ما في جوهر الأمة أقوى من كل داء
والثورة هي العلاج
الأستاذ الهادي المثلوثي - تونس
كثير هم المتسائلون عن أمة العرب التي قيل عنها خير أمة أخرجت للناس وكثير هم المشككون في القوى الحية الكامنة تحت أنقاض التخلف والمحاصرة خلف أسوار التجزئة والرازحة تحت كوابيس الاستبداد والأجهزة القمعية القطرية، وكثير هم المروجون لفشل المشاريع الوحدوية واستحالة تحقيق النهضة العربية الشاملة وضمان الأمن العربي المشترك.
والحقيقة وبقليل من الوعي الصادق والتحليل النزيه يدرك المنتمون حقا إلى واقعهم والمؤمنون صدقا بإرادتهم أن هذه التساؤلات "التشكيكية والتشاؤمية" لا تراود غير المحبطين والأغبياء أو المنبتين والمرتدين عن عروبتهم وعقيدتهم، أو المناوئين والمتآمرين على تاريخ الأمة وعلى مصيرها حاضرا ومستقبلا، ولا شك أن هؤلاء هم السلاح الأمضى الذي يستفيد منه الأعداء ويستخدمونه في تعميق التجزئة والعجز وتأبيد الهزيمة والإحباط، ولا شك أن هؤلاء يجدون في ذلك ما يحقق مصالحهم الفردية والفئوية فتراهم أشد حرصا على التمسك بالتبعية الثقافية والعلمية والسياسية والاقتصادية وحرصهم يزداد تعلقا بالولاء والتطبيع مع أعداء الأمة وسعيهم يبدو حثيثا إلى تقويض وجودها، فبقدر ما يعمل هؤلاء على تهويل التخلف وتكريس الهزيمة وشد الأمة إلى الحضيض يجعلون من التبعية جسر نجاة من التخلف، ومن الاستسلام منفذ خلاص من المواجهة، ومن التطبيع وسيلة لكسب السلام.
فمثل هؤلاء لا دين لهم ولا أمة تتشرف بانتمائهم ولذا اختاروا سياسة الاحتماء بأعداء العروبة والإسلام تأسيا بمبدأ (من يعجز عن تحقيق كرامته ونيل حريته يستظل بقوة غالبه ويسلك منهج الطاعة والولاء)، فهذه بعض أنظمتنا العتيدة تستقوي على شعوبها بولائها المطلق للأجنبي وهذه بعض النخب السياسية تحتمي بمد علاقاتها إلى قوى خارجية لكسب الاعتراف والتأييد، وهذه فلول المرتدين والمنبتين من (أهل الفكر التائه والثقافة المستلبة والفن الخاوي) ومن معتنقي الليبرالية الجديدة تستغل رياح العولمة لتكون مطية لسموم الغزو الثقافي وتطبيع التفاعل والعلاقات مع أعداء الحرية والإنسانية وحماة الصهيونية والاستكبار العنصري.
من المؤكد أن الأمة منكوبة بهؤلاء ومن المؤكد أنهم لا يمثلون إرادتها وتطلعها مهما كثرت أعدادهم وعلا شأنهم، فهم الأمراض التي تفتك بمجموع الأمة وتديم انتكاساتها ونكباتها ولكن ما في جوهر الأمة أقوى من كل داء وتبقى الأصول أصولا ولو طالت الفروع عنان السماء.
إن ما يراه المؤمنون والمنتمون والمتفائلون تعمى عنه أبصار ضعفاء الإرادة وفاقدي الإيمان والانتماء. فخير ما في الأمة ليس خافيا وخروجها على الناس انتصارا للحق وردا للعدوان تشهد به جبهات المواجهة والممانعة في أكثر من مكان. ويكفي أن تكون وقفة شهيد العصر صدام حسين المبدئية والنضالية عنوانا لأصالة الأمة الحقيقية في أعلى مستوياتها ودليلا على أن في الأمة أحرار وأوفياء يعبرون عن إرادتها المتمسكة بالجهاد خيارا للتعبير عن الكرامة والعزة حتى الاستشهاد.
وامتدادا لهذا المشهد البطولي، أليس في صولات وصمود رجال المقاومة العربية والإسلامية في بلاد الرافدين وفلسطين والصومال وعربستان وباقي الأرض العربية وكذلك فئات الشعب العربي الحاضنة للفعل المقاوم والرافضة للظلم والاستسلام والمتشبثة بإيمانها وانتمائها ما يعبر عن أن الأمة العربية كانت ولا زالت خير أمة تجد في الجهاد سبيلها إلى الحياة الحرة والكريمة ومن خلاله تعبر عن رسالتها التوحيدية وما فيها من قيم الحرية والعدل والمساواة والتسامح والتضامن؟. أليس في قوافل الشهداء ما يؤكد قيم التضحية بالنفس من أجل العزة والكرامة والدفاع عن الأرض ورد العدوان؟. إن أمة الخير والنهي عن المنكر ودرء الفساد في الأرض ليست في كثرة أفرادها وإنما في تضحيات وعطاء القليل من أبنائها الأوفياء بلا حدود ولا تحسب ولا خوف من الاستبداد المحلي والجبروت الأجنبي المتسلط. وإن كان لا بد من نموذج لهذه الأمة فهم الشهداء وهم في هذا العصر ليسوا قلة منذ وقعت الأمة تحت الهيمنة الاستعمارية المباشرة أو فريسة الأنظمة الانفصالية الفاسدة والمستبدة التي نشأت تحت عباءة القوى الخارجية وبرعاية منها لتكون استمرارا لها حتى صارت التبعية نوعا من الاستعمار المبطن والاستبداد المحلي أداة له، وهكذا نشأت عائلات وفئات حاكمة هي بمثابة عصابات وكيلة تحتكر السلطة وتنهب الثروة الوطنية وتحمي مصالح حلفائها من القوى الاستعمارية. وعليه فمن يأتي إلى سدة الحكم لا بد أن يحكم بمنطق الوصي الوارث للسلطة ويعمل على تأبيد بقائه على العرش محتميا في ذلك بتعميق التبعية والولاء للأجنبي على حساب كرامة وسيادة ومصلحة الشعب والوطن كلما لزم الأمر واقتضى الحال.
وإن كان هناك محاولات لتغيير المشهد السياسي الخانق برفع شعارات الإصلاح والتجديد فهي لن تمس بفكرة احتكار السلطة ولن تحد من التبعية ولن تصب مطلقا في مصلحة المواطن والأمة بل تعمق الهوة بين الحاكم والمحكوم قطريا وتعمق التمزق العربي على الصعيد القومي بما يضعف حال الأمة أمنيا وسياسيا واقتصاديا. وقد برهنت كل التوجهات والسياسات القطرية العملية أن الديمقراطية والتداول على السلطة والوحدة العربية والتكامل الاقتصادي والأمن القومي المشترك كلها تطلعات شعبية حقيقية ولكنها على مستوى الخطاب السياسي الرسمي لا تعدو كونها ولن تكون إلا محض شعارات ظرفية للتمويه والإغراء لاستيعاب واحتواء إرادة المواطنين لكسب ثقتهم وتأييدهم ومن ثم الانقلاب عليهم لمصادرة طموحاتهم وأحلامهم بشتى وسائل التهميش والإقصاء والقمع والترهيب حتى أنك لا تستطيع أن تجد نظاما عربيا واحدا لا يوصف بالاستبداد السياسي والفساد المالي وبالاستحواذ الدائم على مقاليد السلطة وسبل جمع الثروة، ولا شك أن مثل هذه الفئات الحاكمة والموالين لها لا يعبرون عن صورة وجوهر الأمة بل هم الداء الذي ينخر كيانها ويُقطع أوصالها ويستنزف قدراتها ويُعطل نهوضها واتحاد قواها.
فكيف السبيل إلى الخلاص من العدوان الأجنبي ومن الاعتداء الداخلي على كرامة وإرادة وحقوق الأمة؟؟. لا خلاص من الداء قبل معرفة أسبابه وأشكاله وآليات استئصاله.
لا شك أن الأنظمة القائمة هي الداء عينه وأسبابه المباشرة تكمن في عدم شرعيتها لكونها مغتصبة للسلطة ومحتكرة للثروة وبالتالي فهي تعمل على مصادرة إرادة الشعب وتملّك الدولة برمتها. سياساتها فاسدة واستراتيجياتها فاشلة مهما كان شكل أو نمط نظام الحكم لأنها جميعها صنيعة المدرسة الاستعمارية أو سليلة الخيانة والرجعية العربية. فهي في جميع الأحوال تستمد بقاءها من ولائها للمناهضين للوحدة العربية ولتحرر الأمة، فهذا النمط أو الصنف من الأنظمة لا يستجيب بالقدر الكافي للإصلاحات السياسية الحقيقية ولا يجد في الديمقراطية ضمانة للاستمرار إلا في حالة الديمقراطية المشروطة والتعددية المقيدة بـ:
1 - تأبيد شرعية حزب الأغلبية (وهي الأحزاب المحتكرة لتاريخ النضال التحرري وصاحبة الفضل المزعوم في إنشاء الدولة القطرية الحديثة) ولذا تعتبر ذلك مبررا للاستحواذ على مقاليد الحكم وتوارثها كاستحقاق تاريخي وهي تستخدم كل الوسائل لربط مصير الحزب بمصير الدولة وعدم الفصل بين السلطات وبين رئاسة الحزب ورئاسة الدولة وتعتبر الانتخابات مجرد تزكية لها.
2 - تأييد شرعية العائلة المالكة (وهي العائلات المحتكرة لأركان العرش واستحقاق الشرعية الدينية والتاريخية مثل آل سعود والهاشميين وآل الصباح وغيرهم...).
وأيا كان صنف الحكم فالنتيجة واحدة هي الاستحواذ على قدرات الدولة وفرض الوصاية على الشعب بمختلف وسائل الخداع والاستبداد، فمنذ ما يزيد عن نصف قرن والأنظمة العربية لا تنفك تمعن في إضعاف الأمة وتبديد ثرواتها والتفريط في أمنها وسيادتها بتمتين التبعية للأجنبي وتعميق الفرقة البينية.
وهكذا لا يمكن أن تجد حقوق الإنسان والحريات الفردية وحق الأمة في الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية والنهضة عموما طريقها إلى التحقق إلا عبر اكتساب الفرد للوعي بحقوق المواطنة وما تقتضيه من حقوق الشراكة في صنع القرار وتقرير المصير وبالعيش الحر والآمن والتمتع العادل بالخدمات وبثروات الوطن.
وحتى لا يكتمل وعي الإنسان العربي وتنضج ثقافته بحقوق المواطنة عملت الأنظمة القائمة والدوائر الداعمة لها على إغراق الوطن العربي في قضايا وأزمات سياسية لا مخرج منها إلا بالمزيد من الضعف والتشتت بما يوفر المزيد من التدخل الأجنبي والتنافر العربي، أما على المستوى المحلي فقد أدت السياسات القطرية الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية إلى تآكل المجتمع العربي تحت وطأة الهموم اليومية ومطرقة الاستبداد والقهر وها هي أجيال الشباب تتخبط في شراك الإحباط والبطالة والأمية بعد تفقيرها فكريا وثقافيا بما قوض إيمانها وانتماءها وحطم إرادتها فتاهت في زحمة الفشل والضياع، فأي مستقبل ينتظرها وقد أعدت أنظمة الفساد والاستبداد قوانين مكافحة الإرهاب لأنها تدرك وبدفع من حلفائها أن سياسات القهر والتهميش وما تفرزه من فقر مادي وثقافي لا تنتج غير التطرف والتمرد والانحراف والعنف المادي واللفظي داخل المجتمع المنهك وفي صفوف الشباب المحبط خصوصا، وها نحن نشهد تشديد القبضة الأمنية وتنمية الأجهزة القمعية وعوض أن تقود الأنظمة الحاكمة معركة التنمية الشاملة وتشن حربا على الفساد الإداري والمالي المستشري في مؤسساتها نجدها تخوض حربا ضارية لاحتواء منظمات المجتمع المدني وتفكيك الاتحادات النقابية والأحزاب المعارضة وملاحقة خلايا التمرد والتطرف التي أفرزها "إرهاب الأنظمة" نفسها وسياساتها الفاشلة.
الأكيد، رغم قتامة المشهد ورداءة الوضع، أن الإنسان العربي قد بدأ يستعيد الوعي بأن مصدر خذلانه وإذلاله هو حاكمه وأن مرجع الفساد ومنبته في النظام القائم وأن قضية التحرر والعدل واستعادة الحقوق وضمان السيادة ونجاح التنمية لا تكفلها الأنظمة الفاسدة والتابعة.
إذن، بات واضحة أن الشعب العربي مطالب برفع صوته عاليا "كفى ظلما أيتها الأنظمة، لم يبق ما نخسره في حماك"، لا بيعة ولا تمديد لأنظمة تحكم بالنار والحديد، ولا شك أن ما في الأمة من قوى حية لها كل الأسباب والمبررات لتعلن التمرد والعصيان وتمارس حق الدفاع عن النفس وعن مستقبل الأجيال بمختلف وسائل المواجهة والتحرر من الظلم والعدوان، وهل يوجد غير الثورة لاستئصال الداء الكامن فينا وردع الأعداء؟
20/1/2008