محاصرة الأزمة اللبنانية وفتح الأزمة في فلسطين والعراق وفي النهاية من المسؤول؟!
بقلم: م. سميح خلف
لا ندري من يعتذر لمن، الشعب الفلسطيني يعتذر للنظام العربي، أم يعتذر النظام العربي للفلسطينيين عن ما لحق به من مآسي وويلات وغربة وتشرد وتمييز وقتل من بعض الأنظمة ومنع العمل.
لفت نظري الوثيقة المقدمة من عباس زكي في احتفال انطلاقة الثورة يقدم فيها الاعتذار للإخوة اللبنانيين عما لحق بهم أثناء وجود الثورة الفلسطينية في الساحة اللبنانية وتحت اسم " وثيقة عباس زكي " ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في الساحة اللبنانية.
ونود أن نقول هل العيب في وجود الثورة وتوجهاتها والتي من المفترض أن تتواجد على خطوط التماس والمخيمات الفلسطينية مع العدو الصهيوني ام العيب في جمهورية الفكهاني وشارع الحمراء وبعد ذلك جمهورية فندق أبو النواس في تونس، وجمهورية مستودع "حقات" لتهريب السلع التموينية الممنوحة للقوات في سوق القطاع الخاص في اليمن الجنوبي وكما قال البنغلادش في ذاك الوقت "FATH-COM" الذين استجلبوا ليخدموا الطبقة البرجوازية النامية في حركة فتح وليقوموا بأعمال الطبخ وغيره، سلوك وممارسة تبتعد كل البعد عن منهجية الثورة وسلوكها.
ولكي تأخذ المظاهر حقها لا ننسى أن الثورة الفلسطينية استدرجت أيضا إلى معارك ثانوية تحت رغبة القوى المعادية في جرها خارج خطوطها الرئيسية وكانت القوى المنفذة بعض القوى اللبنانية مثل الكتائب والجيش اللبناني بقيادة سمير جعجع وصاحب السمة الأساسية في الرقص على الحبال وليد جنبلاط.
ولنا أن نتساءل هنا هل يعتذر عباس زكي على مساعدة الثورة الفلسطينية لتنمية قدرات القوى المضطهدة في الساحة اللبنانية وكذلك القوى الوطنية مثل أمل وحزب الله والمد القومي في الساحة اللبنانية، تلك القوى التي وقفت ومازالت تقف ضد المشروع الصهيوني واستجلاب لبنان إلى التوقيع على اتفاقيات ثنائية مع الجانب "الإسرائيلي" على غرار "كامب ديفيد" و"وادي عربة" وغيرها وهي القوى التي أسقطات اتفاقية السلام اللبنانية "الإسرائيلية" في السابق.
وليس مدهشا سلوك الأخ عباس زكي الثائر في وقت الثورة وضغوطها على المترددين والذين هم سريعا ما يغيروا ألوانهم ليصبحوا منظرين ومشرعين للتقارب في اتجاه البرنامج الأمريكي الصهيوني، ونذكر كيف كانت تصريحات عباس زكي قبل أزمة نهر البارد وكيف كانت في مقدمات الأزمة ونهايتها، فكما وعدت أوسلو الشعب الفلسطيني بوجود سويسرا في منطقة الشرق الأوسط أو تيوان والرخاء والأمن تلك الوعود وان اختلف لونها فإنها تؤدي إلى مجرى واحد فقد وعدوا المهاجرين واللاجئين في نهر البارد ببيوت صحية وشوارع متسعة ومرافق حضارية في أسرع وقت ممكن بعد نهاية حسم الموقف ضد جماعة "فتح الإسلام" كما وصفهم الخارجين على القانون والإرهابيين وانتهت معارك البارد ودمرت بيوت المخيم عن بكرة أبيها وبشكل أو بآخر تنصلت حكومة السنيورة من التزاماتها مما جعل عباس زكي وسلطة رام الله أن يعلنوا في الفضائيات عن قبول التبرعات لإغاثة الشعب الفلسطيني في نهر البارد الذي ما زال يتجرع ألام اللجوء والنزوح المتكرر وقائمة الممنوعات من العمل.
ليس غريباً لقيادة مدرسة أوسلو والملتحقين بها مثل عباس زكي وعلى رأس تلك المدرسة عباس زكي الذي تنكر ودحض عملياً وسلوكياً فكر الثورة وفكرة انطلاقتها والوسيلة التي اعتمدت عليها "الكفاح المسلح".
وبمفهوم عباس زكي ولكي تكتمل الصورة للانهيار النضالي والسلوكي أن يعتذر الشعب الفلسطيني للمملكة الأردنية الهاشمية وتواجد قوات الثورة الفلسطينية ونعتذر برغم خسارة الشعب الفلسطيني 10000 من شبابه في معارك أيلول سنة 1970 ويعتذر الشعب الفلسطيني لمحرقة أحراش جرش في عام 1971 وتصفية أهم قيادات الثورة الفلسطينية أبو علي اياد بالمسدس الشخصي لزيد ابن شاكر عموما لا نريد أن ندخل في تلك التفاصيل كثيرا ً فقد سبق أن طلب من القيادة الفلسطينية الاعتذار للإخوة في الكويت وهنا لا أتناول المسألة بجوانبها العاطفية بل السياسية فالإخوة في الكويت كانوا أعمدة من الأعمدة لرفض الثورة الفلسطينية بالأموال اللازمة لاستمرارية البندقية الفلسطينية واعتقد مازالوا كذلك وفي نقطة الحسم الداخلي في داخل حركة فتح بعد الخروج من الأردن ومحاولة بعض القيادات تهميش قيادات أخرى في داخل حركة (فتح) وأهمها أبو إياد كانت الكويت مصدر لإعادة التوازن بين تلك القوى والقيادات وما كانت (عملية ميونخ) إلا إحدى فرض تلك التوازنات التي كانت تحتاج إلى تغذية مالية ولا نريد هن أيضاً أن ندخل في التفاصيل.
إذاً على الشعب الفلسطيني أن يقدم الاعتذار لكل النظام الرسمي العربي على الشعب الفلسطيني الذي قبل أن يكون الجندي المجهول في مناطق اللجوء أن يقدم الاعتذار لعمر قد أفناه وشباب وأجيال وصلت إلى مرحلة الأفول ووريت أجسادها في مناطق اللجوء لما قدموه من تنمية واجهوها بتنكر وحصار وغيره.
على الشعب الفلسطيني أن يقدم الاعتذار لمأساة مقاومة عبد القادر الحسيني حينما حظرت عليه الأسلحة من القيادة العربية واستشهد في معركة القسطل أمام الصهاينة التي كانت يمكن أن تكون معركة حاسمة بين قوى المقاومة الفلسطينية وعصابات "الهاعانا" و"شتيرن" و"أرغون".
هكذا التاريخ يتحدث عن مأساة الشعب الفلسطيني التي آلت إلى أن يقدم السيد عباس زكي الاعتذار للإخوة في لبنان.
ومن أهم عيوب السياسة الفلسطينية في لبنان في السابق هي الرقص على الحبال وعدم تحديد الموقف في اتجاه محدد تجاه القوى المتصارعة في لبنان هي نفس المنهجية التي اتبعت في الأردن أي عدم رغبة القيادة الفلسطينية تحديد جبهة معسكر الأصدقاء وتحديد جبهة معسكر الأعداء، وبذلك ثورة لم تضع لها محددات وتخضع للمتغيرات فقط نهايتها الفشل والانحراف، وما هو حادث الآن أتى الفشل في انجراف تيار فئوي عشائري ليكون أحد مبررات وجوده ومدافعا ً عنها التصنيف بينما هو لاجئ في قيادة الثورة وما هو مواطن أو حاصل على المواطنة الأصلية سواء في الضفة أو غزة أي من تقزيم إلى تقزيم في الآليات والمنهجية وخير ذلك ودليل السلطة وقياداتها ومراكز قواه في الضفة الغربية بعد أحداث غزة وكأن ذلك له بعد مسلكي عملت عليه قوى خارجية ليتم تنفيذه في داخل صفوف حركة فتح باعتبارها هي الفصيل الأكبر سابقاًً.
ولنخرج الآن من سلوك عباس زكي وسلطة رام الله في لبنان التي تخلت عن كل شيء إلا عن مصالحها وفئويتها، إلى المنظومة العربية وفعلها في الساحة اللبنانية والفلسطينية وأعتقد أن جذور الأزمة ومسبباتها تقع في خندق النظام الرسمي العربي في كل من لبنان وفلسطين والعراق فهناك بعض الأقلام تدعي أن سبب الأزمة هو وهم النظام الرسمي العربي وارد على ذلك لو كان النظام الرسمي العربي وهنا ً لما ساد وجوده في إقليميته رغم ممارسته كل ألوان الغبن والاضطهاد للمواطن العربي، ولكن النظام الرسمي العربي نظام منهجي وممنهج بعد فترة من الصراع على تلك المنهجية التي أضعفت بوفاة الرئيس جمال عبد الناصر وأنهيت باغتيال الشهيد صدام حسين.
إذاً الأزمة في فلسطين وأزمة المقاومة مع تيار أوسلو هي في الحقيقة أزمة المقاومة مع سياسة النظام الرسمي العربي ومنهجيتها النابعة من المنهجية الأمريكية، ولذلك الأزمة في الصراع العربي الصهيوني وما تم تحويره في هذا المفهوم " الصراع الفلسطيني الإسرائيلي " كما قلت هي أزمة منهجية عربية أفرزت في الواقع العربي "كامب ديفيد" و"وادي عربة" و"أوسلو" و"خارطة الطريق" وأتى بناء عليها المبادرة العربية ونتج عنها الدمقرطة الأمريكية في فلسطين ونجم عنها أيضا انفصال الضفة عن غزة، ولأن سياسة النظام الرسمي العربي تضع سياسة المكيال بمكيالين وتسير في سلوك الداعم لنشاطات قيادات رام الله الفئوية التي لا تعيش إلا كالطحالب في مغذيات اصطناعية من النظام الرسمي العربي ولم تنتهج تلك الأنظمة خيارات شعوبها في اتجاه دعم شعبها في مساندة ومشاركة الثورة الفلسطينية المسلحة وانتفاضة الشعب الفلسطيني الأولى والثانية، والمتتبع لسلوك النظام الرسمي العربي ومن خلال الجامعة العربية وأمينها العام الذي اعترف بنصف الديمقراطية الفلسطينية ولم يعترف بالنصف الآخر فلقد اعترف النظام الرسمي العربي بشرعية وجود عباس كممثل للشعب الفلسطيني رغم أن الواقع لا يقول كذلك فإنه ممثل من انتخبوه في غزة والضفة ولم يعترف النظام الرسمي العربي بنتائج الدمقرطة التي أتت لحماس كفصيل مقرر في الضفة وغزة.
التعطيل الذي حدث في التئام الجرح الفلسطيني والبرنامج الفلسطيني من اتفاقيات القاهرة وتفاهماتها إلى اتفاق مكة المكرمة أتى التعطيل من التيار المتآمرك في الساحة الفلسطينية، وبرغم ذلك وبالجهود الضعيفة التي مارستها الجامعة العربية كان الفشل سبيلها ولأن النظام العربي لم يراجع سياسته أصلا تجاه الصراع العربي الصهيوني ولم يضع الخيارات والبدائل بل تحجر في طبيعة مفهوم السلام المعتمدة " السلام خيار استراتيجي " ولو تغير البرنامج السياسي العربي ورؤيته للصراع وانحاز لخيار المقاومة لما حدثت الأزمة أيضا في الساحة الفلسطينية ولما انسلخت وانفردت سلطة رام الله بالمقدرات السياسية في المحيط الإقليمي والدولي للشعب الفلسطيني ولما أتت وعود بوش والتوسع في المستوطنات ويهودية الدولة ورفض حق العودة.
ولذلك فتحت الأزمة في الإطار الفلسطيني نتيجة تقاعس وإهمال في نشاطات المنظومة العربية تجاه الوضع في فلسطين وانحيازه للبرنامج التصفوي الذي تقوده حكومة رام الله التي تساند وتأتلف مع التيار المتأمرك بقيادة السنيورة والحريري في لبنان والتي دفع فيها الشعب الفلسطيني في النهر البارد ثمن هذا الائتلاف.
الوضع في لبنان ولو لم تكن الثورة الفلسطينية بعد السبعينات في الساحة اللبنانية وبالحتمية التاريخية وتطور القوى في الساحة لتفجر الصراع بينها ولان الوضع القائم بعد الخمسينات المبني على حكم الطوائف في الساحة اللبنانية كان لن يلبي حجات لبنان وشعب لبنان في القرن 21 ولان هناك قوى مضطهدة وطوائف مضطهدة كان يجب وحتما أن تطالب بحقوقها ومصالحها وبحيث أن المصالح لا تنفصل عن الرؤية السياسية والاقتصادية فهذه فرضيات تفرض نفسها برمجيا على جميع القوى فمنها من انحاز للبرنامج الأمريكي الصهيوني ويريد أن يتمشى ويتناغم مع الرؤية السائدة للنظام الرسمي العربي في التقارب مع "اسرائيل" ولو كان على حساب الشعب الفلسطيني ومنهم من نظر للتاريخ وللمشروع الصهيوني وأعاد أسسه للحملة الصليبية وحملة التتار ومآربها في الوطن العربي ومن هنا وضعت لنفسها محددات وطنية وإسلامية وقومية في مواجهة الأجسام الغريبة في المنطقة العربية وأهمها الصهيونية في فلسطين ولذلك لا أرى مبررات لاعتذار عباس زكي ممثل منظمة التحرير للإخوة في لبنان بل كان من المفروض أن تخرج الثورة الفلسطينية بمحددات لها وموقف وبما أن أصبحت منظمة التحرير تدور في المعسكر الأمريكي وقبلت بإلغاء بنود من الميثاق الوطني وقبلت بخارطة الطريق ووقعت أوسلو فقطعا ستنصاع في سياستها بانحياز إلى التيار الأمريكي في الساحة اللبنانية ولكن من الطبيعي ولو كانت منظمة التحرير الفلسطينية تخوض حركة نضال وطني لانحازت لقوى الرفض والتصدي للمشروع الأمريكي الصهيوني اذا من هنا المعادلة غريبة بل شاذة بين غلاف منظمة التحرير الفلسطينية وممارساتها.
ومن الغريب ان الوضع متشابه ومتكامل في الساحة اللبنانية والفلسطينية وأعتقد انه وحدة متكاملة نرى نشاطات الجامعة العربية المكثفة والمهام المتكررة واجتماعات الوزراء العرب تصب كلها لمحاولة دبلجة للوضع اللبناني ولم ترتكز أيضا تلك الجهات أنها هي المسببة أيضا للتناقض السياسي والبرمجي في الساحة اللبنانية ولأن أساسه وجهات النظر المتعارضة والمتناقضة بخصوص المشروع الصهيوني ونقول أن بدل تكثيف تلك الزيارات الفاشلة التي لن تنجح في التقاء البرنامجين في الساحة اللبنانية كان على المنظومة العربية وحرصها ومصلحتها على شعب لبنان وعلى عروبة لبنان أن تراجع برنامجها ونظرتها للصراع العربي الصهيوني فهو العلاج الناجح في وحدة الصف اللبناني والفلسطيني وباعتبار أن القوى المنحرفة ليس لها مكان سياسي مادام يهدد استقلال لبنان وحقوق الشعب الفلسطيني.
الأزمة والكارثة في العراق أيضا المسبب الرئيسي لها أزمة النظام الرسمي العربي وتنازلاته وأطروحاته بالنسبة للصراع العربي الصهيوني أيضا حيث ارتأت أمريكا و"اسرائيل" وأوروبا أن النظام الشاذ في المنظومة العربية ويدعو للوحدة وعروبة فلسطين وموقفه الثابت تجاه الوجود الصهيوني في فلسطين ارتأت أن الوقت مناسب للهجوم على هذا النظام وعلى الشعب العراقي وكما قال وزير "اسرائيلي" لبوش في زيارته الأخيرة وهو من أصول عراقية "سلام لك من العراق" فقال له بوش "إن العالم أكثر أمنا الآن بعدم وجود صدام حسين"، يقصد بوش قطعنا أمن "اسرائيل" التي تمحورت زيارته حول تأمين هذا الأمن.
إذاً مقدمات غزو العراق في نهاية القرن العشرين كانت بتبويب في أزمة يعاني منها النظام السياسي العربي وبرنامجه ومفاهيمه للصراع العربي الصهيوني ولذلك النظام الرسمي العربي وما قدمه بعد ذلك من مساعدات لوجستية للغزو متهم بالمشاركة بموت أكثر من مليون عراقي وتدمير دولة ذات حضارة وتدمير مفاهيم وعوامل وجود الأمة الإسلامية والعربية وللأسف بعد الغزو وقفت المنظومة العربية موقف المتفرج تجاه كل أفعال قوى الغزو بحق الشعب العراقي وساندت النظام المستورد مثل المالكي والجعفري وعلاوي و زباري وتقف الآن غير قادرة على أخذ أي مبادرة تحمي وحدة العراق ووحدة أراضيه ووحدة مصالحه ولذلك النظام الرسمي العربي متهم أولا وأخيرا على ما يحدث في فلسطين ولبنان والعراق ولولا أزمة النظام الرسمي العربي المزمنة لما اجتاحت اسبانيا جزر في المغرب العربي ولما بقيت جزر الإمارات طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى في حوزة إيران للآن.
إذاً الأمن القومي العربي مهدد ليس من القوى الخارجية بقدر ما هو مهدد من البرنامج السياسي والأمني للمنظومة العربية، والنظام الرسمي العربي لم يستفد من الصراع الإقليمي الآن والدولي الحادث في منطقة الخليج لتعديل أوراقه ومتطلبات المصالح العربية في لبنان وفلسطين والعراق، ولو راجع النظام الرسمي العربي نفسه قليلا لعادت الجزر الإماراتية وجزر المغرب المحتلة من اسبانيا ولما وعد بوش "اسرائيل" بـ"يهودية الدولة" ولما استفحلت "اسرائيل" في غطرستها وبناءها للمستوطنات واغتصاب القدس.