العربية وأنت كعضو في هذا المؤتمر ولك مركزك وخبرتك في هذا المجال وعلى الرغم من كل اللقاءات التي تمت بين أعضاء المؤتمر حتى الآن إن في بغداد أو في عواصم أقطار عربية أخرى إنما تدل على أن فكرة القومية العربية لم ولن تموت، وأن هذا الحشد الكبير الذي يشارك فيه من موريتانيا ومن تونس ومن اليمن ومن الجزائر ومن ارتيريا ومن لبنان ومن مصر ومن السودان ومن فلسطين ومن الأردن ومن كل الأقطار العربية الأخرى حيث يتبادل الجميع الآراء ويبثون همومهم ويعبّروا عن أملهم بالمستقبل العربي المنشود والذي لم نقدر نحن هذا الجيل على تحقيقه سيحققه الجيل الذي بعدنا، من هنا أقول بأن فكرة القومية العربية ليست خاطئة، وربما نحن ارتكبنا أخطاء وهذا يعني أن الحركات القومية قد ارتكبت أخطاء، ولكن هذه الأخطاء لا تحسب على جوهر الفكر بشكل عام.

 

العداء بين السيد الرئيس وبين بوش

وعن العداء بين بوش وبين السيد الرئيس صدام حسين، أولاً نحن من جانبنا لا يوجد عندنا شيء شخصي، من جانبنا على الأقل، وأصلاً هما لم يلتقيا ولا مرة واحدة، ولا متعاملين مع بعضهما، ربما هذه التساؤلات تطرح في الصراعات العربية، ويقال بأن هذا الرئيس لا يحب الرئيس الفلاني، وهذا عنده ثأر مع الرئيس الفلاني، ولو أن هذا فيه مبالغة، ولكن مع الرئيس الأميركي لا يوجد أحد عندنا لديه تجربة شخصية معه، باستثناء أنني قابلته مرة واحدة حيث ذهبت لمقابلة ريغن في عام 1984 لإعادة العلاقات بين العراق والولايات المتحدة فأخذوني إلى مكتب بوش وقالوا لي أول مرة يجب أن تقابل بوش باعتباره نائب الرئيس ريغن، وقد تحدثنا بحديث اعتيادي ودي جداً لأننا في مجال إعادة العلاقات، ومن ثم ذهبنا إلى مكتب ريغن، وقد حضر بوش ذلك اللقاء إلى جانب ريغن بصفته نائبه، هذا هو الشخص العراقي الوحيد الذي قابل بوش، فما هو الشيء الشخصي بيننا كي نعادي أميركا؟

ومن جهة أخرى أن العراق لم يقم بعمل مباشر في أي وقت من الأوقات لإيذاء الولايات المتحدة كدولة، صحيح أن برنامجنا الكامل هو يهدد المصالح الأميركية غير المشروعة والامبريالية في المنطقة العربية، لكن العراق لم يرتكب أخطاء أو عمل ضد الشعب الأميركي، بل على العكس من ذلك فإن سياستنا كانت سياسة متوازنة وعقلانية في هذا الجانب، لكن إذا اعتبر الأميركان أن برنامجنا الوطني والقومي تهديداً لهم في هذا الجانب أو ذاك فهم أحرار بذلك، لأن البرنامج الذي لدينا هو برنامج لصالح العراق ولصالح الأمة العربية، نتقدم نتطور علمياً وتكنولوجياً، ونسيطر على ثروتنا ونستثمرها لصالح شعبنا وأمتنا، هذه خطوط برنامجنا، هذا هو الذي يعتبرونه تهديداً لأميركا، وليكن ذلك فنحن لن نتراجع عن برنامجنا، ولن نعتذر عنه.

لكن عملاً عراقياً خاصاً يهدد أمن أميركا، بمعنى ما سمي في حينها بالإرهاب أو إيذاء متعمد من قبل القيادة والحكومة أو الأجهزة العراقية وعلى مختلف مستوياتها ضد أميركا فهذا لم يحصل على الأقل في عهد الرئيس صدام حسين وهو رئيس للدولة.

وعلى العكس من ذلك تماماً فإن الرئيس بوش قد ارتكب جريمة كبيرة بحق الأمة العربية وبحق العراق بالذات، والعراقيين يعرفون هذا الشيء، لأنه خلال 42 يوماً لم يكن يقصف فقط الجيش العراقي ومعسكراته والمصانع التابعة للتصنيع العسكري، بل كان القصف يطال كل مكان، البيوت الآمنة، الأطفال والنساء والشيوخ العجائز من أبناء العراق الذين كانوا يتراكضون من بيت إلى بيت ومن شارع إلى شارع لتجنب القصف العشوائي، إضافة إلى قصف المصانع والكهرباء والتلفونات والجسور والكنيسة والجامع وكافة المنشآت والبنى التحتية، العراقيين عايشوا هذه الفترة، من ثم انتهت الحرب العسكرية، والنظام باق، وبوش يعرف هو وحلفاءه من العرب وغير العرب بأنه عندما يبقى هذا النظام وعناصره فأنه سيقوم بفضح جرائمهم، وكل ما يطلع (س) من الناس، وزيراً للخارجية أو وزير إعلام أو عضو برلمان أو صحفي وغير ذلك وفي أي مكان فأنهم سيقولون للعالم أجمع تعالوا شوفوا الأميركان ماذا فعلوا بنا!..

هذا ما يخيفهم، لذلك لن يسكتوا على ذلك بل سيزيدون إمعاناً في تدمير العراق كما يتصورون من خلال الحصار الجائر وما يمت إليه بصلة.

وقد قالوا بأنهم ينفذون قرار أمم متحدة لإخراج الجيش العراقي من الكويت، وأن هذا قرار دولي على حد قولهم! ولكن الأسئلة التي يجب أن تطرح هنا هي ما هي علاقة الكنيسة التي قصفوها في الموصل، والجوامع في بغداد، وما هي علاقة ملجأ العامرية، وما هي علاقة معمل حليب الأطفال والجسور وباقي المصانع المدنية والمصانع التي تنتج الأدوية وغير ذلك من البنى التحتية للشعب العراقي بما يجري في الكويت وبتنفيذ قرار الأمم المتحدة! وهل الجيش العراقي موجوداً في هذه المناطق التي قصفوها؟ ولماذا كل هذا التدمير الذي طال الشواهد التاريخية والأثرية والفنية والثقافية والمتاحف والمكتبات، كما أنه أثر على معيشة الشعب العراقي وعلى ممتلكاته الخاصة كمواطنين وكدولة وكمجتمع؟! عندها لابد أن يقول الناس والله لا يوجد مع الأميركان حق وبوش ارتكب جريمة بشعة بحق العراق، غهو لكي يغطي على هذه الجريمة، ولكي يغطي على حلفائه وهم حتى يغطون على جريمته لا يريدون أن يشاهدوننا كلنا، والآن يقول بوش بأنه لا يريد صدام حسين، فهو يعتقد بأننا سنوافقه على رأيه، وهو (على باله) أن يضحك علينا ويقول لنا أن المشكلة هي في وجود صدام حسين وأنه نحن ما علينا شيء، وهو بذلك واهم.!

إن الرئيس الأميركي بوش ومن وراءه الإخطبوط الصهيوني يريد من وراء ذلك القضاء على الفكرة الوطنية والقومية العربية، وأنا كلي ثقة بأنه الآن مستعد أن يقول بأن الرئيس صدام حسين صار صديقي، إذا صار الرئيس صدام حسين (حاشاه) مثل فهد أو عبد الله أو مثل جابر أو غيرهم في الخليج العربي، ولكن المشكلة الأساس هنا أن بوش ضد النظام الوطني والقومي كله من الرئيس صدام حسين إلى الجندي الموجود بزاخو في شمالي العراق إلى الجندي الموجود في جنوبي العراق، بوش ضد كل طفل يرفع العلم العراقي بنجومه الثلاث المزينة بكلمة الله اكبر، بوش ضد كل فنان ورسام وشاعر وأديب ومطرب يغني للأمة العربية ويغني لفلسطين، وضد كل امرأة عندما ترى صور الانتفاضة الفلسطينية الباسلة على شاشة التلفزيون تطلع من عينها دمعة تعاطفاً مع الشعب الفلسطيني، يعني بوش ضد كل ما هو عراقي عربي وقومي، هذه لعبة وسخة ومكشوفة، والشعب العراقي كاشفها منذ أول يوم.

 

المؤامرة ضد الجيش العراقي

والشيء الآخر بهذا البلد وهو حقيقة وليس تفاخراً لم يحصل أن وقف شخصاً في العالم وقال بأننا لا نريد فلان والعراقيين فوراً يقولون له (يللا) خلينا نغيّر، حتى بالعهد الملكي عندما كان في نظام واقع تحت التأثير البريطاني لم تكن بريطانيا لتجرؤ على ممارسة هذا الدور من الوقاحة بحيث يطلع تصريح من رئيس وزراء بريطانيا ويقول (شيلو توفيق السويدي) من رئاسة الوزارة ويعلنون ذلك بالإذاعة ويعفى توفيق السويدي من منصبه مع علي جودت الأيوبي أو فاضل الجمالي، لم يحصل هذا أبداً، ومن الممكن أن يعملوها، ولكن من وراء الكواليس ويدفعون لنواب ليسحبوا الثقة أو يقنعوا عبد الإله ليأخذ القرار بحل الحكومة، كل ذلك ممكن، ولكن بهذا الشكل الوقح مثلما بفعل بوش فهذا مستحيل، والشعب العراقي لا يقبل لا من بوش ولا من أكبر من بوش - إذا كان هناك أكبر من بوش الآن بين الدول التي تسمى كبرى - لأننا لم نأت إلى الحكم بدبابة تابعة للجيش الأحمر أو على ظهر دبابة أمريكية، ومن ثم وضعونا بالقصر الجمهوري قالوا لنا تفضلوا هذه هي الوزارات!! نحن قمنا بالثورة من خلال تنظيمنا الحزبي، بتنظيمنا الشعبي، بتنظيمنا العسكري.

ومن جانب آخر نرى ونسمع أنهم يطلبون أن يقوم الجيش بانقلاب، فهل يعني ذلك أن الجيش مستورد! هذا الجيش أصبح له 23 سنة الآن، والملازم الذي تخرّج من الكلية العسكرية سنة 1968 أصبح الآن فريق، هذا الجيش متربي على المباديء الوطنية والقومية بقيادة صدام حسين، هذا الجيش الذي الوطني الذي يحيكون ضده وضد بلده وشعبه وأهله المؤامرات ليس جيشاً مستورداً أو جيش مرتزقة حتى يقول له بوش اذهب وقم بانقلاب وفوراً يلبي طلبه ويقوم بالانقلاب.

إن القصد من ذلك معروف وهو إزالة رمز الصمود والمقاومة القائد صدام حسين، وهذا ليس بجديد على الأمة العربية، فقد كان يقال أيضاً بمصر عبد الناصر، وكانوا يقولون عندما يذهب عبد الناصر هم مستعدين ليتعاونوا مع النظام الجديد، وقد جاء بعد عبد الناصر نائبه الذي لو بقي على ذات خطى عبد الناصر لكانوا تآمروا عليه مثلما تآمروا على هبد الناصر، لكت غيّر (ريّحهم) من عناء التغيير وأصبحت مثر عزيزة عليهم! ولكن ليست مصر الوطنية والقومية والتقدمية أقصد بذلك على صعيد النظام، فبعد أن توفي عبد الناصر رحمه الله وأطيح بالقوى الناصرية من السلطة، قالوا بأن عبد الناصر جوّع الشعب المصري بالاشتراكية! وأنه جوّع الشعب المصري وأرهقه بالمغامرات القومية في اليمن وفي الوحدة مع سوريا الخ! وأن مصر يجب أن تنصرف إلى شؤونها الداخلية، وأن تحسّن علاقاتها مع المحيط العربي ومع العالم، وأن توقف هذه المغامرات القومية الطائشة، الفاشلة، التي ارتكبها عبد الناصر، وأن تنصرف إلى البناء والرفاهية، فربطوها باتفاقيات اقتصادية دولية مع صندوق النقد والبنك الدوليين، وأنا قمت بزيارات عديدة لمصر في عهد عبد الناصر وفي زمن السادات وفي زمن العهد الحالي، أنا أعتقد ونتيجة ما نطالعه في الصحف المصرية وما عندنا من معلومات ومن مشاهدتي بأن المستوى المعيشي للشعب المصري في عهد عبد الناصر كان أفضل بكثير مما هو عليه الآن، هذه حقيقة موضوعية، يعني الفلاح المصري والعامل المصري والموظف المصري كان يأكل أفضل وكان يلبس أفضل ويسكن أفضل، أنا أتحدث هنا بالماديات التي يغروننا بها ويقولون لنا إذا ذهب صدام حسين ستأكلون (كيك) وهذا كذب، كذب، كذب، لقد ارتكبوا جريمتهم ونفذوها في مصر والآن مصر أفقر مما كانت عليه في عهد عبد الناصر، والفلاح المصري الآن يأكل أقل مما كان يأكل في عهد عبد الناصر، وكذلك العامل والموظف وهو في حالة الضنك.

فبوش يطالب الآن بصدام حسين ومن ثم يطلبون بالحزب وبعدها يطلبون الجيش ومن ثم بالصناعة وبالتقدم إلى أن يذهب العراق كله، لا إننا نفضّل أن يعيش العراق فترة ضنك، نعم، ولكن عندما يستعيد العراق كامل إرادته وكامل قدراته، فأنه يستعيدها كلها ويوظفها كلها من أجل رفاهية الشعب العراقي.

 

العلاقات مع أميركا

وحول تطبيع العلاقات مع أميركا نحن نقول بأنه ليس خطأ تطبيع العلاقات مع أميركا ومع غير أميركا، ولكن على أي أساس؟ أنا قلت هذا الكلام وأقوله مرة ثانية على أساس الاحترام المتبادل للسيادة، على أساس عدم التدخل في الشؤون الداخلية، على أساس عدم التآمر علينا الخ، فإذا هم يقبلون بهذه الأسس ويريدون إقامة علاقات طبيعية فليكن، لأننا لا نكره أمريكا لأن اسمها أمريكا أو لأن لونها أبيض أو شعر رجالها ونساءها أشقر، لا، نحن لا ننظر هكذا، ولو أن أميركا تقبل بالمصالح المشتركة، وتقبل بأن لا تصبح دولة امبريالية، يعني تصير مثل تايلاند لا تتآمر علينا وتحترم استقلالها وتحترم استقلالنا، ولكن هل أميركا تقبل بهذه المباديء؟ حتى لو قالت بأنها تقبل بذلك، طبعاً لأغراض الدبلوماسية والتضليل، وحتى لو كل الدول تقول بأنهم متمسكون بها فأنا لا أصدّق بأن الطبقة الرأسمالية المتحكمة هناك في أميركا تقبل بالمصالح المشتركة، فالمصالح المتبادلة تقول بأن النفط يكون بأيدينا ويكون سعره لا يتجاوز 30 دولاراً للبرميل، لأننا نشتري السيارة والكومبيوتر والأرز والقمح منهم بالسعر الذي هم يحددوه، فلماذا لا نحدد نحن سعر النفط؟ هذه هي المصالح المتبادلة، والأهم من كل ذلك أن أمريكا تدعم الكيان الصهيوني وتزوده بكل التكنولوجيا العسكرية للاعتداء على الأمة العربية وتحميه في الأمم المتحدة بالفيتو، وهذه واحدة من أهم المشاكل بيننا وبين أمريكا فهي ليست حيادية بل مع المحتل والغاصب للحقوق العربية، لذلك لا يريدوننا أن نتطور ولا يريدون شعبنا أن يصل إلى مستويات علمية عالية، وقد ظهر ذلك خلال بعد انتهاء الحرب الإيرانية-العراقية وتحدثنا عن ذلك كثيراً.

 

دور الجماهير العربية وقواها الحية

وحول دور الجماهير العربية وقواها الحية في الوطن العربي، فإن بعض الساحات في الأقطار العربية ساهمت مساهمة فعالة وملموسة جداً في معارك المصير المشترك وفي أم المعارك، وفي بعض الأقطار العربية الأخرى ساهمت كذلك ولكن ليس يعني ذلك أن القوى والحركات الشعبية العربية في هذه الأقطار أقل من غيرها حتى تلك التي لم تسمح لها الظروف بسبب السدود والموانع التي تضعها الأنظمة أمامها التي هي أكثر بكثير من طموح الجماهير، على كل حال ورغم كل شيء والحمد لله إن الشعور القومي يتعمّق يوماً بعد يوم، وفي أم المعارك وما يجري الآن من محاولات لتصفية القضية الفلسطينية، نلاحظ أن الشعور عند الوطنيين والقوميين العرب بأن مصيرهم واحد، ويجب أن يعملوا لتحقيق الأهداف القومية.

راجياً أن تكون قد حصلت على أجوبة لكل تساؤلاتك وإن يكن هناك بعض الأجوبة التي اختصرتها أرجو أن تكون أكثر وضوحاً في لقاءات أخرى، سلّم على الإخوان عندكم وعلى كل الأصدقاء الأستراليين.

 

وبعد أن شكرت الأستاذ طارق عزيز (أبو زياد) على سعة صدره ومنحي هذه الفرصة والوقت في الزمن الصعب الذي يمر به العراق وشعبه ودعته عائداً إلى عمان في رحلة كانت سهلة وميسّرة حيث كانت أفواج من السيارات المختلفة الأحجام للركاب والنقل العام والشاحنات الضخمة التي كانت تقل المواد الغذائية والطبية والخضار التي كانت تتوالى من محافظة الأنبار وكذلك من الأردن إلى بغداد، إضافة إلى شاحنات عراقية تقل النفط إلى مصاف عمان.

مع أبداء ملاحظة على ما ورد في الحوار وهي أنه يمكن أن يجد القاريء أن أجوبة الأستاذ طارق عزيز لم تكن كلها مترابطة وذلك بسبب طول فترة الحوار الذي امتد على مدى أيام غير متصلة إضافة إلى أن الأسئلة كانت غير مكتوبة وكان يقطعها اتصال هاتفي أو أمر مفاجيء مما يستدعي ذهاب الأستاذ طارق عزيز لبعض الوقت ومن ثم متابعة الحوار، والأهم أن أحد الأشرطة الصوتية وهو الأخير في لقائي مع الأستاذ طارق عزيز كان فيه الصوت ضعيف جدا بسبب انتهاء شحن البطارية لم أقدر أن أنقل منه نص كامل الحوار لما قاله أبو زياد، لذلك اقتضى التنويه.