ثقافة البيك الجنرال!

السيد زهره - صحافي من البحرين

وليد جنبلاط زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني، يطلق عليه أتباعه ومريدوه لقب "البيك"، ولسنا نعرف هل هو لقب ورثه، أم أنهم يتطوعون بإسباغه عليه على سبيل التفخيم.

ووليد بيك أحواله غريبة في الفترة القليلة الماضية، كشف عن قدرات وإمكانيات في مجالات شتى، من السياسة.. إلى الثقافة.. وأخيرا إلى العسكرية وفنون الحرب.

مؤخرا شن هو وأتباعه المخلصون هجوما عنيفا على الفنانة الكبيرة فيروز لأنها قررت الذهاب إلى دمشق بمناسبة اختيارها عاصمة للثقافة العربية لتقديم عروض فنية ولإقامة جسر من التواصل والحب بين الشعبين اللبناني والسوري، ويبدو أن رفض الفنانة الكبيرة الاستماع إلى نصائحه المسمومة، ثم الاستقبال الشعبي الكاسح الذي استقبلها به الشعب السوري، أصاب البيك بالإحباط الشديد.

خرج يعبر عن إدانته الشديدة لاختيار دمشق عاصمة للثقافة العربية أصلا، ومتسائلا في استغراب عما يمكن أن تقدمه للثقافة العربية؟، ولأن ما قاله لم يكن يستحق من أحد حتى من خصوم سوريا أن يتوقفوا عنده، ولم يتم بالتالي إعطاؤه أي نوع من الاهتمام، فلقد تضاعف فيما يبدو إحباط البيك، فقرر الانتقال إلى مرحلة أعلى.. قرر ارتداء بذلة الجنرال المحارب العارف بشؤون المعارك العسكرية وكيف يمكن كسبها.

خرج منذ أيام قليلة رافعا شعار: "أهلا بالحرب"، أما في التفاصيل، فإنه وجه تحذيرا عنيفا للمعارضة اللبنانية من أنهم إذا كانوا يريدون الحرب، فإنه هو بالذات أهل لهذه الحرب تماما، ليس هذا فحسب، بل إنه هو بالذات لديه القدرة على أن يحرق الأخضر واليابس، والحرب التي يتحدث عنها "البيك" ليست حرباً ضد عدو للبنان مثل العدو الصهيوني مثلا والأعداء الآخرون المعروفون، وإنما هي حرب بين اللبنانيين وضد لبنان، التي زف "البيك" البشرى لأتباعه أنه لديه القدرة على أن يحرق أخضرها ويابسها.

الأمر الغريب هنا أنه لم يتحدث أحد في لبنان كله عن حرب لا قدر الله بما في ذلك حلفاء "البيك"، بالعكس الكل في لبنان، سواء في الموالاة أو في المعارضة، ورغم الخلافات والانقسامات الحادة المعروفة، يريد مخلصاً أن يجنب لبنان أي شر، والكل يحاول جاهداً رغم صعوبة المهمة البحث عن أرضية توافق لإخراج لبنان من الأزمة.

لماذا يقول "البيك" إذن هذا الكلام؟

الجواب مفهوم، هو يتصور أنه كما أن لديه قدرات ثقافية عجيبة، وقدرات عسكرية فذة، فإن قدراته السياسية أكبر، يتصور أنه بكلامه هذا سوف يلقي بالرعب في قلوب المعارضة التي يكرهها وسوف يجبرها على أن تقبل فورا ما يريده، هذا بافتراض أنه شخصيا يعرف ما يريده بالضبط.

إن دل هذا النوع من التفكير على شيء، فإنه يدل على أن قدرات "البيك" السياسية هي بنفس ضحالة قدراته الثقافية والعسكرية، عموما، الشيء الغريب هنا، والذي لابد أن يقفز إلى الذهن فوراً بعد متابعة هذه التصريحات عن القدرة الحربية الفائقة لوليد "بيك"، هو هذا السؤال: وأين إذن كانت هذه القدرات العسكرية الفذة حين كان وطنه لبنان يتعرض لعدوان صهيوني همجي يحرق الأخضر واليابس فعلا؟. لماذا لم يستخدمها في الدفاع عن وطنه؟!.

الكل تعوّد أن يسمع من وليد جنبلاط تصريحات منفلتة، وتعوّد أيضاً منه أنه قد يغير مواقفه بين عشية وضحاها، لكن المشكلة أن تصريحاته الأخيرة هذه في منتهى الخطورة وتقود إلى تدمير أي احتمال للتوافق أو المصالحة، ويبدو أنه بحاجة إلى من ينصحه من المقربين له باستخدام قدراته الثقافية والسياسية والعسكرية والحربية التي يتحدث عنها بما يخدم الوئام الوطني ويبعد عن الوطن أخطاراً مدمرة لا أحد يريدها، وإن لم يكن قادراً على هذا، فلعل من الخير له وللجميع أن يصمت.