مدينة الغبار

زينة سعد الدين – لبنان

مدينة الغبار أنت يا مدينتي.. الحقائقُ فيك عالقةً تحت أكوامِ الغبار.. السفنُ فيك تغزو الصحارى عابرةً إلى ما وراء شمسِ الأصيل لتقطعَ خيوطَ النورِ من رَحمِ السّماء.. الورودُ فيكِ من حديد، المشاعرُ من حديد.. وحتى قبلُ العاشقين، جميعها من حديد.. والطيورُ ما عادت تزورُ فضاءَك.. والزهورُ ما عادتْ تزورُ اعتابَك.. والقبائلُ العربية باتتْ تسكنُ تحتَ رمال الصحراءِ لا فوقَها.. تخافَ ان تدركَها عدوى العولمة، فيصبحُ الفاعلُ مفعولاً به.. ولم تدركْ بانّ الفاعلَ قد اصبحَ مفعولاً به منذ أن غزا حاضرَنا الغبارُ كما تاريخَنا.. فالغبارُ يخرجُ من أفواهِ الساسةِ الكبار عندما يتحدثون.. ويغزو المقابرض ويغزو المصاحفَ.. ويسكنُ أرصفةَ الكنائسِ والمساجدِ.. تَراهُ يتسلّلُ من أحرفِ الأبجديّةِ ومن عقاربِ السّاعة.. نأكلُه مع طعامِنا.. نمضغُه مع أحلامِنا.. ونشربُه مع قهوتِنا الصّباحيّة.. وعندما نتكلّمُ نُلقي بهِ فوقَ صدورِ افكارِنا.. وفوقَ كاهلِ عروبتنا نرمي بثقلِ أكاذيبِنا وزيفِنا..

مدينتي.. متى سيجيءُ الوقتُ الذي  تنفضينَ فيه الغبارَ عن لسانِك.. عن عقلِك.. وعن حروفِ الجرِّ في لغتِك؟!.. متى سيجيءُ الوقتُ الذي تعودُ فيه القبائلُ العربية إلى خيامِها فوق الأرضِ لا تحتِها؟!!.. وتزورُنا الشمسُ، ويزورُنا الضوءُ.. فتخرجُ كلُّ الجراثيمِ الملوّثةِ من افواهِنا.. ويسقطُ الشمعُ الأحمر عن أقلامِنا.. فيسقطُ بذلك كلُّ قناعٍ ونعيدُ لكوفتِنا عروبتَها.. ولأرزتِنا خضرتَها.. ولأمّتِنا الدّار..