أنا أبيض وأنتَ أسود
شوقي مسلماني - شاعر من لبنان يقيم في سيدني - استراليا
كلمة
تشبه العقل:
ممّا لا شكّ فيه أنّ الكلمة، أكانت مسموعة أم مقروءَة، لها الأثر عينه إيجاباً وسلباً، فهي تهدي إلى سواء السبيل، وهي تؤدي إلى التهلكة، إنّما في المآل الأخير، فالكلمة المعبِّرة عن واقع الحال بكلّ الصدق، فالكلمة التي تشبه العقل بما يوحي إليه العقل، أي الكلمة الرصينة، الرزينة، الصائبة هي التي ستثبت.
ولا نستغرب أن يكون لسلطات وقوى دينيّة عالمثالثيّة موقف متشنِّج مِنَ الكلمة المقبلة مِنَ الضفّة الأخرى، فدول متقدِّمة غربيّة ويعوَّل عليها في مجال التسامح على خلفيّة استقرارها ونفوذها الواسع هي أيضاً لها مواقف متشنِّجة مِنَ الكلمة المقبلة مِنَ الضفّة الأخرى، ألم تسجن مؤخّراً دولةٌ أوروبيّة مفكِّراً لأنّ له وجهة نظر مناقضة لوجهة نظر المؤسّسة السائدة؟
فماذا يعني هذا الكلام؟ يعني ببساطة أنّ ضِيْقَ الصدر واحد شرقاً وغرباً ولا بدّ للعقل النيِّر مِنْ أن يتقدّم محميّاً مِنْ عموم الناس الذين لهم مصلحة مِنْ تقدّم هذا العقل، وغير ذلك لا يكون إلاّ صراخ مجانين.
أخاطب الكاتب الضوء:
الحال بالغ السوء، يُغتال كاتب ويُهدَّد آخر بالاغتيال وثالث بقتلِ أولادِه ورابع بتطليِقِه مِنْ زوجِه وخامس بالسجن وسادس بتجويعِه أو نفيه، وكذلك يُوصَم الكتاب المختلِف بأنّه أشدّ فتكاً مِنَ المخدّرات فإذا كانت هذه تقتل خلايا في الدماغ فالكتاب المختلف يقتل الدماغ وبالتالي فيجب أن يمرّ الكتاب على رقباء ومنهم إمّا للقرّاء وإمّا إلى المقصلة وكذلك السيناريو والمنحوتة والأغنية.. حيث ما قبل التاريخ طافح بالأمثلة، والعالم العربي في هذه الدائرة التي كلّما تضيق مِنْ هذه الطريق أو تلك رغم كلّ ما يُشاع ويملأ الأسماع عن الحريّة والديمقراطيّة.
والواقع هو أنّ كلّ خلق إبداعي له في المآل الأخير فعل التدمير في الاتّجاهات كافّة: النفسيّة والاجتماعيّة والفنيّة والأدبيّة والفكريّة والاقتصاديّة والسياسيّة.. كلّ خلق إبداعي أكان بالريشة أو بالإزميل أو بالقلم.. له في نهاية المطاف فعل القتل (أصدم هنا بجدار اللغة؟) فبالطبع، وبالجوهر، ليس ذاك التدمير سوى إزالة ركام متراكم معيق، وهو ذاته الذي يخرم الآجال بالعسف، والممتدّ إلى الآن لخلل، مثلما ليس ذلك القتل سوى حذف الميْت.
وليس غريباً بعدُ أنْ تتحرّك الطفيليّات شاهرةً عصيّاً وسواطير وخناجر، إلاّ أنّ للطفيليّات رعاة، فالعالَم الأوّل أو المتقدِّم أو الغربي ها هو له وجهه، وذاته، ولكن ما أكثر الأقنعة، وله وجهته، وذاتها، ولكن ما أكثف الدخان، فالسُبُل لابن المؤسّسة، والعزلة - إنّما برحابة صدر القوي المطمئن - لمن يفضح السخم في المؤسّسة. أترون كيف يُحتفى بمَن يُشيطِن العالمثالثيين مثالاً لا حصراً حتى إذا انفضحت اختلاقاته الحقيرة نُسي فيما يكون البحث في أوجه عن مُشيطِن أكثر احتياطاً وذكاءً؟ أترون كيف يجري التحريض بالجملة والمفرّق على أقوام بعينهم رغم أنّهم جزء مكوِّن اجتماعيّاً، ثقافيّاً، أمنيّاً، اقتصاديّاً، وسياسيّاً للبلد ذاته، وتباعاً بحسب ما تقتضي مصلحة شرِّيرة؟ (زعيم معارضة في ثقافة غربيّة فضح ذلك في كتاب له) أترون كيف يقضي بظروف غامضة 476 مسجوناً من السكّان الأصليين في السنوات العشرين الأخيرة مِنْ دون أن يُحاكَم أحد؟ أترون كيف يُعتقَل مفكِّر لأنّه في كتاب له أخطأ في احتساب الرقم الذي لا كسور فيه؟
الحتمي أنّ القهر نسبي، والإيجاز هو أنّ ظلاًّ في غاية البشاعة وغير طبيعي يحيط بالقلم، بالكتاب، بالعقل أجناساً وألواناً. والمعبَر يوماً ليس ذلك اللغو أو الصراخ الأجوف، لا شيء في الوجود هو لذاته سوى المصطنَع الذي يُحاك في الظلام، والمعبَر ليس في أن تصل بالخصم، بالحوت الذي لا يكتفي بعد بالأصغر إنّما يطلب البحر بتعبير مصيب، المعبَر ليكون الكتاب ليس الاستمساك بذيل، أو الطعن مِنْ أجل ذيل، أو التبرير لذيل، أو التيه بذيل (هم كُثُر، أَوَهذا السقوط - وعيني علي لبنان - مِنْ فراغ؟) إنّما المعبَر في السعي إلى ضوء قد لا تبلغه (أخاطب الكاتب الضوء) المعبَر أن تشير بالإصبع إلى الظلام الذي قد لا تراه، المعبَر أن تري المحطَّم الذي يشيِّد هرمَ العالم، الذي هو صاحب المصلحة بخلقِك النبيل.
وغير ذلك فإلى الطوفان كلَّ عقد مِنَ السنين أو عقدين.
إذا فسدَ المثقّف:
كتب الشاعر العراقي سعدي يوسف بعد طول مراقبة وتتبّع أنّ العراق بتاريخه لم يشهد مثل هذه الخيانات وسط مثقّفيه الذين سرعان ما خلعوا جلودَهم واستبدلوها بأُخرى تتكيّف على نحو فاضِح مع الاحتلال والسلطة الجديدة التي ثبّتها على مقاسات طائفيّة وعرقيّة، وأعذار التكيّف: الادّعاء بالسعي لقيام "عراق جديد، ديمقراطي، سيِّد، مستقلّ"، وذلك مِنْ دون أي سعي جدِّي لطرح السؤال: كيف يمكن بلوغ هذه الأهداف تحت ظلال حِراب المحتلّين وبمعيّة مَنْ صعدوا إلى السلطة بشبهة المتعاونين؟! ومِنْ دون طرح السؤال الجدّي الآخر - مِنْ موقعهم كمثقّفين - وهو هل يمكن فصل الثقافة عن المسائل الوطنيّة وفي مقدّمها المساهمة وبفعاليّة في دحرِ الاحتلال الجاثم على قلبِ الوطن ودحرِ القوي المحليّة المستفيدة مِنْ بقاء الاحتلال ذاته؟!
والمشهد عينه يتكرّر على نحو أو آخر في لبنان بالتزامن مع استصدار القرار رقم 1559 الذي أيّاً يكن القاتل هو المسؤول الأوّل عن اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري وما استتبع من اغتيالات آثمة وتفجيرات متنقِّلة وشرخ لبناني داخلي منه نفذَ (الإسرائيلي) وشنّ على لبنان في تمّوز (يوليو) 2006 حرباً مسعورة بتأييد دولي وعربي، واستخدمَ خلالها قوّة ناريّة لا مثيل لها في تاريخ الحروب ("الإسرائيليّة" - العربيّة)، فمثقّفون لبنانيّون كُثُر كان لهم شأن في موقع الكلمة المعترِضة ضدّ الاستغلال وسلطات الإقطاع بأشكالِه كافّة القديمة البائدة والحديثة المتجدِّدة سرعان ما هم أيضاً ناوروا على مبادئهم أو انقلبوا عليها والتحقوا بركب المستغلِّين والرأسماليين والإقطاع بأشكالِه كافّة وضربوا صفحاً عن كلّ ما يُشير بإصبع اتِّهام إلى أي مسؤوليّة لأميركا عمّا يُصيب لبنان الراهن باعتبارِه مِنْ أثر اللهب المندلع في العراق بفعل جائر مِنْ أميركا ذاتها.!
ومتابعة بسيطة لما يكتبه هؤلاء المثقّفون في صحف لبنانيّة وعربيّة محدّدة، والتملّق المفضوح فيه لجهة عربيّة مِنْ ناحية، والعداء المبالغ فيه لجهة عربيّة أخرى مِنْ ناحية ثانية، تكشف عن انحراف خطير، ما دامت الثقافة لها جادّة وأكثر ما تنبذ ثنائيّة الخير والشرّ، وما دام منطلقها النقد لا مِنْ أجلِ النقد بل مِنْ أجلِ التصويب، ومنطلقها الهدم لا مِنْ أجلِ الهدم بل مِنْ أجل الإعمار، ومنطلقها الانفتاح المبصِر لا الانغلاق والتقوقع، ومنطلقها الإنصاف لا التجنّي، والحريّة لا العبوديّة، والغد الوضّاء لا الأمس، وتحديداً المظلم منه، والحيويّة لا الملل والتعب والاستسلام. والمثقّف إذا رأي في الوجود العسكري السوري على أرض لبنان فظاظة وهو على صواب فلا يمكنه أن يرى في العدوان (الإسرائيلي) الأخير على لبنان أي مبرِّر (لإسرائيل)، والمثقّف إذا رأى في التدخّل السياسي السوري المباشر سابقاً في الشأن اللبناني شبهة وهو محقّ فلا يسعه أن يجد في الاهتمام السياسي الأمريكي الراهن محاولة لإعادة الثقة بلبنان ورأب الصدع بين بنيه، والمثقّف المناهض "للشيطان الأكبر" في لبنان لا يصمت عليه في العراق، وإذا اهتمّ بالانتخابات الفرعيّة في المتن لا يُعطي ظهره للانتخابات الفرعيّة في بيروت، مثلما المثقّف يستنفر لطعن الجيش اللبناني في ظهرِه يستنفر أن يلحق هذا الدمار بمخيّم - مدينة، ويُدلي بدلوه هو لا بدلاء الآخرين الذين لهم حساباتهم المناقضة مرّات بالمطلق لما هو يراه. فأي وجود بعد للثقافة الحقّة إذا فسدَ المثقّف؟
أنتَ لستَ أخي:
وأنا أحشد كلّ طاقتي في عينيّ لكي أرى أكبر قدر مِنْ تفاصيل المكان الذي يحتويني والحركة الدائبة فيه أدفع بذاتي لتكون خلف ستارة غير مرئيّة أو في الوقت ذاته أطفئ ذاتي وأُغرِقُها في الظلمة، والضوء الذي كان موزّعاً بالقسطاط أجعلُه كلّه موضوعيّاً. وأنا في الجانب الآخر مِنَ البرزخ، وهنا المفارقة وبيت القصيد في آن، أكون في الحقيقة حادّ الإنارة، الحضور، ومستجيباً كما ليس أبداً، فبعد ستّ ساعات نوم، وأنا المتطلِّب لعشر ساعات نوم على الأقلّ بسبب الجهد الذي أبذله في محيطِ الفوضى، وتمام الحادية عشرة قبل الظهر أمشي شبه مغمض العينين وأُعدّ لنفسي زهورات.
أُصغي فقط إلى أوّل ثلاثة أخبار في فضائيّة "الجزيرة"، ووجه مِنْ الرباعيّة العربيّة زائد لبنان أراه فأفرك جبيني، وبوجهي إلى الكومبيوتر والإنترنت وبريدي الالكتروني، ولهذا الأخير كلّي أوّلاً، عمدتُ مرّة أن أتقن كيفيّة حجب بريد ما أُسمّيه: ما هبّ ودبّ! وفي يومِ التطبيق كان بريدي الإلكتروني نظيفاً تماماً! أي ولا رسالة واحدة فيه لا مِنْ كريم ولا مِنْ لئيم أو عابث وما شابه، وطبعاً ولا رسالة مِنْ هبّ ودبّ! وأقول الحقّ أنّ النظافة إلى هذا الحدّ ليست مِنَ الإيمان! ومِنْ يومِها صرفتُ النظر تماماً عن تلك الخطوة الجهنميّة: فاكتظّ يا بريدي الإلكتروني بالعسل وإبر النحل.
وجولة أولى على الصحف والمواقع الالكترونيّة التي لي عندها حبيب! وقيل: يا بحر لي عندك حبيب! وحبيب يطلّ وأتفحّصه مِنْ جديد، والتقطُ له صورة أحفظُها في ملفّ حقيقي لا افتراضي، وأستذكرُ الناشِرَ بالخير لأنّه لم يكن أو لأنّها لم تكن أقلّ رقّة. ثمّ جولة سريعة في الاتّجاهات كلِّها، وهذا الموضوع سأقرأه، إنّه عنْ حركة "فاوست" في بيروت ستّ الدنيا! وهذا الموضوع سأقرأه، إنّه عنِ الوضيع، وهذا الموضوع لن أقرأه، فالكاتب إشارتُه في جهة وطاحش على جهة.
إنّها تمام الواحدة مِنْ بعدِ الظهر، زوجتي الآن ستتّصل بي وسيرنّ هاتفي الجوّال، الرقم رقم هاتفها الجوّال، فأربع رنّات قبل أن أردّ، احتيال أبيض، وأشكرُها أنّها أيقظتني، وطبعاً بصوت أجشّ أو تائه، فيجب أن أكون مستعِدّاً للانطلاق إلى مقبرة الأموات الأحياء بالنسبةِ لي طبعاً، فأنا في المآل الأخير يجب أن أكون متواضعاً وأتحدّث عن نفسي، وقطار يمضي، وقطار يصل ليمضي، وكتبَ الشاعر الصديق وديع سعادة عن حالي، والآلاف مِنَ الناس تَشهدهم محطّة (سيدنهام)، وبعد 30 سنة عمل يقول لي أبو شوقي: متى ستطوِّب الحكومة محطّة قطارات باسمك؟ أقلّه قطاراً! وأمّي تبتسم وتقول: الصحيفة والكتاب ولا بأس مِنْ محفظة! والمسافِرون لطفاء، لكنْ لا تعدم مَنْ تقول له: يا أخي! أن يردّ قائلاً: أنتَ لستَ أخي فأنا أبيض وأنتَ أسود.
إنّها العاشرة ليلاً، أنا مُنهَك، وقبل آخِر لقمة، وقبالتي التلفاز، تتثاقل عيناي، وجملة الاستلطاف هي ذاتها وقد حفظتْها زوجتي حنان عن ظهر قلب فتسبقني إليها مبتسِمةً: كم ملعقة منوِّم جعلتِ في الطعام؟، وأستلقي على الأرض مثل راكب ماشي وشادد حافي، وبرامج عالم الحيوان لها المساحة كلّها حتى الواحدة بعد منتصف الليل.
وعودة مع الشراب إلى الكومبيوتر وجولات سندباديّة تعجّ بالأهوال عن البلاد الأمّ والمعذّبين في الأرض، وساعة مع الكتاب الذي يحمل الكلمات ذاتها كعنوان.
الساعة الآن تمام الخامسة فجراً، ألمٌ حادّ يتسلّل إلى أصابع يديّ. أنام كقتيل.