فلسطين في شعر كمال ناصر
يعقوب افرام منصور - (جريدة القادسية العراقية 27/3/2001)
في نيسان 1974 أصدرت "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" الطبعة الأولى من الآثار الشعرية للشهيد كمال ناصر من خلال "لجنة تخليد تراث كمال ناصر" واقتنيته في 30 نيسان 1974، ومنذئذٍ وأنا أعود بين الفينة والأخرى إلى مطالعة الديوان، تبعا للظروف المتاحة وللبواعث والحوافز الآنية، فقد ألفيت أن محتوى الديوان ذو نكهة مميزة، وأن مضامينه جعلتني أعايش معظم أحداث القضية الفلسطينية منذ بداياتها حتى أوان صدور الديوان، مخلفة في أعماقي ميلا إلى متابعة وقائع القضية لاحقاً من انتفاضات ومجازر الحرمين القدسي والابراهيمي ومناورات التسوية الزائفة، وعمليات التطبيع التي ناهضتها الجماهير وقاومها الثوريون والمثقفون وشجبها "مؤتمر أم المعارك للأدباء والكتاب العرب" الذي انعقد في بغداد في كانون الثاني 2001، تحت شعار (لا للعدوان الأميركي الصهيوني – لا للتطبيع – لا للحصار لا للاستسلام).
قصائد الديوان تصوير ناطق لجراح وعذابات نفس الشاعر الحاصلة جراء مأساة وطنه وأمته – وهو أحد أبنائها البررة – مقابل تصوير موجز لبعض الباهج البسيطة والتفاؤل القسري والاستبشار العقائدي مما يتضاءل حيال ما أحاق به من حالات يأس وتشاؤم.
في قصيدة "مصرع البطل" التي ألقاها في حفل تأبين البطل الشهيد "عبد القادر الحسيني" في كلية "بير زيت" نطالع هذه الأبيات
أيها الموت لا تسل أنت أدرى
كيف يسعى إلى حماك المغامر
دونك النعش هل ترى من عليه
تلك أنشودة الجهاد الطاهر
رددي صوتها الشجي وضجي
يا ليالي وزغردي يا مقابر
زارك اليوم فارس عربي
عانقيه.. ورحبي بالزائر
زارك اليوم فارس عربي
عانقيه.. فذاك "عبد القادر"
يا فلسطين لا تنامي ففينا
أمة تصفع الزمان القاهر
كل شبرٍ على أديمك دنيا
سوف يفديه شعبك المتضافر
كل فردٍ معذب بأمانيه
على أمانيك يقظان ساهر
مزقي حالك الظلام وسيري
بالميامين عبر هذي المجازر
فحرام عليك أن يطلع الفجر
وفي سوحك الجميلة كافر
وفي قصيدة "في فلسطين" وهي الخامسة من "أنشودة الحقد" المطولة، (من صفحة 159 إلى 218) التي يمكن وصفها بـ(اسكيتش) – أي صورة وصفية – لفصول المأساة الفلسطينية العربية... نطالع هذه الأبيات:
انظريني أتعرفين فتاك
رغم هذا الشحوب في سيمائي
أنا نار ولوعة وحنين
وفداء تخضبت بدمائي
تلك يافا فيها عيون استحمي
وتملي من فيضها اللألأء
تلك حيفا فقف بها يا جناحي
لا تصفق في دربها المستباح
هوذا الكرمل المطل على البحر
صَمود لعاصفات الرياح
قسما بالثرى الجريح على الأرض
يروي بالحقد حمر الأقاحي
سوف نأتي إليك يحملنا الجرح
شظايا مدمدمات الصداح
أترى بعد للمسيح مكان في الناصرة؟
تلك أرض المسيح ظللها العار
وأغفى ما بين نجد ونجدِ
تلك أجراسها تدق عذابا
تتلوى بالظالم المستبدِ
لو رآها عيسى لصفق عجباً
وغدا بالجهاد والسيف يهدي
هذه الرملة الشقية فاسمع
كيف تشكو الأطلال للأطلال
كيف أودى الزمان بالمجد والبأس
فهانت معاقل الأبطال
لم تهن رملة (النبي) ولا اللد
تصالا في ملعب للقتال
إنما هانت الخيانة في الشرق
وسالت بالإثم والإذلال
إن من يطالع هذه الأبيات تعتريه مشاعر شتى من الانفعالات تتفاوت بين الأسى والالتياع، والتحرق وانبجاس العبرات، وقد تخالطها القشعريرة أحيانا من فرط الشجن، وتعترضها صورة من الغضب المقدس على واقع يبهج الأعداء واللؤماء ويزعج النجباء والأوفياء الذين ينطق الشاعر بلسانهم إذ هو أحدهم في انتمائه العقائدي ونضاله واستشهاده.