مرّة أخرى: في البدء كان الفعل

د. محمد الزعبي - أكاديمي ووزير إعلام سابق من سوريا يقيم خالياً في ألمانيا

1

تعود رغبتي في معاودة الكتابة حول هذا الموضوع، الذي سبق ان كتبت حوله، وبنفس العنوان قبل أكثر من ثلاث سنوات إلى سببين اثنين، أولهما، هو ما عرفته وما سمعته وما قرأته من أن المعارضة السورية بمختلف فصائلها وعناصرها وأجنحتها تعيش هذه الأيام مأزقاً تنظيمياً وبنيوياً حاداً يمكن أن يصل بها إلى درجة "المأزق"، أما السبب الثاني، فهو شعوري بالتقصير - كمعارض مستقل - حيال عدد كبير من المناضلين الشرفاء (الذين كان وما يزال بعضهم من رفاقي وأصدقائي) الذين أوصلتهم مواقفهم الشريفة والشجاعة إلى غياهب السجون السورية، سواء أكان ذلك إبّان حكم حافظ الأسد قبل وفاته عام 2000م، أو إبان حكم وريثه غير الشرعي بشار الأسد منذ عام 2000م وحتى هذه اللحظة التي نرى فيها رؤى العين زج عشرات المناضلين من قيادات وعناصر "إعلان دمشق" في سجون النظام، وذلك بتهمة اقترافهم جرم المطالبة بالحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان للمواطن وللشعب العربي السوري، الواقع عنوة تحت هيمنة ديكتاتورية عائلة الأسد منذ أكثر من ثلاثة عقود!!.

2

إن الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء أزمة المعارضة السورية (الداخلية والخارجية) هي من وجهة نظر الكاتب التالية:

- إن ما يدخل الآن في إطار ما بات معروفا بـ "المعارضة السورية"، هو مجموعات سياسية، كانت جميعها، ربما باستثناء واحدة منها (الإخوان المسلمون) في السلطة في سورية، ولاسيما بعد الانفصال عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961م ثم خرجت منها على التتابع والتتالي، لتنتقل بذلك من ضفة السلطة إلى ضفة المعارضة.

- إن العلاقة بين قوى وعناصر هذه المعارضة، التي تكونت على النحو الذي اشرنا إليه أعلاه، ظلت مشحونة بجرثومة الشك بعضها في البعض الآخر الذي مارس عليها القهر والاضطهاد يوم كان هو في السلطة، وكانت هي في المعارضة.

- إن بعضا من العناصر والقوى، التي تدخل في إطار ما بات متعارف عليه في سورية بـ "الأقليات" يتهم (بضم الياء) من قبل من ينظرون إلى أنفسهم على أنهم يمثلون الغالبية الساحقة من الشعب العربي السوري (الأكثرية) على أنهم يضعون، عمليا ونظريا، رجلاً (بكسر الراء) مع المعارضة ورجلاً مع السلطة (التي هي بدورها سلطة أقلية)، الأمر الذي تسبب واقعيا في انقسام المعارضة السورية إلى قسمين، متوافقين ظاهرا، ويحمل كل منهما في داخله جرثومة الشك والحذر من الآخر باطنا.

- إن "الأقليات" في أي مجتمع من المجتمعات، عادة ما تخفي نواياها السلبية ضد الأكثرية بتبنيها لمبدئي

"العلمانية والمواطنة" المشروعين والمقبولين من كثير من القوى والمجموعات والعناصر السياسية والثقافية، وتتمسك السلطة السورية الحالية - بما هي سلطة أقلية - بهذين المبدأين الاجتماعيين الإيجابيين كغطاء سياسي وأيديولوجي لعدم مشروعيتها، ولمجيئها إلى سدة الحكم على أسنّة الحراب وليس عبر صندوق الاقتراع، وتقوم هذه السلطة الدكتاتورية منذ عام 1970 وحتى هذه اللحظة بتوجيه التهمة لكل مطالب بحقوق الإنسان والديموقراطية في سورية (عارف دليلة، رياض الترك، ورياض سيف، فداء الحوراني، كمال لبواني) - على سبيل المثال لا الحصر - على أنه يسعى إلى إثارة النعرات الطائفية في نظامها الوطني العلماني المتماسك (كذا!!) وبالتالي إلى الانقلاب على النظام وعلى الدستور (!!) متناسية أن الشعب العربي السوري لم ينس، ولا يمكن أن ينسى، كيف جاء ت عائلة الأسد إلى السلطة عام 1970، وكيف فصّلت هذه العائلة عام 1973 ثم عام 2000 الدستور السوري على مقاسها العائلي الخاص، والذي تنطوي المادة الثامنة فيه ضمنيا على تحويل سورية من جمهورية ديموقراطية إلى جمهورية عائلية وراثية.

- إن كثيرا من قوى وعناصر المعارضة السورية، تقول فوق الطاولة غير ما تمارسه تحتها، وذلك فيما يتعلق بالموقف من القانون (49) لعام 1981 الخاص بالحكم بالإعدام على كل من يثبت ارتباطه التنظيمي أو الأيديولوجي بجماعة (الإخوان المسلمين)، وبالتالي من الموقف العام من حركة (الإخوان المسلمين) وحقها الشرعي والديمقراطي وحتى العلماني في العودة من الشتات، وممارسة دورها الوطني والسياسي على أرض الوطن، وليس من المهاجر القريبة و/ أو البعيدة، ولاسيما بعد أن أعلنت هذه الحركة رسمياً التزامها واحترامها لمبادئ الديموقراطية، ونتائج صندوق الإقتراع أيا كانت هذه النتائج.

- إن الكاتب، لا يتردد أن يشير هنا إلى أن مواقف بعض الجماعات في المعارضة السورية، سواء في الداخل أو الخارج لا تختلف مواقفها - إلاّ من حيث الشكل - عن مواقف النظام السوري وسياساته الداخلية المعروفة، بل وفي سياساته الخارجية المتعلقة بهضبة الجولان وفلسطين والعراق ولبنان، والمعروفة هي أيضا، وهو ما يعتبر بنظرنا واحدا من أسباب تشرذم هذه المعارضة، وبالتالي من أسباب ضعفها وأزمتها الراهنة.

3

إن انقسام الجسم الأساسي للمعارضة السورية، بين المعارضة الداخلية المتمثلة بـ"إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي"، والمعارضة الخارجية المتمثلة بـ "جبهة الخلاص الوطني" إنما هو - بنظرنا - انقسام عبثي، يصب في محصلته النهائية في طاحونة نظام عائلة الأسد، وتقع مسؤوليته، وبالتالي مسؤولية تصحيحه على الطرفين المعنيين في آن واحد.

لقد أريق من الحبر طوال العقود الثلاثة الماضية بما فيه الكفاية، سواء في نقد النظام، أو في تقديم البيانات والمشاريع أو في عقد اللقاءات والمؤتمرات (ولاسيما في الخارج)، وحان الوقت للانتقال من النظر إلى العمل، ومن الغموض الهّدام إلى الوضوح البنّاء، ومن الانتقال من مرحلة النضا لـ"بالقوة" إلى مرحلة النضال "بالفعل" ولعل "مؤتمر

إعلان دمشق" الأخير، والذي أثار حفيظة النظام، ودفعه إلى ذلك السلوك الهمجي في اعتقال فداء الحوراني ورياض سيف وغيرهما من مناضلي "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي"، وضمهم إلى رفاقهم السابقين (عارف دليلة ورفاقه) يعتبر نقطة انطلاق المعارضة السورية من القول إلى الفعل، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن التشكيك بالآخر إلى قبوله والتعاون معه.

يذكر حنين بن اسحق، فيما ورد في كتاب عبد الرحمن بدوي "أفلاطون في الإسلام"، أنه كان على خاتم أفلاطون أن "تحريك الساكن أسهل من تسكين المتحرك" (دار الأندلس، 1980، ط 2، ص 293)، وإيمانا منا بهذه المقولة الأفلاطونية، نطالب كافة أطراف المعارضة السورية إلى أن تتوحد، وأن تعمل يدا بيد، وبالطرق السلمية المشروعة على تحريك هذا الوضع السياسي والاجتماعي والثقافي الساكن في سورية، وذلك على طريق إعادة الشعب السوري والجماهير العربية السورية إلى ساحة العمل والتأثير الوطني والقومي، وبالتالي إعادة الاعتبار الحقيقي للمواطن باعتباره يمثل الأساس العملي والواقعي لما دعاه أفلاطون "تحريك الساكن" ولما ندعوه نحن عملية التغير والتطور الاجتماعي، وأيضا لما جعلناه عنوانا لهذه المقالة والذي يشير بصورة أساسية إلى ضرورة وضع الحصان أمام العربية، بعد أن مضى من الزمن ما يكفي من وضع العربة أمام الحصان، نعم أنها لـ "كفاية".

الخميس 31 كانون الثاني 2008