"مجالس الصحوة" في العراق: بين القبيلة والطائفة
د. محمد احمد الزعبي - أكاديمي ووزير إعلام سوري سابق يقيم في ألمانيا
1
يقتضي المنهج العلمي في بحث الظواهر الاجتماعية، أن يقف الباحث على الأسباب / العوامل البعيدة والعميقة التي سمحت للظاهرة المعنية أن تظهر بعد أن لم تكن؟ ما هي المؤثرات الخارجية والداخلية التي ساعدت على تطورها ونموها إلى أن وصلت إلى ما هي عليه إبّان فترة البحث؟ ما هي الصورة المتوقعة لمستقبلها في ضوء ماضيها وحاضرها؟.
واسترشادا بالمنهج الجدلي، الذي هو المنهج العلمي الأساسي في فهم الظواهر الاجتماعية، والتي من بينها ظاهرة مجالس الصحوة التي نحن بصددها، فإن عوامل متعددة عادة ما تكون سببا لظهور هذه الظواهر، ولكن باستخدامنا ما ندعوه بـ "منهج الإحالة" (إحالة المهم إلى الأهم، والمنقطع إلى المتواصل، والمؤقت إلى الدائم (نسبيا على الأقل)، والفرع إلى الأصل، والعرضي (بفتح العين والراء) إلى الجوهري...) يمكن تحديد السبب أو الأسباب الأكثر جوهرية المسؤولة سواء عن وجود هذه الظاهرة و عن تطورها في هذا الإتجاه أو ذاك، ويمكن بالتالي التنبؤ بمستقبلها في ضوء ماضيها وحاضرها.
2
وبالنسبة لـ"مجالس الصحوة" التي ظهرت في ربيع 2006، فإنه لا يمكننا من منظور سوسيولوجي أن ننظر إليها كما لو كانت نبتة بريّة معزولة، بعيدة عن تاريخ العراق القديم والحديث، ولاسيما التاريخ الذي يبدأ بهولاكو، وينتهي بجورج بوش وطوني بلير، مرورا بسقوط الخلافة العباسية وتقاسم الإمبراطورية الإسلامية بين الفرس والترك والعرب، و"بسايكس بيكو"، وثورة العشرين، وسقوط النظام الملكي الهاشمي 1958 (عبد الكريم قاسم)، ووصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة بقيادة صدام حسين عام 1968، واستمراره فيها حتى التاسع من أبريل عام 2003، عندما أطاحت القوات الأنغلو- أمريكية الغازية وبالتعاون مع بعض العملاء بنظام صدام حسين، ودمرت معه دولة العراق بكل أبعادها التاريخية والجغرافية والهيكلية، لتدخل هذا البلد العربي فيما دعته " الفوضى الخلاّقة "!! وذلك على طريق تكوين عراق هجين (غريب الوجه واليد واللسان) يطيب لهم أن يطلقوا عليه اسم "العراق الجديد"!!.
3
إن ما حملنا على القول أن مجالس الصحوة لم تكن نبتاً بريًا معزولاً، لا على أساس الماضي ولا على أساس الحاضر، هو أن
مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، القريبة والبعيدة، المباشرة وغير المباشرة، الظاهرة والمضمرة، تقف وراء كل ما جرى ويجري في العراق، ولاسيما بعد الغزو والاحتلال الأنغلو-أمريكي للعراق المستمر منذ 1990 وحتى هذه اللحظة . إن أبرز هذه العوامل (ودون ترتيب زمني) هو:
- الصراع العربي الفارسي: الذي تمظهر قبيل الإسلام - من جملة ما تمظهر - برفض المنذر بن النعمان تزويج ابنته لكسرى أنو شروان ملك الفرس، حيث قال لرسول كسرى آنذاك "فقد تعرف ما على العرب من تزويج العجم من الغضاضة"، وكذلك بشن هانئ بن مسعود الشيباني المدعوم من القبائل العربية حربا شاملة ضد كسرى انو شروان والانتصار عليه في موقعة ذي قار سنة 610 م عندما طالب هذا الأخير بدروع النعمان بن المنذر المودعة عنده، وأخيرا في معركة القادسية بين الجيش الإسلامي بقيادة سعد بن ابي وقاص، والجيش الفارسي بقيادة رستم والتي انتهت بانتصار الجيش الإسلامي عام 635 وغروب شمس الإمبراطورية الفارسية، واعتناق شعوبها للإسلام.
- الصراع العربي العربي الذي بدأ بالصراع بين علي ومعاوية وانتهى بالصراع بين الأمويين والعباسيين، ذلك الصراع الذي وجد انعكاسه (أو أنه هو نفسه كان انعكاساً) في الصراع بين القبائل العربية القيسية واليمنية وغيرهما من القبائل العربية الموالية لهذا الطرف أو ذاك، والذي شمل ليس فقط المشرق والمغرب العربيين وإنما أيضا الأندلس.
- ظاهرة الشعوبية التي تجسدت بصراع بعضه ظاهر وبعضه مستتر بين العرب والموالي والذي - أي الصراع - كان بدوره انعكاسا وامتدادا للصراع العربي الفارسي و للصراع العربي العربي المشار إليهما أعلاه . لقد كان المنطلق الأيديولوجي لظاهرة الشعوبية هو الإسلام نفسه بركنيه الأساسيين القرآن والسنة، ذلك ان الإسلام قد أكد من جهة على تساوي المسلمين (لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى) ومن جهة أخرى أكد على وجود علاقة خاصة بين العرب والدين الجديد، (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تفلحون) ولهذا فقد كان الإسلام سلاح الطرفين معا في معارضتهما بعضهما بعضا، وبقيت القبائل الإسلامية المتنافسة، تحمل القرآن في يد، وأعرافها وتقاليدها في اليد الأخرى.
- تشظي الإمبراطورية الإسلامية بعد سقوط بغداد الأول على يد هولاكو إلى دويلات متصارعة بعضها بيد الأتراك وبعضها الآخر بيد الفرس وبعضها الثالث بيد العرب، الأمر الذي سمح للمسلم ان يجمع في شخصه وبالتالي في مواقفه وسلوكه بين صفتي العصبية القبلية والعصبية الدينية في آن واحد، وان يتمسك بهما معا دون اي إحساس منه بوجود تناقض صارخ بين هذين الانتماءين!!.
- لقد أدى انتقال العرب من الوصاية العثمانية إلى الوصاية الاستعمارية بعد موت الرجل المريض، وبعد اتفاق "سايكس بيكو" الشهير، وبعد وضع كمال أتاتورك نهاية عملية لما كان يدعى الخلافة الإسلامية، إلى مزيد من ضمور القيم الدينية، وإلى تضخم مقابل للإنتماءات والأعراف القبلية، وقد تم ذلك برعاية وتخطيط وتشجيع من الدول الاستعمارية، التي رأت أن استجرار القبائل إلى مشاريعها الاستعمارية عبر شيوخ هذه القبائل (كما كانت حال اللخميين والغساسنة مع الفرس والروم) قد يكون أسهل من استجرارها عن طريق رجال الدين، الذين رغم سهولة توظيفهم وبالتالي توظيف مؤسسة المسجد الذي يسيطرون عليه في خدمة السلطان (وأطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم) إلاّ أن تعاليم الإسلام تظل أبعد وأشمل من أن
يحتكرها أو يوظفها أي رجل دين في خدمة رؤيته الخاصة أو تفسيره الخاص لتعاليم الإسلام.
إن مثل هذه الازدواجية في لتعايش بين الانتماء الإسلامي والانتماء القبلي (ولاحقا التعصب القومي) هي التي ذهبت بجهود جمال الدين الأفغاني ومحمد عبدو وغيرهما من رجال الدين المتنورين الذين حاولوا متابعة محاولة ابن رشد في إجراء مصالحة تاريخية بين الحكمة والشريعة أدراج الرياح من جهة، ومن جهة أخرى أبقتهم رموزا إسلامية خليقة بالمحبة والاحترام عند جميع المسلمين.
- لقد تجسد التطبيق العملي لمعاهدة "سايكس بيكو" (سيئة الذكر)، بتقسيم الوطن العربي إلى كيانات مصطنعة سداها التخلف العثماني، ولحمتها العصبية القبلية والقومية والطائفية، الأمر الذي جعلها بمثابة قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت يراه هذا المستعمر مناسبا، وهو ما شهدناه وعشناه بل وما نزال نشاهده ونعيشه في كل أقطار الوطن العربي دون استثناء، ولاسيما في فلسطين والعراق ولبنان، ناهيك عن أن القبائل (الأنظمة) العربية الخليجية قد وضعت كامل بيضها في سلة الغرب عامة والولايات المتحدة الأمريكية خاصة لكي يجعلوها في مأمن من إمكانية تطبيق شعار "بترول العرب للعرب" الذي نادت به القوى والأحزاب القومية الوحدوية ذات يوم.
- كما أن انفراط عقد كل من الجامعة الإسلامية والرابطة القومية العربية، قد ترك آثاره السلبية وسمومه التاريخية ليس فقط على الأوضاع الداخلية في الأقطار العربية والإسلامية، وإنما أيضا على الأوضاع و العلاقات الخارجية بين هذه الأقطار، وهو ما شاهدناه ونشاهده الآن في وبين كل من العراق وإيران، سورية وتركيا، الصومال أثيوبيا، ...الخ وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
- لقد أعطى ظهور الأحزاب الاشتراكية والقومية في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، والذي جاء بعد سقوط دولة الخلافة العثمانية على يد كل من جيوش الحلفاء وكمال أتاتورك، وبعد "وعد بلفور" المعروف، وبعد وقوع معظم الأقطار العربية تحت نير الاحتلال الغربي (المباشر و / أو غير المباشر) نقول أعطى ظهور هذه الأحزاب الوطنية الأمل بأن الأمة العربية قد تجد خلاصها القومي والإنساني على يد هذه الأحزاب، ولكن مفاجئة الجماهير العربية كانت في أن هذه الأحزاب جاءت وهي تحمل شعار العلمانية بيد والقبلية والطائفية باليد الأخرى، وهو ما يعني أن هذه الأحزاب قد أخذت عن عصر التنوير الأوروبي مسالة فصل الدين عن الدولة، ولكنها لم تأخذ عنه بعد العقلانية والمواطنية الذي كان هو الأساس في مسألة فصل الدين عن الدولة (والذي يجادل البعض في أن أصل هذه العقلانية موجود أصلا عند المعتزلة وعند الفلاسفة العرب).
وإذا كانت العلمانية تتمثل في مقولة "الدين لله والوطن للجميع"، فإن الأحزاب اليسارية والقومية في الوطن العربي قد أخذت منها نصفها الأول( الدين لله ) وتركت نصفه الثاني (الوطن للجميع) مع ما تنطوي عليه كلمة "الجميع" من بعدي المساواة والديمقراطية اللذين يمثلان جناحي العلمانية التي لا يمكنها الطيران إلاّ بهما معاً.
4
لا أظن أن أحدا يجادل عن علم في أن تركيب الحزبين العلمانيين الأساسيين اللذين لعبا دورا كبيرا في عملية الحراك والصراع الاجتماعي والأيديولوجي في العراق، واللذان هما الحزب الشيوعي وحزب البعث العربي الاشتراكي، كان - أي التركيب - مدغوثا بالطائفية والقبلية، الأمر الذي انعكس على علاقتهما، من جهة مع بعضهما بعضا، ومن جهة أخرى في علاقة كل منهما مع الخارج، سواء أكان هذا الخارج قريباً أو بعيدًا (من الناحيتين الجغرافية والأيديولوجية)، إن هذا يعني عمليا وواقعيا:
- أن كلاّ من الطائفة والقبيلة لم يكونان بمعزل عن ذلك الصراع اللأيديولوجي الذي مازال مستمرا منذ تبلور دولة العراق الحالية في عشرينات القرن الماضي إلى يومنا هذا، والذي كان آخر مشهد فيه، دخول الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي مجلس الحكم الذي شكله ممثل الإحتلال الأمريكي للعراق بول بريمر عام 2003 على أساس المحاصصة القومية والطائفية والقبلية، والذي قبل الرفيق الماركسي المذكور أن يدخله كشيعي وليس كشيوعي!!.
- إن قيام الحكومة الطائفية المتماهية مع الاحتلال الأمريكي في بغداد بالحكم على الرئيس صدام حسين الرئيس الشرعي للعراق بالإعدام وتنفيذ هذا الحكم الوحشي اللاقانوني واللاأخلاقي صبيحة عيد الأضحى من عام 2006، وفي ظل هتافات طائفية معروفة (مقتدى مقتدى) أثارت اشمئزاز واستنكار كل الشرفاء في العالم، إنما كان يعبر عن وجه من وجوه تغليب البعد القبلي والطائفي في العراق على البعد الوطني والقومي والإسلامي.
- لقد حاول نظام صدام حسين خلال هيمنته على مقاليد الحكم في العراق، إخراج المواطن العراقي وبالتالي الشعب العراقي من هذه الحالة التي لم تعد ملائمة لقيم ومعطيات العصر، والوصول به إلى فضاء القومية العربية الفسيح، وذلك على حساب القبلية والطائفية والتعصب الديني، بيد أن جهوده لم تصل إلى غاياتها المرجوة وذلك لأسباب خارجية وداخلية متعددة ومتشابكة، من بينها استعانة صدام نفسه بالقبيلة والطائفة كوسيلة تكتيكية لتحقيق أهداف أيديولوجية ( قومية عربية وإسلامية) تمثل النقيض الموضوعي لكلا الطرفين (القبيلية والطائفية)، وذلك على قاعدة وداوها بالتي كانت هي الداء!!.
- إن ما غفل عنه صدام حسين - من وجهة نظر الكاتب -، هو أن الهدف السويّ لا يمكن الوصول إليه إلاّ من خلال طريق هو بدوره سوي أيضاً، ذلك أن العلاقة بين الغاية والوسيلة هي علاقة جدلية تكاملية، ولا يمكن لكل من يقطع عرى هذه الجدلية أن يصل إلى هدفه، حتى ولو كان هدفاً مشروعاً ونبيلاً كما هي حال الهدف الذي كان يحاول صدام حسين وحزب البعث تحقيقه في العراق، ألا وهو محاولة تحويل العراق إلى دولة حديثة، وتحويل العراقيين إلى مواطنين متساوين أمام القانون في الحقوق والواجبات.
إن "استعانة صدام حسين بالولايات المتحدة الأمريكية في حرب الثمان سنوات العراقية – إلإيرانية"!!!، وحصره المناصب الحساسة في الدولة بيد المقربين إليه عشائرياً وطائفياً وحزبياً، كان يمثل - برأينا - وسيلة خاطئة للوصول إلى ذلك الهدف الصحيح والمشروع الذي سبقت الإشارة إليه، بل إن هذا التناقض بين الغاية والوسيلة كان يتعارض حتى مع فكر حزب البعث نفسه - حسب فهم الكاتب الخاص لهذا الفكر -.
ومن المعروف كيف وظف التحالف الإمبريالي الأنغلو-أمريكي هذه الأخطاء في حربيه الإمبرياليتين عامي 1991 و2003، وأيضا في حصاره الظالم والغاشم والقاتل للعراق الشقيق الذي استمر من 1989 وحتى الاحتلال 2003.
- إن الكاتب وهو يشير إلى هذه السلبيات في ممارسات النظام العراقي، لابد وأن يشير أيضا، إلى أنه يتفق مع صلاح المختار ومع الكثيرين من المراقبين المنصفين، في أن تأميم صدام حسين للنفط العراقي عام 1972 قد كان الشرارة التي أشعلت سلسلة الحروب على العراق والتي اتخذت أشكالا مختلفة انتهت بغزوه عام 2003، و في أن نهجه القومي المؤمن بوحدة الأمة العربية وبتحرير فلسطين ومناهضته لما سمي بـ (الحلول السلمية) للصراع العربي الصهيوني كان هو الحقيقة المركزية التي تقف وراء اغتياله على يد قوات بوش وحلفائها المحليين والإقليميين، وعلى رأسهم أنظمة "سايكس – بيكو" العربية.
5
وبانتقالنا من العام إلى الخاص، ومن المجرد إلى الملموس، فيما يخص "مجالس الصحوة" التي نحن بصددها الآن والتي ظهرت إلى السطح السياسي في العراق عام 2006، انطلاقا من تحالف عشائري صغير، مع عبد الستار أبو ريشة ثم توسع ليصل إلى 186 مجلسا في 186 منطقة تضم حوالي 77 ألف عنصر، (وهذا حسب جريجوري سمث مدير فرقة الاتصالات في الجيش الأمريكي) الذي يعتبر - أي الجيش الأمريكي المشرف والممول والمسلح لعناصر هذه المجالس!!.
وبالنظر لكون الكاتب ليس على دراية كافية بتفاصيل وإشكالات هذه الظاهرة المعقدة، التي يقف وراءها ومعها المحتل الأمريكي للعراق، بينما يعارضها ويتحفظ عليها عملاؤه وأزلامه، وعلى رأسهم عبد العزيز الحكيم وجواد المالكي!!،
فقد رأى أن يورد ما يسمى بالرأي والرأي الآخر المتعلق بهذا الموضوع، معتمدا بذلك على مقالات سياسية لبعض المحللين السياسيين العرب تم الحصول عليها من الإنترنت:
5-1
ففي مقال نشرته جريدة "الغد" الأردنية بتاريخ 13 يناير 2008 لكاتب جاء فيه ما نصه "فقد التقينا مؤخرا وبعض الأصدقاء الأردنيين مع "أبو عزام" أحد قيادات الصحوة العشائرية في أبو غريب، وعرض علينا وصفا كاملا عن رؤيته لما يجري في العراق وكيف يمكن حماية العرب السنة، إنه بغض النظر عن عدم معرفتنا بمن هو "أبوعزام"، وما هو دوره الفعلي في مجالس الصحوة العشائرية، فإن الأفكار التي أوردها الكاتب على لسانه، إنما تعبر عن رؤية هذه "الصحوات" كما عرفناها على لسان معظم قادة هذه "الصحوات"، ووفقا لما اورده كاتب المقال على لسان "ابو عزام":
- فإن "الصحوات" هي نتيجة "مراجعة" قاسية وجذرية قامت بها فصائل "المقاومة" العراقية بعد سنوات من القتال والصراع مع الأمريكيين، وصلت بعدها إلى أن المستفيد الرئيسي من الحالة الراهنة على المدى البعيد هو إيران، بينما يقع العرب السنة بين مخالب الإيرانيين والقوى التي تدور في فلكهم من ناحية والقاعدة وأيديولوجيتها العدمية من ناحية أخرى والمواجهة مع أقوى قوة عسكرية في العالم (الولايات المتحدة) من ناحية ثالثة.
- إن التهديد الأكبر الذي يواجه العرب السنة هو الاحتلال الإيراني ثم الاحتلال الأمريكي.
- الاحتلال الأمريكي زائل على المدى المتوسط، أما إيران وأدواتها في العراق فهم باقون، وعليه فالمنطق يقول: أنه إذا لم يكن باستطاعة العرب السنة مواجهة الأمريكيين والإيرانيين معاً كما أثبتت خبرة السنوات السابقة، فإن الحل هو التحالف مع الاحتلال الأمريكي من أجل تحسين موقف السنة وإلحاق هزيمة بالاحتلال الإيراني.
5-2
أما الرأي الآخر الذي يدين هذه "الصحوات" بشدة، فسوف نأخذه عن مقالة منشورة في موقع "منبر الحقيقة" بتاريخ 15 / 12 / 2007 بعنوان "حقيقة مجالس الصحوة في العراق" حيث جاء فيها - بصورة أساسية - ما يلي:
- ومن خلال ما يتم رصده على الساحة العراقية أنه خلال الفترة الماضية اتضح أن دور "مجالس الصحوة" الذي كان مخصصا لقتال القاعدة، اتسع ليشمل قتال ومحاصرة قوى المقاومة العراقية .. ولكن هذه المرة ليس بأيدي القوات الأمريكية الغازية التي فشلت في هذه المهمة خلال 5 سنوات، ولكن من خلال أموالها والتي قامت بشراء ضمائر بعض الشخصيات التي انضوت تحت هذه المجالس، فبحجة قتال "القاعدة" يتم قتال المقاومة بجميع فصائلها الوطنية التي هي بعيدة كل البعد عن تيار "القاعدة" وفكره.
- ... وعليه فقد أشار مؤخراً الأمين العام لهيئة علماء المسلمين الدكتور حارث الضاري ... أن المقصود من وراء انتشار مجالس الصحوة هي مقاتلة المقاومة نيابة عن الاحتلال تحت ذريعة "القاعدة".
- فمؤخراً أصدرت قوى المقاومة بيانا موحدا أدانت فيه ما تذهب إليه مجالس الصحوة والتي رفضت كبرى العشائر العراقية الأصيلة الانضمام إليها، كما أن ما قامت به إحدى ميليشيات هذه المجالس مؤخرا من محاولة خدمة الاحتلال بإلقاء القبض الفاشلة على عزة ابراهيم الدوري نائب الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، لهو أكبر خدمة تقدم إلى المحتل منذ الغزو، وخاصة بعد جريمة إعدام واغتيال صدام حسين صبيحة يوم العيد في العام الماضي 2006.
- إن ما يشاع عن تحقيق نتائج إيجابية في العراق إنما هو أمر مرحلي... كون حقيقة الصراع في العراق هو الآن التآمر على المقاومة التي تقارع الاحتلال والتي لا شأن لها بالصراع الطائفي والإرهاب.
- إن ما تحاول الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها جورج بوش أن تصوره للرأي العام من انخفاض لأعمال العنف وتراجع عدد قتلاها في العراق إنما هو نوع من الكذب الأمريكي، وجعجعة إعلامية لتلميع صورة الرئيس الأمريكي المنهارة في العراق وفي الداخل الأمريكي قبيل الانتخابات الرئاسية ضد منافسيه من الحزب الديمقراطي.
- وجاء في مقال أوردته شبكة الأخبار العربية - محيط بتاريخ 12 يناير 2008، بعنوان ("مجالس الصحوة" البديل الأمريكي لأمن العراق)، أن ("جبهة الجهاد والتغيير " قد اعتبرت أن ظاهرة مجالس الإنقاذ أو "الصحوات" ما هي إلاّ مشروع أمريكي من أجل ضرب المقاومة العراقية بحجة تصفية "القاعدة"، وقال الناطق الرسمي باسم الجبهة: "أن ظاهرة المجالس دليل على فشل الاحتلال ومشروعه.. أما عن موقفنا (الجبهة) من العشائر فنحن نفصل بين مشروع مجالس الإنقاذ وبين عشائرنا العراقية الأصيلة المعروفة بمواقفها المشرفة، والتي كانت وما زالت المعين الرئيس للمقاومة العراقية").
(وينتهي متابعون للشأن العراقي وتطورات "مجالس الصحوات"، إلى أن هذه المجموعات النشاز لن تعيش طويلاً، أمام إرادة الشعب العراقي ومقاومته الباسلة التي تعهدت بدحر المحتلين وكل عميل جاء معهم أو تم تنظيمه لاحقا...).
6
ويرغب الكاتب بعد ما أورده من معلومات ومن رؤى تاريخية ومعاصرة، ومن وجهات نظر متباينة حول "مجالس الصحوات" في العراق أن يعبر عن وجهة نظره الخاصة التي تجسد (بضم التاء) ما وصلت إليه قناعاته الشخصية حول الإشكالية السياسية والاجتماعية التي ترتبت على هذه الظاهرة التي وصفها في مفتتح هذه المقالة بـكونها "ظاهرة اجتماعية"، بغض النظر عن كونها ظاهرة اجتماعية سليمة أو معتلّة (حسب تصنيف إميل دوركهايم للظواهر الاجتماعية)، أي أن لها أسبابها الموضوعية والذاتية، القريبة والبعيدة، المباشرة وغير المباشرة التي ينبغي الكشف عنها ومعرفتها.
- يقتضي المنهج العلمي في تحليل وفهم الظواهر الاجتماعية، أن يتم الربط الجدلي بين ثلاثية الماضي والحاضر والمستقبل بوصفها زمنا تاريخا متصلاً ومتواصلاً، ويمثل الحاضنة الموضوعية لكافة الظواهر والعمليات الاجتماعية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الزمن الحاضر عادة ما يكون هو المحدد الأساسي لنظرة الناس سواء إلى الوراء أو إلى الأمام، واعتمادا على هذه المنهجية الجدلية فإننا نعيد توكيد ما سبق أن قلناه من أنه لا يمكن النظر إلى ما بات معروفا بـ "مجالس الصحوة" على أنها نبتٌ بريٌّ معزولٌ عما يجري اليوم وعما جرى بالأمس وعما يمكن أن يجري غدا في العراق.
- وبما أننا أشرنا إلى الدور الأساسي الذي يلعبه الحاضر بالنسبة إلى الماضي والمستقبل، فإن الغزو الأنغلو - أمريكي للعراق عام 2003، والذي ترتب عليه تدمير الدولة العراقية تدميرا كاملاً وشاملاً، وإعادة العراق إلى عصر ما قبل الدولة، قد عمل وفق خطة استعمارية مدروسة ومعروفة (فرّق تسد) على إيقاظ وتنمية المشاعر والانتماءات القبلية والطائفية والقومية، التي كانت موجودة بالقوة كامنة بالفعل (حسب التعبير الأرسطي)، في ظل نظام الرئيس صدام حسين.
لقد كانت فوضى بوش "غير الخلاّقة" التي أوجدها متعمدا في العراق، بمثابة صندوق "باندورا" الذي فتحه الاحتلال يوم التاسع من أفريل عام 2003، لتعم شروره وفوضاه ليس فقط على العراق وشعب العراق، وإنما أيضا على المنطقة العربية كلها إن لم نقل على العالم أجمع.
- إن إحياء وتنمية الاحتلال الأنغلو - أمريكي للولاءات والانتماءات القبلية والطائفية والقومية، التي كانت في سبيلها إلى الإنضواء التدريجي(وإن البطيء) تحت عباءة الدولة وبالتالي سلطة القانون في ظل حكم حزب البعث وصدام حسين، قد أسفر عن صراعات دموية مؤلمة ومؤسفة، بين أبناء الوطن الواحد، بل والشعب الواحد، قام الاحتلال بتأجيجها ورعايتها ومن ثم بتوظيفها لمصلحة بقائه واستمراره في احتلال العراق، بعد أن كادت المقاومة الوطنية العراقية الباسلة تلحق به الهزيمة، وتجبره على الرحيل، كما حدث له في فيتنام.
- وتعتبر "مجالس الصحوة" - على هذا الأساس - نتاجا مشوها ومشبوها، قام ويقوم به المحتل الأمريكي بالتكافل والتضامن مع دول عربية وإقليمية معروفة قامت وتقوم بتمويل وتدريب عناصر هذه المجالس (الصحوات!!)، وتأهيلهم أيديولوجيا لمحاربة المقاومة الوطنية بكل فصائلها، تحت ذريعة محاربة "القاعدة" والإرهاب!!.
- ومن جهة أخرى فإن إصرار فصائل معينة ومعروفة ولأسباب معينة ومعروفة أيضاً، على رفع شعار "الرفض المزدوج" لكل من الاحتلال الأمريكي (الجلاّد) ولنظام البعث الذي أطاح به هذا الاحتلال (الضحيّة) هو - بدوره وفق رؤيتنا الخاصة - موقف مشّوه ومشوّه (بفتح الواو الأولى وكسر الثانية) ويصب في محصلته النهائية بنفس الطاحونة التي تصب بها مجالس الصحوة، طاحونة الاحتلال الأمريكي (حتى في حالة حسن النيّة)!!، ذلك أن طريق جهنم - كما يقال - مفروش بدوره بالنوايا الحسنة.
- إن هذا لا يعني أننا نبرّئ النظام السابق من ارتكاب الأخطاء (لقد سبق أن أشرنا إليها)، أو أننا نقبل بعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل التاسع من أفريل عام 2003، لا، ولكننا نرفض هذه المساواة غير المنطقية وغير الواقعية وغير الوطنية وغير العادلة بل وغير الأخلاقية بين الجلاد (جورج بوش) والضحية (صدام حسين)، ناهيك عن الأسباب الإمبريالية التي سبقت الإشارة إليها والتي دفعت جورج بوش لأن يجرجر جيوشه وأساطيله أكثر من عشرة آلاف كيلو متر، من أجل التخلص من صدام حسين وحزب البعث حسب ادعاءاته بل وتصريحاته المعلنة، والتي سمعها ويعرفها الجميع!!.
- إن إصرار الشعب العراقي على شرعية النظام الوطني الذي أطاح به جورج بوش عام 2003، ورفض كل ما قام ويقوم به الاحتلال منذ دخوله بغداد وإلى أن يرحل عنها (قريبا إنشاء الله)، وتأجيل - بالتالي - كافة الخلافات والاجتهادات المتعلقة بإعادة ترتيب البيت العراقي على أسس وطنية وديمقراطية جديدة تعكس إرادة الشعب العراقي، إلى ما بعد تحرير العراق ورحيل المحتل، هو برأينا الطريق الأقصر والأسلم والأسرع للخروج من هذه الأزمة الدموية الخانقة التي يعيشها إخوتنا في العراق الشقيق، والذي بات اليوم (الخروج من الأزمة) مطلباً عراقياً وطنياً شاملاً، لا يستثنى( بضم الياء ) منه إلا شركاء المحتل وعملاؤه .
- وأخيرا، فإن دعم المقاومة الوطنية من جماهير الشعب العراقي، واحتضانها، والدفاع عنها، والتعاون معها على طرد الغزاة المحتلين، في ظلّ شعارات وطنية وقومية وإسلامية متفق ومتوافق عليها وحولها، إنما هو أمانة في عنق جميع العراقيين، ومسؤولية إنسانية أمام الله والتاريخ، بل إنه الممر الإجباري ذو الاتجاه الواحد إلى الوحدة الوطنية الحقيقية، وإلى إعادة الاعتبار للعراق شعباً وتاريخاً ودولة عصرية وقطراً عربيا فاعلا في كافة الأحداث العربية والإقليمية والدولية.
23/1/2008