كنت في غزة ..

مريم الراوي

- 1 -

عزمت المضي إلى جنتي المتقدة بالحب والنار والجنون أحياناً.. لم يثنني عن قراري ملامح الشقاء المتكدسة كأكوام من الغضب على وجوه الخارجين عن قانون البقاء.

ما أن استقليت السيارة حتى بدأ القلب بالخفقان وألف سؤال يدور ويلتف ويتخبط كالأعمى مابين زوايا العقل الشارد في ملكوت الان.

تمضي الساعات ويمضي معها الترقب ويتصاعد الشوق لتتعالى أدخنة الدعاء بانتظار أن يفتحوا لنا الطريق لاعتلاء "جسر السلام".. ويا لها من ساعة وقفناها ندور حول أنفسنا، وكل من ينزل من سيارته يحملق في سموات لا نهاية لها من الأمنيات، يتوافدون تباعاً ومعهم ألف إشاعة عن إغلاق الجسر والدرب الموصلة للضفة الأخرى، فتنهار الشمس وتكاد أن تختفي بين أكف السماء، وما بين الحيرة وعدم الإدراك لما يحدث، يأتينا رجل ليخبرنا عن درب مختصر فنهرول نحوه بلهفة علنا نخرج من بين كم السيارات والشاحنات العملاقة، لكن لا سبيل أيضاً للخروج، فجميع السيارات تعود كما أتت محملةً بالرجال والنساء والأطفال والمتاع، ولا فرار أبداً من التوقف والانتظار.

ويطووووول الانتظار ومع كل لحظة تأتي للسائق صرخة (دُفعة) يسمع صداها النائم في قوقعة النسيان.. وما أن يبتلع المسكين هذه (التهزيئة) حتى يتلقفه (دُفعة) أخرى.. وطبعا على (عينك يا ضابط).

المهم، وأنا كالملكة متوجه في مكاني أبتسم للهواء وللحظ التعيس الذي جعلني آتي في هذا الوقت، وبعد طوول (قرف) من الإشاعات حيث كانت لوحدها مصدر إزعاج وملل، وبعد أن فرغ الطابور وكان موعد سيارتنا رمقني الضابط المتكرش بنظرة ثاقبة وسألني من أين أنتِ، فأجبته بثقة أخت العمياء: من العراق، مع نظرة جل ترجمتها (شمعنا) وضحكة رنانة تدور في أذني، ليعلوا مع رفع حاجبي بشكل ارستقراطي بحت، مأخوذ من كم الأفلام التي شاهدتها أغنية خلفية لمجموعة من الشباب وهم ينشدون: "من هنا بنقول أرضنا.. أرضنا أمنا عرضنا وإن مات ملايين مننا القدس حترجع لنا لناااااااااااا"..

لا أدري ما سر هطول هذه الأغنية على الموقف، لكني حين قلت اسم العراق أحسست كأني جندي بانتظار أن يدخل أرض المعركة وأن يثبت نفسه في لحظته الحاسمة.

 

- 2 -

وبالفعل اعتلينا "جسر السلام"، هذا الجسر الجميل الطووووويل، حتى أني ما أن رأيته حتى أمنيت النفس (بغفوة صغيرة) لتريحني من شد الأعصاب الذي كاد أن يذهب بما متبقي من عقلي.. لكن هيهات.. فمنظر النيل المبهر، وحديث السائق عن (خط بارليف) جعلني أتنطط في مكاني وأطلقها كلمة (يا حلاوة يا ولاد) ورفعت رأسي إلى السماء وكاد عنقي أن يخرج من سقف السيارة لولا قدرة الله في إخماد ما يمكن إخماده من غرور وعزة بالنفس فلطشني بـ(كمين) بآخر الجسر.

فتحولت (يا حلاوة يا ولاد) إلى (ألطف يا رب، الستر يا قادر).. وكان الله كما هو لطيف جبار قااادر.. خرجنا بسلام وكأننا ملائكة لا نرى.. ياللــه.. هذا ما قالته النفس بسرور ما أن خرجنا من بين الدفعة وضابطهم الذي كان أقرب إلى مخبر من كونه ضابط، نظرا للمعطف الأزرق والنظارات السوادء والشعر (المسبسب) والحذاء (اللميـع).. حتى ليخيل لك أنه ذاهب لحفلة زفاف أو إحدى حفلات التكريم التي تهتم بطقوس الأناقة.

لا يهم، ليكن كما يشاء هذا الضابط (حليوة)، (مش حليوة) المهم أنهم لا يدققوا كثيراً ويدعونا نمر كأي مواطن له الحق في رؤية وطنه بعد طول شوق وفراق.

وهنا بدأت النفس تهدأ وتهدأ وساعتها غفت العين لكن الله يمهل ولا يهمل، جاءنا خبر هام من السائق وقد نقله عن مصدر موثوق وهي العين حيث أنه قد شاهد (كمين) آخر، وصلاة النبي أحسن، واستعدي يا باتعة.. وارتعشي أيتها الأيادي، وأنا أستعد لملاقاة الضابط الذي رجوت وصليت أن يكون (حليوة) في التعامل، ففي هذه اللحظات لا فرق بين جميل وقبيح، حيث تتساوى جميع الملامح، ولا يبقى سوى وجه ربك و(جدعنة) الضباط.

الضابط وهو نسخة أخرى من المخبر الأنيق الذي سبقه وأطلق على نفسه ضابطاً برغم أن جميع الدلالات تؤكد على أنهم من جهة أخرررررررررى تماماً..

الضابط: أنت مين فين يا فندم؟

أنا بازبهلال: العراق.

الضابط: لك كتير في مصر؟

أنا بذهول: 3 سنين حضرتك..

الضابط: حلوة مصر؟

أنا وأوركسترا من ورائي تنادي: نااااااااااااااااصر يا حرية.. أم الدنيا مصر..

فأشار بيديه الكريمة، إن أدخلي واذهبي واسرحي..

وأشرت لليمونة الصفراء الجالسة خلف المقود والتي يطلق عليها في الأيام العادية (أسطي)، أشرت له إن أنطلق وخلصناااااااااااااااااااااااااا..

وفعلا انطلقنا وانطلقت عصافير الكون تلاحق ما تبقى من وطن يداعب خيالاتنا ورغبتنا باالوصول والخلاص من القلق.

 

- 3 -

مرت ساعات، ومررنا بأماكن لا توصف سوى بالروعة والجمال المبهر..

وأنا ما بين جمالها وتعب الانتظار ممزقة، ترنو عيوني إلى آخر نقطة في الطريق علّ فلسطين تغفو هناك، فأصلها سريعاً، لأرى ذلك الوطن الحبيب..

وعند المساء، وقد طالت الخطى وزادت اللوعة، أطل الشيخ زويد، من بين ثنايا البيوت والأشجار، كعتبة للآتي من عريش تنام عند حافات الوطن الشاهد على همجية المحتل والغاصب..

وها هنا بدأت بنات أفكاري بالرقص والتصفيق بنشيد الأطفال العراقي المعروف "وصلنا وصلنا اجى الواوي وأكلنا"..

وأنا أضحك وابتسم للمارين، ولي رغبة أن أعانقهم جميعهم ففيهم رائحة فلسطين..

لكني صعقت، فهؤلاء عرايشية، وليسوا بفلسطينيين..

يا إلهي!!! أين الأحبة إذا؟؟ وبينما كنت أبحث بنظري عن وجوه جزمت أني سأعرفها ما أن يطالها بصري إلا أن شيئاً كان يؤلمني ويدفعني إلى الصراخ: فأطلقتها وبفم ملئ بالوجع:

جـــــوعانة

وقد كانت جميع المحلات مقفلة، ولا من محل يبشرك ولو حتى برغيف خبز!!!..

(تعاليلي يمة) معقول (انضربت بومبة يا رجالة) وهنا تحدث إلى الأسطى ليوقف السيارة..

أنا بغضب: استنه يا اسطى، هو شو فيه؟؟ روح إسأل الراجل والست دي..

نزل المسكين تعباً ورجع هرماً..

أنا بترقب: خير شو فيه؟؟

الأسطى: المحلات مقفلة حتى يخرج آخر فلسطيني من العريش، منعت البضائع من الدخول إلى العريش حتى إشعار آخر وجميع المحلات الآن فارغة نتيجة لعملية التبضع الذي قام بها الفلسطينيون..

أنا بفخر: عفية أبوي أبوي..

الأسطى فاتحا فـــاه: هااااااااا..

أنا مرة أخرى أحادثه لكن هذه المرة وأنا أخرج من السيارة: يلا شوفلي سيارة تروح لرفح الفلسطينية.. (عايزة أتشرد يا ولاد)..

الأسطى: رفـــح، يهديكي يرضيكي.. إن من يذهب لا يعود، حضرتك..

وحضرتي لم يعره انتباها ولا اهتماماً، وصرخت بأعلى الصوت، تااااااااااااااااااكسي..

فجاءني المخلص العرايشي المهضوم: أبو نور، شاب في مقتبل الثلاثيات لكنه (سوسة)، وشخصية مرحة.. أسعدني حقا التعامل معه، عكس الليمونة الصفراء التي نغصت عليّ طوال الطريق نتيجة لفزعه من ظله..

ما عليناااااا.. كان أبو نور، ما أن يعبر كمين حتى يلتفت إلي تاركاً المقود ويقول:- "الحمد لله ع السلامة".. وأطلقها ضحكة لكنها لم تكن رنانة هذه المرة، وأخبره:- "الله يسلمك، فاضل كم على فلسطين" ويجلس يضحك ويحكيني-: إنتي مجنونة يا شيخة؟؟ إحنا في فلسطين..

- فلسطين؟!!! رفح؟؟!!! كيف والشرطة المصرية موجودة؟؟!

- يا شيخة، إنتي مالك علاقة، بوصلك بوصلك بس انكتمي شوي دوختي راسي!!!

ويسير أبو نور باتجاه بوابة صلاح الدين، ومن ورائه مئات السيارات العائدة..

ولا تزل الأوركسترا تنشد من ورائي لكن هذه المرة بصوت عبد الحليم وبرومانسية غريب: راجع راجع راجع تاني، راجع بعد الشوء ما ضناني فوء الشوء فوووووء الشووووووء"..

والأعلام ترفرف والدنيا بترقص، ويتوقف..

- ليشش توقفت يا عمي؟؟

- اسكتني خلينا ناخد هي الراجل العجوز وزوجته معنا حرام كبار ومطر..

- أوكي يا بو نور..

 

- 4 -

وصعدت الحاجة بجنبي، هي وحقيبتها، حاجة بسيطة ينطق الفقر من بين ملابسها ويصرخ الحال مستغيثها بالله.. بيضاء طويلة، ذات قوام ممتلئ لكنها تشي جمال في شبابها مع قليل من الجنون وكثير من الفضول..

والحاج احمد، زوجها الختيار، رجل طويل، ممتلئ، مرح، عصبي، شقي وهو في هذا العمر فما بالك في شبابه؟؟..

ما أن جلست إلى جانبي حتى أخرجت من حقيبتها خيار وخبز.. وقدمته لنا قائلة بصوت يخبرك عن تعب وإرهاق: شكلك جعانة يا بنتي خدي كولي..

وأنا يا عيني، ماصدقت، التهمتها حتى كدت أن أقضم يد الحاجة لولا لطف الله..

كانت هذه أولى العلامات التي تشير إلى أن ظني لم يخب بالفلسطينية..

بالرغم من الفقر لكن الكرم كان حاضراً..

وفي أثناء أكلي للخيارة والخبز اللذيذ كان أبو نور هو الآخر يقضم من الخيارة ويتكلم إلى الحاج الذي التفت بدوره إلي وأخبرني إنتي مش فلسطينية إنتي مغربة.. بتعرفي تحكي عربي ولك؟؟؟ فابتسمت، وأخبرته بأني من العراق.. أبهرني كيف أن هذا الرجل وزوجته انتفضوا من مكانهم وصرخوا بصوت واحد: الله إذا أنت فلسطينية أيضا لا فرق بيننا.. الله يرحم صدام حسين.. قتلوه الكلاب الخونه.. شوفي يا بنتي وهذا الكلام للحاج احمد: إنتي اليوم بتتعشي عنا وبتنامي عنا وتتعرفي على أهلنا.. إنتي منا وفينا، وأيدته في ذلك زوجته التي بدأت بالربت على كتفي، وقالتلي: أنا زي أمك يا حبيبتي..

وبينما كانت قلوبنا تتعانق في هذه اللحظة حتى صدح أبو نور بصوته العالي: ولك إنتِ بنت حلال، إنت وجهك وجه خير.. ضربه الحاج احمد على كتفه ونهره: اتكلم بصوت واطي، راح يصير فيي القلب من صريخك.. فضحكنا جميعاً..

تناول الحاج احمد حبة الدواء وهو يطلب من زوجته الماء.. يا حاجة فين المية؟؟ فين المية يا حاجة؟؟ ولك يا هبلة المية؟؟ ولا نداءءءءء فبصق بحبة الدواء واستدار عليها قائلا: ارتحتي رميتها!! ولكن هيهات أن تسمعه الحاجة فعيونها معلقة على دكان وبما أنها من ذوات الوزن الثقيل فكانت كل حركة تقوم بها تجعلني التصق أكثر وأكثر بنافذة السيارة وأدركت حينها أنها لم تعد ترى، لكن فضولها قتلها.. وفعلاً صرخت بالحاج احمد صرخة زلزلت أركان السيارة: يا ااااااااااااااااااااااااااحمد، شو بدنا ندخل وإيدنا فاضية؟؟ مانوخد صندوء شيبسي؟؟؟ يا ااااااااااااااااااااحمد، لا خاروف؟؟ كيف يعني؟؟

بدي انزل الحين وأشوف شو بالدكانة؟؟ نزلني هون ولك..

أبو نور والضحكة تملء فمه: يا حاجة فين رايحة؟؟ اللاصة (الطينة) بكل مكان والمطر والدكان فارغ أصلا..

الحاج احمد: اخمدي يا مرة اخمدي..

وهي كقطار لم تعد جميع المحطات تهمها بشيء ولا حتى الأصوات تردعها لا ولا النداءات بالتعقل، فنزلت من السيارة تتدحرج ما بين الواقفين والماشين، والحاج احمد يصرخ بأبو نور: اتركها للهبلة وامشي..

وفعلا مشى أبو نور ونحن نضحك عليها لأنها كانت تحاول اللحاق بنا، لكن بالطبع لم تسعفها صحتها ولاعمرها العتي، فتوقف أبو نور لتعود ثانية الحاجة إلى وضعها السابق وحديثها مع الحاج احمد..

 

- 5 -

وفجأة وقبل بوابة صلاح الدين بقليل، قرر الحاج احمد:

يلا انزلوا من السيارة خلص من هون راح نمشي..

يا عمي ربي يهديك يرضيك.. الدنيا مطرة وطينة وو..

ولا يمكن، قرر الرجل الختيار قرارا لا رجعة فيه.. فنزلنا جميعنا، والحاجة تمسك بكتفي والحاج احمد يمسك بذراعي.

إنتي من دون العالم أمانة.. أوعاكي تمشي بعيد..

وأنا أضحك، كيف يعني أمشي بعيد وأنتوا محاوطيني؟؟؟

ومشيناااااااااااااااا ربع ساعة في المطر والوحل (لاصة).. واقتربنا من عملاق يصحو تارة ليغفو في اماكن اخرى تارة ثانية..

إنه "الزينكو" "الجدار الحديدي الأحمر" الذي فجره الفلسطينيون للعبور إلى الضفة الأخرى..

عبرنااااااااااااا "الزينكو" وتراقصنا فوقهه ومن شدة خوف الحاجة عليّ وقعت في الوحلة.. والحاج احمد يضحك ويقول: أحسن بتستاهل مشان تبطل تحكي.. هههههههههه

شو هاي يا عمو؟؟

هي يا ستي محطة بهلول.. وهي البناية الي قدامها المكسرة والمخرمة بالرصاص، كان في ثلاث جنود "اسرائليين" هدموا المبنى عليهم فجروو، وكان يتكلم بفخر واعتزاز، فأخبرته بأن النصر قريب، فغمز لي بإحدى عينيه، لأرى شبابا يحملون السلاح، كانوا مميزين جدا، ليس لأنهم يحملون بنادق فقط، لكن صغر سنهم، ونظافة شكلهم ولحاهم الطويلة تخبرك بأنهم من "كانوا مع الوطن واليوم ضده".. فبكت قلوبنا دم بصمت، على بلادنا التي ترزح تحت ظلم أبنائها وعلى عجز التواقين للحرية والنصر..

وفي تلك اللحظة، وأنا أقف أمام محطة بهلول، والأنوار تضرب على الوجوه التعبة، والقسمات التي تنتظر حكم الإغلاق والإعدام.. امتزجت الروح بجميع الأصوات والرؤى، وتعلقت العيون بأياد الفقراء تشدها للغد ولنهار آخر ينبأ بالبقاء..

ولكن....

رحلة العودة إلى الوطن لم تكتمل بعد.. واللذة لم تنطفئ في القلب، حتى هذه اللحظة.. حتى المستحيل يومها، أضحى محض أكذوبة مهملة ومجموعة خرافات تفتقر للصدق.. فها أنا أمامكم عراقية في غزة كنت.. لم تمنعني رماح الأمطار، ولا أرصفة تضج بالأقدام، من العبور إلى معبودتي فلسطين.. بل كانت تلك اللحظة ميداني الذي عليّ أن أنتزع النصر من عيون النار

وألقيها قبس يضئ ليل الفقراء العطشى للغد والحرية والوطن..

ها أنا ذا، عاشقة تعمدت من هواء فلسطين، وبجميل نهارات غزة بروزت ذاكرتي وحياتي..

فهيا أيها الواقفون عند عتبات الإنتظار، قبلوا هذه الأقدام فقد وطأت أرض الأحلام..

ويا غزة

يا كل فلسطين.. لنا عودة..

"فمن يمسك بجمر عشقك لا يمكن له سوى الارتواء من أحضان قربك"