إنهم يؤهّلون كينيا مقراً لقيادة "أفريكوم"!

نصر شمالي- سوريا

يتميّز شعب كينيا بنزعته السلمية في علاقاته الداخلية والخارجية، وكينيا بلد ثريّ بطبيعته الخلاّبة لكنّه فقير من حيث المواد الصناعية، فلا نفط ولا غاز حتى الآن، لكن يبدو أنّ اكتشاف وجود مثل هذه المواد الإستراتيجية قد تحقق مؤخّراً! وفي ميدان العلاقات السياسية الخارجية حاولت الحكومات الكينية المتعاقبة أن تلعب دائماً دور وسيط السلام، وتساهلت مع الدول الاستعمارية، خاصة مع الولايات المتحدة، لتلافي شرورها، فقد دخلت مع واشنطن في تحالف ضد"الإرهاب" بعد تفجير السفارتين الأمريكية والفرنسية عام ،1998 وبالإجمال لم تترك حجّة لمن يفكّر بتفجير أوضاعها الداخلية كما حدث لكثير من البلدان المنكوبة الأخرى، لكنّ ذلك كلّه لم يشفع لها كما يبدو، وها هي الأجهزة الأمريكية الصهيونية تحاول إحراقها بعود ثقاب مشتعل هو نتاج الانتخابات الرئاسية، فلماذا تفعل واشنطن ذلك ببلد مسالم متعاون معها في حدود طاقته؟

من المعروف أنّ الولايات المتحدة لا تقدم على اقتحام بلد من البلدان، وتدميره وإعادة تشكيله على هواها، إلاّ في حال توفّر شروط ثلاثة جميعها أو بعضها، وهذه الشروط هي: أولاً، أن يكون البلد غنيّاً بالمواد الإستراتيجية وأولها النفط. ثانياً، وجود نظام حكم يعتمد سياسة غير حكيمة. ثالثاً، وجود انقسامات داخلية اجتماعية تأخذ وضع اضطرابات سياسية! وبالطبع فإنّ الشرطين الأخيرين في حال توفّرهما يساعدان من أجل تحقيق الهدف الذي يتضمنّه الشرط الأول، وقد رأينا ذلك بمجمله يطبّق في عدد من الدول الأفريقية كما هو الحال اليوم في السودان، فأين موقع كينيا من ذلك كلّه؟

إنّ كينيا في وضعها الراهن دولة تحدّها الصومال من الشرق والسودان من الغرب، حيث الصراعات المعلنة والمقنّعة على أشدّها بين الأمريكيين وبين شعبي البلدين، وما يحدث في هذين البلدين يأتي في سياق السعي الأمريكي المحموم للسيطرة المحكمة على مجمل منطقة غرب أفريقيا بموقعها الإستراتيجي وبثرواتها من النفط والذهب واليورانيوم والنحاس.. الخ، ولتحقيق هذه السيطرة أعدّ قسم أفريقيا في الخارجية الأمريكية منذ عهد الرئيس كلينتون برنامجاً يقضي بتقسيم الوحدات الجغرافية الأفريقية الكبرى إلى مجموعات صغيرة كثيرة على رأسها إدارات ذاتية تسهل السيطرة عليها، وإنّ هذه السياسة الأمريكية هي عين ما نراه يحدث في السودان وفي الصومال على شكل اضطرابات اجتماعية، أو ضغوط خارجية سياسية واقتصادية، أو تدخّل عسكري مباشر كلما اقتضى الأمر ذلك!

وقد رأينا الأمريكيين في السودان يقدّمون لقوى المعارضة الدعم السياسي والمادي والعسكري عبر دول الجوار ودول القرن الأفريقي، ويدرّبون مقاتليها في أوغندا وفي رواندا، ثم ينقلون ميدان الصراع الرئيسي إلى إقليم دارفور السوداني الغربي ويتسللون إليه عبر دول الجوار في وسط أفريقيا! وجدير بالذكر أنّ للسودان حدودا دولية مع ثماني دول أفريقية، وأنه حلقة وصل ضخمة بين غرب أفريقيا ووسطها وبين شمالها وجنوبها! وهكذا فإن كينيا مهما كانت مسالمة ومحايدة ومتعاونة لا تستطيع أن تكون في منأى عن أتون الحرب الدائرة على امتداد غرب أفريقيا والقرن الأفريقي حتى تشاد وأفريقيا الوسطى، فالمطلوب من العاصمة الكينية نيروبي، على سبيل المثال لا الحصر، ضمان الحيلولة دون سيطرة المقاومة على الصومال (التي هي تنظيم القاعدة حسب الأمريكيين) وبالفعل تعاونت الوحدات العسكرية الأمريكية مع الحكومتين الأثيوبية والكينية في العامين 2006 و 2007 لدحر قوات المحاكم الإسلامية عن العاصمة الصومالية مقديشو، وعبرت تلك الوحدات الأمريكية الخاصة الحدود الكينية والأثيوبية في طريقها إلى الصومال، فكيف يمكن أن تبقى نيروبي بعد ذلك في منأى، خاصة إذا أخذنا في الحسبان الأهمية الإستراتيجية لميناء مومباسا الكيني الذي يشكل بوابة عبور الطاقة إلى العديد من الدول الأفريقية، وإذا أخذنا في الحسبان أيضاً وجود قاعدة عسكرية أمريكية مهمّة في مومباسا!

يعيد الباحث الأمريكي غاريت جونز (معهد الشؤون الخارجية للأبحاث) التعاون الأمريكي الكيني إلى مطلع سبعينيات القرن الماضي، حيث كانت واشنطن تبحث حينئذ عن معابر لسفنها الحربية على مقربة من الخليج العربي، فاستجابت الحكومة الكينية وقدّمت ميناء مومباسا المطل على المحيط الهندي، ومنذ العام 1976 زوّدت حكومة الرئيس جيرالد فورد نيروبي بأول سرب من الطائرات الأمريكية المقاتلة في مواجهة أثيوبيا والصومال (البلدين اليساريين حينئذ) وفي العام 1980 منحتها حكومة الرئيس جيمي كارتر مساعدة عسكرية قيمتها 26 مليون دولار مقابل المساهمة في ضمان أمن السفن الأمريكية التي تنقل النفط عبر المحيط الهندي (صحيفة "السفير" البيروتية 17/1/2008) وفي حزيران 2006 صرّح الرئيس جورج بوش أنّ لدى العديد من الدول الأفريقية الإرادة لمكافحة الإرهاب، وأنّه سوف يمنح هذه الدول الأدوات والموارد لكسب هذه الحرب! وبالطبع كان ذلك التصريح يندرج تحت الشعار الذي اعتمده بوش وهو: من ليس معنا فهو ضدّنا! والبلد الذي يكون معهم يجب أن يحارب في ركابهم ونيابة عنهم! وعلى هذا الأساس حصلت كينيا في ذلك العام من عهد بوش على 369 مليون دولار كمساعدات من أجل "السلام والتدريب العسكري"! أمّا في العام 2007 فقد حصلت نيروبي على مساعدة أمريكية بلغت حوالي 541 مليون دولار تتضمن مخصصات للجيش الكيني على شكل آليات وعتاد لمكافحة الشغب، وهو "الشغب الديمقراطي" الذي يجري اليوم قمعه بقسوة شديدة بوساطة الآليات والعتاد الأمريكي!

لقد صنّفت كينيا، شاءت أم أبت، شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة! ولعل الاضطراب الذي يعصف بها اليوم يعود في أحد أهمّ أسبابه إلى أنّ هناك من يقبل هذه الشراكة وهناك من يأباها، وهو ما عبّرت عنه نتائج الانتخابات الرئاسية، أمّا لماذا لا تتورّع واشنطن عن تدمير هذا البلد المسالم المتعاون فإنّ ذلك يعود، حسب مصادر الأخبار، إلى مسألتين عظيمتي الأهمية: الأولى هي توقيع الحكومة الكينية اتفاقاً مع الصين للتنقيب عن النفط الذي أصبح وجوده محتملاً بقوة وبكميات ضخمة في كينيا على السواحل وفي المياه الإقليمية، فكيف تسمح واشنطن للصينيين في كينيا بما تحاربهم من أجله في السودان? والمسألة الثانية هي أنّ الولايات المتحدة تبحث عن بلد أفريقي ملائم يكون مقرّاً للقيادة العسكرية المركزية الخاصة بالقارة الأفريقية كلها (أفريكوم). إنّه المركز العسكري الأمريكي الذي تقرّر أن يكون قائماً وفي الخدمة اعتباراً من الخريف المقبل في العام الحالي 2008.

وإنّ المهام التي ستوكل إلى هذا المركز(حسبما نقلت حنان جمعاوي في "السفير" عن الخبير الأمريكي بول روجرز) هي محاربة الإرهاب الدولي أولاً، وضمان الموارد النفطية الأمريكية ثانياً، وإيقاف التوغّل الصيني في القارة الأفريقية ثالثاً! فإذا كانت كينيا قد اختيرت من قبل واشنطن وانتهى الأمر لتكون مقرّاً لهذا المركز الخطير فإنّ عملية تدميرها من أجل إعادة تشكيلها قبل الخريف المقبل تصبح مفهومة تماماً، ويصبح مفهوماً تماماً أيضاً أن المقصود بشعار محاربة الإرهاب الدولي هو محاربة أيّ عائق يعرقل تدفّق الموارد النفطية الأمريكية، وأنّ الشعب الكيني الذي يعيش أكثر من نصفه تحت خطّ الفقر قد عدّ من المعوّقات، خاصة إذا كان مرتاحاً للاتفاقية النزيهة العادلة التي وقّعتها حكومته مع الرئيس الصيني أثناء جولته الأفريقية ما بين 27-30 نيسان الماضي!