محاكمة مجرمي الحرب في العراق.. كيف؟

تقرير أمريكي طرح أربعة خيارات لمحاكمة المجرمين

كل جرائم الحرب في القانون الدولي ارتكبها الاحتلال

بقلم: السيد زهره - صحافي من البحرين

جرائم الحرب التي ارتكبها الاحتلال الهمجي في العراق هي جرائم غير مسبوقة في التاريخ في فظاعتها. على الأقل لأن هذه الجرائم تم ارتكابها في القرن الواحد والعشرين وبعد كل الطريق الطويل الذي قطعته البشرية من اجل الدفاع عن كرامة الإنسان وحماية الشعوب والدول، وما لم يتم تقديم مجرمي الحرب الذين ارتكبوا هذه الجرائم إلى المحاكمة وإنزال العقاب الذي يستحقونه بهم، فلن يكون بمقدور البشرية كلها أن تأمن على مستقبلها ومستقبل شعوبها.

وهذا الحديث نريد منه فقط أن نفتح مبدئياً هذا الملف، والذي فتحه بالفعل آلاف من الشرفاء في العالم، وآن الأوان من باب أولى أن نفتحه نحن.

ما المقصود بجرائم الحرب بالضبط في القانون الدولي؟ ما هي جرائم الحرب التي ارتكبها الاحتلال في العراق؟ كيف يمكن تقديم هؤلاء المجرمين إلى العدالة ومحاكمتهم؟

هذه هي الأسئلة الأساسية التي سنحاول الإجابة عليها.

 

ما هي جرائم الحرب؟

ما هو المقصود بالضبط بجرائم الحرب؟ جرائم الحرب في القانون الدولي الإنساني هي ببساطة الجرائم التي ترتكب ضد قوانين وعادات الحرب، وهذه الجرائم يتم تحديدها بناء على العرف الدولي، وبحسب اتفاقيات لاهاي.

وجاءت اتفاقيات جنيف الأربع التي تم توقيعها في 12 أغسطس عام 1949 لتحدد هذه الجرائم بشكل دقيق وتفصيلي، وهذه الاتفاقيات الأربع هي:

1 - اتفاقية جنيف بشأن تحسين حال الجرحى والمرضى من أفراد القوات المسلحة في الميدان.

2 - اتفاقية جنيف بشأن تحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى من أفراد القوات المسلحة في البحار.

3 - اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب.

4 - اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب.

وقد تضمنت الاتفاقيات الأربع لأول مرة تعداداً للجرائم الخطيرة التي التزمت الدول الموقعة بتجريمها في تشريعاتها وأن تسن لها العقوبات الملائمة، وهذه الجرائم الخطيرة ورد النص عليها في المادتين (50 – 53) من الاتفاقية الأولى، والمادتين (44 – 51) من الاتفاقية الثانية، والمادة (130) من الاتفاقية الثالثة، والمادة (147) من الاتفاقية الرابعة.

وقد أجازت اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب تسليم الأشخاص الذين يرتكبون هذه الجرائم لمحاكمتهم بشرط أن يكون لديهم أدلة اتهامات كافية ضد هؤلاء الأشخاص.

وقد تولى البروتوكول الأول الإضافي لاتفاقيات جنيف الأربع بشأن (حماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية) تصنيف الأفعال التي تعد جرائم خطيرة أو انتهاكات جسيمة تضاف إلى الانتهاكات السابقة التي أوردتها اتفاقيات جنيف لعام 1949، وذلك إذا ارتكبت عن عمد وسببت وفاة أو أذى بالغاً بالجسد أو بالصحة.

كذلك أضيفت بعض الانتهاكات الجسيمة، إذا اقترفت عن عمد بالمخالفة للاتفاقيات أو البروتوكول الأول فأصبح عدد هذه المخالفات 22 جريمة خطيرة من جرائم الحرب، أو بشكل أكثر تحديدا، فأن جرائم الحرب التي حددتها اتفاقيات جنيف هي:

1 - القتل العمد.

2 - التعذيب.

3 - التجارب البيولوجية.

4 - إحداث آلام كبرى مقصودة.

5 - ايذاءات خطيرة ضد السلامة الجسدية والصحية.

6 - المعاملة غير الإنسانية.

7 - تخريب الأموال وتملكها بصعوبة لا تبررها القرارات العسكرية التي تتم بشكل تعسفي وعلى مقياس غير شرعي.

8 - إكراه شخص على الخدمة في القوات المسلحة لدولة عدوة لبلاده.

9 - حرمان شخص محمي من حقه في محاكمة قانونية وحيادية حسبما تفرضه الاتفاقيات الدولية.

10 - إقصاء الأشخاص ونقلهم من أماكن تواجدهم بصورة غير مشروعة.

11 - الاعتقال غير المشروع.

12 - أخذ الرهائن.

13 - سوء استعمال علم الصليب الأحمر أو شارته أو الأعلام المماثلة.

14 - جعل السكان المدنيين أو الأفراد المدنيين هدفاً للهجوم.

15 - شن هجوم عشوائي يصيب السكان المدنيين أو الأعيان المدنية.

16 - شن هجوم على الأشغال الهندسية أو المنشآت التي تحوي قوى خطرة.

17 - اتخاذ المواقع المجردة من وسائل الدفاع أو المناطق المنزوعة السلاح هدفاً للهجوم.

18 - اتخاذ شخص ما هدفا للهجوم عن معرفة أنه عاجز عن القتال.

كذلك أضيفت الانتهاكات التالية كانتهاكات جسيمة إذا اقترفت عن عمد مخالفة للاتفاقات أو الملاحق:

19 - قيام دولة الاحتلال بنقل بعض سكانها إلى الأراضي التي تحتلها أو ترحيل أو نقل كل أو بعض سكان الأراضي المحتلة داخل نطاق تلك الأراضي (وقد أضيفت هذه الجريمة خاصة لمواجهة تصرفات الاحتلال "الاسرائيلي" في الأراضي المحتلة في عام 1967).

20 - كل تأخير لا مبرر له في إعادة أسرى الحرب أو المدنيين إلى أوطانهم.

21 - شن الهجمات على الآثار التاريخية وأماكن العبادة والأعمال المعنية التي يمكن التعرف عليها بوضوح والتي تعكس التراث الثقافي أو الروحي للشعوب وينتج عنه تدمير بالغ لهذه الأعيان في الوقت الذي لا تكون فيه هذه الآثار وأماكن العبادة في موقع قريب بصورة مباشرة من أهداف عسكرية.

22 - ممارسة التفرقة العنصرية (الابارتهيد) وغيرها من الأساليب المبنية على التمييز العنصري والمنافية للإنسانية والتي من شأنها النيل من الكرامة الشخصية.

 

جرائم الحرب في العراق

كما نرى، فأن كل جرائم الحرب التي نصت عليها اتفاقيات جنيف ارتكبها الاحتلال في العراق بلا استثناء، بل ارتكب من الجرائم ما هو أفظع من تلك التي نصت عليها الاتفاقيات، العالم كله تابع منذ اليوم الأول للاحتلال هذه الجرائم وهم يرتكبونها يومياً.

واليوم، توجد عشرات التقارير الدولية التي توثق هذه الجرائم بشكل تفصيلي، مثلاً، جماعة أمريكية أطلقت على نفسها "اونلي بيبول جدج بوش" حددت في تقرير لها جرائم الحرب التي ارتكبتها أمريكا وبريطانيا في العراق، في ثماني مجموعات من الجرائم:

المجموعة الأولى:

تتعلق بغزو العراق ذاته باعتباره جريمة حرب.

فالغزو هو حرب عدوانية وجريمة ضد السلام، وقد اعتبرت محاكمات نورمبرغ أن الحرب العدوانية هي "أكبر وأفظع جريمة دولية"، والحرب العدوانية التي شنتها أمريكا على العراق هي خرق لميثاق الأمم المتحدة، العراق لم يشكل تهديداً للولايات المتحدة، وقد زعمت إدارة بوش أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل وأن النظام العراقي متحالف مع "تنظيم القاعدة" لتبرير حربها العدوانية، وثبت أن كل هذه أكاذيب، وحتى السكرتير العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان قال أن الحرب كانت غير قانونية وتنتهك ميثاق الأمم المتحدة.

المجموعة الثانية:

جرائم الحرب المرتبطة بعمليات الاعتقال والتعذيب للعراقيين، وعمليات الاعتقال والتعذيب هذه هي خرق فاضح لمعاهدات جنيف.

المجموعة الثالثة:

تتعلق بممارسات الجيش الأمريكي ضد العراقيين وممتلكاتهم والتي تعد خرقاً فاضحاً للقانون الدولي.

فلقد استخدمت القوات الأمريكية الأسلحة لقتل وإصابة المدنيين العراقيين بلا تمييز وفي خرق فاضح لاتفاقيات جنيف.

قامت القوات الأمريكية بقصف وتدمير مدن بأسرها وقتلت المدنيين ودمرت المنازل ونفذت عمليات اغتيالات، حدث هذا في الفلوجة وغيرها من المدن.

ومعاهدات جنيف تنص على تحريم وتجريم أي عمل عسكري يستهدف المدنيين ويلحق بهم الأذى، كما أن القوات الأمريكية قامت وعن عمد بتدمير محطات المياه والكهرباء في الفلوجة وغيرها من المدن.

المجموعة الرابعة:

تتعلق بمعاملة القوات الأمريكية للعراقيين الذين يقاتلون قوات الاحتلال وعملاءها باعتبارهم "إرهابيين مجرمين".

هذا في الوقت الذي من حق، بل من واجب، أي مواطن أن يدافع عن بلاده، وحق المقاومة المسلحة يعترف به ميثاق الأمم المتحدة ومعاهدات لاهاي وجنيف، ومن ثم فأن القوات الأمريكية والعملاء العراقيين الذين يتعاملون معها هم بحكم القانون الدولي أعداء للشعب العراقي من حقه أن يقاتلهم دفاعاً عن بلاده.

المجموعة الخامسة:

تتعلق بقيام القوات الأمريكية بمهاجمة المستشفيات وعربات الإسعاف والمدنيين والمقاتلين المصابين.

إن أبسط قواعد وأسس القانون الدولي تحتم حماية المصابين ورعايتهم، والهجمات على المستشفيات وعربات الإسعاف هي جرائم غير قانونية وغير إنسانية.

المجموعة السادسة:

تتعلق بقيام القوات الأمريكية وسماحها بسرقة وتدمير التراث الثقافي والحضاري والديني في العراق.

لقد تم نهب وتدمير مقتنيات متحف العراق الوطني وفي كل انحاء العراق ، وحرق مكتبات .. الخ. تعتبر هذه جرائم حرب اذ تمثل خرقا فاضحا لمسئوليات قوة الاحتلال التي يجب ان تتحملها بموجب القانون الدولي والتي تلزمها بضرورة حماية هذا التراث الثقافي والحضاري.

المجموعة السابعة:

تتعلق بجرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الأمريكية بحق المعتقلين من انتهاكات وتعذيب وقتل.

الأدلة الكثيرة تؤكد ارتكاب هذه الجرائم بحق المعتقلين على أوسع نطاق وهو ما تؤكده كل التقارير الدولية وحتى التقارير الأمريكية ذاتها، وهي كلها جرائم يجرمها القانون الدولي.

المجموعة الثامنة:

تتعلق باستخدام القوات الأمريكية للأسلحة المحرمة دولياً في العراق.

وهذه الأسلحة المحرمة التي استخدمتها القوات الأمريكية تشمل مثلاً، القنابل العنقودية واليورانيوم المنضب الذي يتسبب في انتشار أمراض السرطان والتشوهات الخلقية لفترات طويلة بعد انتهاء الصراع، وأيضا القنابل الفراغية التي تعتبر من أسلحة الدمار الشامل، والنابالم المحرم دولياً منذ 1980.

 

16 اتهاما

هناك رصد آخر لجرائم الحرب التي ارتكبها الاحتلال في العراق، هذا الرصد تمثل في الاتهامات التي وجهتها المحكمة الشعبية لجرائم الحرب في العراق في جلساتها التي انعقدت في اسطنبول بتركيا في يونيو (حزيران) عام 2005، بناء على الأدلة الموثقة التي جمعتها المحكمة، وبناء على الشهود الذين استمعت إلى شهاداتهم، وجهت المحكمة 16 اتهاما إلى حكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا، هي على النحو التالي:

1 - التخطيط والإعداد وشن أعظم جريمة حرب، وهي العدوان على العراق انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة، ولمبادئ نورمبرغ.

2 - تعمد استهداف السكان المدنيين في العراق والبنية التحتية المدنية، وذلك بتعمد شن الهجمات على المدنيين والمستشفيات والمراكز الصحية والمناطق السكنية ومحطات الكهرباء والماء، ويعتبر تدمير مدينة الفلوجة شبه الكامل هو وحده تجسيد كامل لكل هذه الجرائم.

3 - استخدام الأسلحة المحرمة مثل القنابل العنقودية، واليورانيوم المنضب، والأسلحة الكيماوية.

4 - استخدام اليورانيوم المنضب بالذات، على الرغم من كل التحذيرات من العلماء والمختصين وجماعات السلام من تأثيراته المدمرة على البشر والبيئة والتي تمتد لسنين طويلة، وباستخدام هذا السلاح، فأن الولايات المتحدة قررت المخاطرة بأرواح الملايين لأجيال قادمة.

5 - الفشل في حماية حياة المدنيين أثناء العمليات العسكرية في فترة الاحتلال.

6 - إيجاد الظروف التي تسببت في تدهور مروع لأوضاع المرأة في العراق في كل المجالات.

7 - استخدام العنف الدموي القاتل ضد المتظاهرين كما حدث في ابريل 2003 عندما قتل العشرات من المتظاهرين في الفلوجة.

8 - تنفيذ سياسة العقاب الجماعي للعراقيين، ومن دون اتهامات ولا محاكمات، بما في ذلك عمليات الخطف والاغتيالات.

9 - المعاملة الوحشية اللاإنسانية للمدنيين العراقيين، وحرمان المعتقلين العراقيين من كل حقوقهم التي تنص عليها اتفاقيات جنيف.

10 - إعادة كتابة قوانين البلاد التي تعرضت لاحتلال غير قانوني وذلك في خرق للمعاهدات والاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتزامات ومسؤوليات قوة الاحتلال.

11 - تعمد تدمير البيئة باستخدام أسلحة اليورانيوم المنضب وإحراق حقول النفط والمزارع وتدمير محطات المياه، وهي الممارسات التي ترقى إلى شن حرب كيماوية بيولوجية.

12 - السماح بنهب وتدمير تراث العراق الثقافي والحضاري في المتاحف ومختلف المواقع الأثرية على الرغم من التحذيرات السابقة من جانب اليونسكو والخبراء في العالم.

13 - استهداف أجهزة الإعلام والصحفيين وعمليات الاعتقال والقتل للأكاديميين والمثقفين والعلماء.

14 - استخدام التعذيب ضد المعتقلين على نطاق واسع خرقاً لكل المعاهدات والمواثيق الدولية، وأيضاً إرسال معتقلين إلى دول أخرى كي يجري تعذيبهم.

15 - ارتكاب جريمة ضد السلام بتحدي إرادة شعوب العالم الرافضة للحرب، فلقد عبر الملايين في كل أنحاء العالم عن رفضهم ومعارضتهم للحرب معبرين عن ضمير العالم ومع هذا تم شن العدوان. ويرقى هذا إلى حد إعلان الولايات المتحدة وحلفائها الحرب على الملايين في العالم.

16 - استخدام احتلال العراق قاعدة لإشعال الصراعات الدينية والاثنية في مختلف أنحاء العالم، وأيضاً للتهديد بشن حروب عدوانية أخرى خصوصا على سوريا وإيران.

 

لماذا المحاكمة؟

لماذا يجب ملاحقة الذين ارتكبوا جرائم الحرب في العراق ومحاكمتهم وإنزال العقاب الذي يستحقون بهم؟

مع أن الإجابة بديهية ومفهومة، إلا أن هناك أربعة أسباب كبرى تحتم محاكمة هؤلاء المجرمين تستحق التأكيد عليها باختصار:

أولاً: محاكمة هؤلاء المجرمين هي تطبيق للقانون الدولي والمواثيق التي أقرتها البشرية وارتضتها، هي بعبارة أخرى، رد اعتبار للقانون الدولي ودوره في حماية الدول والشعوب.

ثانياً: هذه المحاكمة هي حق للشعب العراقي الذي هو كله ضحية للجرائم التي ارتكبها المجرمون، وهو أيضاً حق للشعوب العربية والإسلامية التي هي أيضاً ضحية لهذه الجرائم.

ثالثاً: هذه المحاكمة والإلحاح عليها هي ضرورة لوقف هذه الجرائم المروعة في العراق، والتي ترتكب يوميا، وستظل ترتكب مادام الاحتلال موجوداً وعملاؤه يحكمون.

رابعاً: والمحاكمة هي مصلحة مستقبلية لكل دول وشعوب العالم.

هي بعبارة أدق ضرورة لردع المجرمين مستقبلاً عن تكرار ارتكاب مثل هذه الجرائم في أي وقت وفي أي بلد أو مكان مستقبلا.

 

محاكمة المجرمين.. كيف؟

كيف يمكن تحقيق هدف محاكمة مجرمي الحرب في العراق؟

منذ أشهر، أصدرت منظمة أمريكية اسمها "كونسيومرز فور بيس" أي "مستهلكون من أجل السلام" تقريراً شاملاً عنوانه "جرائم الحرب التي ارتكبتها أمريكا في العراق وآليات المحاسبة". التقرير أعدته كارين باركر وهي محامية لها سمعة عالمية في مجال القانون الدولي وحقوق الإنسان ورئيس هيئة محامي الشؤون الإنسانية في سان فرانسيسكو.

التقرير يستعرض بالتفاصيل الدقيقة جرائم الحرب التي ارتكبت في العراق، ثم يقترح آليات وخيارات معينة لمحاكمة المجرمين.

وبداية يسجل التقرير أمرين:

الأول: يتعلق بمن هم مجرمو الحرب الذين تجب محاكمتهم ويذكر بهذا الصدد انه بحسب القوانين الدولية والأعراف العالمية للحرب، فأن القادة السياسيين وقادة الجيش وكبار الضباط والضباط الميدانيين وأياً من الجنود يمكن أن يحاكموا كمجرمي حرب.

ويسير التقرير هنا إلى أنه في كل المرافعات التي قدمت في محاكمات جرائم الحرب في نورمبرغ وفي طوكيو بعد الحرب العالمية الثانية كان هناك تركيز أساسي على القادة السياسيين والعسكريين الذين أمروا بارتكاب الجرائم.

ويسجل التقرير على القاعدة التي تؤكد أن "الأوامر العليا ليست دفاعا مقبولا"، وأنها تنطبق على الجميع من أعلى قائد إلى أصغر جندي، بمعنى أنه لا يحق لأحد قانوناً أن يحتج بأنه كان ينفذ الأوامر العليا فقط.

الثاني: انه لتنفيذ القانون الدولي ومحاكمة مجرمي الحرب، لا بد بطبيعة الحال من تجميع الأدلة على ارتكاب جرائم محددة، وفي حالة العراق، فأن الأدلة على الجرائم التي ارتكبها الأمريكيون والبريطانيون هي أكثر من أن تحصى وهي موثقة بشكل كامل.

أما عن الخيارات الممكنة لمحاكمة مجرمي الحرب، فأن التقرير يطرح الخيارات التالية:

الخيار الأول: محاكمة المجرمين الأمريكيين بالاستناد إلى بند جرائم الحرب الأمريكي الموقع بقانون في عام 1996، فهذا القانون ينص على إنزال عقوبات شديدة للانتهاكات الخطيرة لاتفاقيات جنيف بما في ذلك عقوبة الإعدام، ويعتبر القانون أن الانتهاكات الخطيرة لاتفاقيات جنيف هي جرائم حرب توجب العقاب.

الخيار الثاني: العمل الدولي، وفقاً للآليات الواردة في اتفاقيات جنيف، وتلك التي اعتمدتها الأمم المتحدة، حيث أن اتفاقيات جنيف تتضمن بنوداً واضحة على ضمانات تقديم المجرمين للعدالة الدولية، فهذه الاتفاقيات تنص مثلا على أنه ما من دولة مسموح لها أن تبرئ نفسها أو أن تبرئ أي دولة أخرى من تحمل المسؤولية التي تقع عليها أو على دولة أخرى بخصوص جرائم الحرب، وبموجب هذه القاعدة، فأن الأمريكيين والبريطانيين المتهمين بارتكاب جرائم حرب في العراق من الممكن أن يلاحقوا من قبل دول أخرى موقعة على اتفاقيات جنيف.

ويشير التقرير هنا إلى أن أمريكا حاولت التحسب لذلك قبل الغزو بتوقيعها اتفاقيات مع دول تنص على رفض هذه الدول مقاضاة مواطنين أمريكيين أمام محكمة الجزاء الدولية.!! إلا أن هذا لا يبطل إمكانية مطالبة دول أخرى بمحاكمة مجرمي الحرب الأمريكيين والبريطانيين.

الخيار الثالث: تفعيل دور المحكمة الدولية غير الحكومية لجرائم الحرب في العراق. وهي المحكمة التي أشرنا إليها سابقاً وإلى الاتهامات التي وجهتها للأمريكيين والبريطانيين، هذه المحكمة الشعبية هي من تراث "محكمة راسل" في عام 1967، والتي نظرت في جرائم الحرب الأمريكية في فيتنام، والمحكمة الشعبية لجرائم الحرب في العراق عقدت جلسات في أكثر من بلد.

وفي رأي التقرير انه على الرغم من أن هذه المحكمة لا تمتلك قوة القانون فإن الأدلة التي تجمعها هي أمر ضروري من أجل إجبار الدول على اتخاذ خطوة عملية لاتخاذ إجراءات قانونية لمحاكمة المجرمين، كما أنها مهمة لتوفير الأدلة التي من شأنها إيقاظ الضمير الإنساني.

الخيار الرابع: هو في تقدير التقرير، تشكيل هيئة للمصالحة والحقيقة كما حدث في رواندا وجنوب إفريقيا، هذه السوابق وغيرها يمكن تبنيها فيما يتعلق بجرائم الحرب في العراق.

 

هذه الخيارات التي طرحها التقرير الأمريكي لمحاكمة مجرمي الحرب في العراق، وبغض النظر عن التفاصيل القانونية والسياسية المتعلقة بها، إلا أنها تثبت أن محاكمة هؤلاء المجرمين هي ممكن وواجب ويجب العمل من أجلها فوراً وبكل السبل.

بقي أن نشير إلى أن هناك اليوم حملة عالمية كبرى على مستويات عدة شعبية في العالم كله تطالب بمحاكمة مجرمي الحرب هؤلاء، وتصدر التقارير، وتجمع أدلة الجرائم وتحاول أن تستنهض ضمير العالم من أجل تبني هذا الهدف.

من المخجل أنه بينما يحدث هذا في العالم، فأننا لا نجد هنا في وطننا العربي أي اهتمام أو اكتراث بهذه القضية المصيرية على أي مستوى، هذا على الرغم من أننا نحن ضحايا هؤلاء المجرمين، وعلى الرغم من أننا لو ظللنا صامتين، فلن تقف جرائم هؤلاء المجرمين عند حد لا في العراق ولا في غيره.

فمتى يا ترى سينتفض ضميرنا العربي كما انتفض ضمير العالم، ونقود نحن حملة المطالبة العالمية بمحاكمة هؤلاء المجرمين؟