قراءة في صورة العجز العربي أمام عنفوان غزة

"اسرائيل" الجنون قبل الهزيمة

محمد لافي "الجبريني"

الحصار لغزة الذي تواصل تصعيديا بقطع إمدادات الوقود، الغذاء والدواء عن القطاع لفت النظر بعد أيام من الحراك الشعبي إلى حالة الوضع العربي مرة أخرى، والى السياسة المتبعة من قبل النظام الرسمي العربي لتجاوز مثل حالات الإحراج هذه، عبر وسائل كلاسيكية يتم استخدامها بنجاح كل مرة تعيد المزاج الشعبي إلى ما كان عليه - الاهتمام بنمط العيش، الخدمات والمشاكل الفردية الداخلية!

وا معتصماه.. ممنوع من الصرف

فبعد تأخر أي تصريح رسمي -يتوقع منه طبيعيا الاستنكار على الأقل، بدا واضحا أن ما يشغل القيادات العربية أمر أهم مما يحدث ويمكن أن يصل إليه في فلسطين وغزة تحديدا، التي تسير النظام فيها حكومة غير مرحب بها عربيا ودوليا، بسبب ما يقال عن كونها جاءت بعد انقلاب على "شرعية" السلطة في رام الله المرحب بها دوليا وعربيا وفق ما بات يسمى "الشرعية الدولية"، بعد أن استحوذ على اهتمامها تصاعد وتيرة الصراع في لبنان بين الأيادي الدولية المنقسمة بتأثرها بين الولايات الأمريكية، وبين إيران، وثالثة اتخذت الحياد مصحوبا بالقلق مما قد يؤل إليه النفوذ هناك، لتجد دول ما يسمى بالاعتدال العربي – التعريف الأمريكي للدول الموالية لها - في دعوات عقد قمة عربية طارئة المنفذ لها لاعتماد أعلى درجات الحلول في مثل هذه الحالات لمواكبة المزاج الشعبي، ليس لنصرة غزة كما يفترض، بل لسحب البساط من تحت دمشق التي ستستضيف القمة العربية العادية المفترض عقدها في آذار القادم، وهو ما سيجعل عقد القمة في موعدها مستبعدا.

أما لماذا نفترض أن القمة الطارئة وان اتخذت من غزة عنوانا فهي ليست عمليا لنصرتها، فهذا لأن موعد تلك القمة الطارئة سيكون نهاية شباط، أي بعد أكثر من شهر على التصعيد في الحصار، والذي بات يعني أن انقضاء كل ساعة فيه تعني رحيل شهيد آخر إما بسبب افتقاد الدواء أو لأي علة يكون سببها الحصار وانقطاع المواد الأساسية، علاوة على أن الوضع الاقتصادي العربي والمرتبط سواده الأعظم بالدولار الأمريكي والبورصة الأمريكية بأنواعها، يعاني ترديا بسبب ما أمست عليه الأحوال الراكدة أمريكيا، خاصة مع محاولات الدول البترولية تخفيض سعر برميل البترول الذي أثر عكسيا بالدولار، وكلها عوامل تجد فيها تلك الدول استراتيجيا ذات أولوية، لا يمكن التغاضي عنها، بعد أن أكد أهدافها بوش في زيارته الأخيرة للمنطقة وهي التي تضع على المحك ضمنيا استقرار تلك الدول التي تعتقد أن ثباتها مرهون بابتسامة بوش.

وعود عاصفة

بالمقابل كان هناك طرف عربي أساسي لا يمكن إغفاله، فرض بصمته على ما تتعرض له وسيصل إليه القطاع الفلسطيني، فقد شكل الخطاب الأخير للامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله زوبعة سياسية بعثرت إلى حد ما بعض تفاصيل الخطط الأمريكية والصهيونية في المنطقة، وربما شكلت حاجزا ما أمام المزيد من التصعيد على جبهة غزة، خاصة بعد ردود الفعل المشدوهة على الصعيد السياسي والشعبي الصهيوني، وهو ما ألقى بظلاله على حالة الترقب العام لما سيحمله التقرير الختامي لـ"لجنة فينوغراد" عن حرب تموز، وما يتوقع منه أن يطيح بحكومة "اولمرت"، التي حاول رئيسها استباق التقرير بتصعيد تجاه غزة في محاولة لكسب تأييد المستوطنات وقطاع واسع من السياسيين وقادة الجيش، إلا أن حديث نصر الله عن أشلاء جنود صهاينة هدف منها كما يرى محللون إعادة الحياة إلى المسار التفاوضي، ثم تهديده الواضح والصريح للجيش الصهيوني بأنه لن يسكت على الاعتداءات المتكررة على الجنوب – وهو الذي يحظى بمصداقية عالية لدى الجمهور الصهيوني- أعاد بلا شك حسابات القيادة "الاسرائيلية" لتوازن بين أولوياتها إن كانت بالاستعداد سياسيا وعسكريا لمواجهة أخرى مع الشمال، أم الاستمرار في التصعيد تجاه غزة، في حين ترى الإدارة الأمريكية أن وضع حلفائها في لبنان لم يعد مشجعا بعد خطاب عاشوراء، الذي تقصد "حزب الله" من خلاله توجيه العديد من الرسائل في اتجاهات متعددة، بدءا من التنظيم الحاشد والمنضبط، مرورا ببروز أمينه العام المختفي منذ أشهر من وسط الجماهير دون خوف من الاغتيال، وليس انتهاء بالخطاب الناري وما تبعه من ملحقات من قبل قيادات الحزب.

بيد الشيطان

فلسطينيا الحال لم يختلف كثيرا، وهو المتأثر دائما بالتباينات الدولية، والاستقطابات العربية منذ نشوء منظمة التحرير بمبادرة عربية عام 64، إلا أنه هذه المرة حمل مفاجئات من ناحية مستوى العدائية الداخلية بين قطبي الصراع الفلسطيني، لم تصل إليها في اشد حالات الخلاف الفلسطيني الداخلي. فلأول مرة يتحالف طرف فلسطيني ما مع سياسة الاحتلال بهذه العلنية ضد طرف فلسطيني آخر، وهو ما يشير إلى حالة من انعدام التوازن الوطني، والخلل في تركيبة البناء السياسي، عبرت عنه أصوات داخل حركة فتح، بدءا من الشماتة باستشهاد ابن محمود الزهار، مرورا بتحميل حركة (حماس) مسؤولية الحصار وحتى الشعب الذي انتخباها، إلى وصف الفلسطينيات اللائي تجاوزن بوابة رفح في مسيرتهن الثلاثاء الماضي بأقذع الصفات، وليس انتهاء باعتبار أن "هناك مبالغة في وصف حالة الحصار في غزة واعتبار أن الأوضاع ليست بذلك السوء" وهي للمتابع ليست مجرد أصوات غوغائية تصدر هنا أو هناك، بل أمسى جليا أنها ضمن أجندة وسياسة مدروسة ضمن الحملة الإعلامية، النفسية والسياسية ليس على حماس وحسب بل وعلى جماهير القطاع، في تماهي غير مبرر مع أهدف العدو في ذات المجال، عبرت عنها معظم المواقع الالكترونية والجرائد وتلفزيون فلسطين التابعة لفتح.

هذه الحالة الانهزامية لسلطة رام الله لا تنفصل بطبيعة الحال عن الحالة العربية عموما، التي أخذت جرعة مضاعفة بعد زيارة بوش الأخيرة للتأكيد على مقررات "أنابوليس"، عبر عنها بوضوح مختصر عزام الأحمد رئيس كتلة فتح في المجلس التشريعي قائلا في تعليقه على أحداث غزة على فضائية المنار اللبنانية أن "كل شيء بيد "اسرائيل" حتى الهواء، وأننا – السلطة في رام الله - لا نخجل من القول أننا نتعامل مع "اسرائيل"، لأن ما هو غير ذلك غير منطقي" وفق ما قاله الأحمد مساء الأربعاء الماضي.

"اليسارية" الذيلية

أما على صعيد باقي المنظمات الفلسطينية خاصة تلك التي تشكل منظمة التحرير الفلسطينية خاصة ذات التوجه اليساري، فلم يطرأ أي جديد على مواقفها التي هي غدت بعد أوسلو لا تمثل رأيا جذريا مستقلا بقدر ما تكون تابعة لهذا الاتجاه أو ذلك، وفصائل المنظمة اتبعت ذات البراغماتية بالانحياز إلى سلطة الرئيس عباس ضد حماس، فيما اختارت البقية بما فيه (جبهة القيادة العامة، الجهاد الإسلامي وحماس) أخذ صفة الأحزاب المعارضة عبر تبنيها مؤتمر دمشق الذي بدأ أعماله صباح الأربعاء، والذي جاء تحت شعار الوحدة والوطنية والدولة الفلسطينية على حدود 67، في إشارة هزلية سياسيا للمعارضة الصالونية، فرغم مناداتها المستمرة بالمقاومة، إلا أنها تتبنى ذات السقف الذي بنيت عليه أوسلو وظهرت عليها السلطة الفلسطينية التي طالما نددت بها تلك الفصائل، فيما تروج للجماهير عدم اعترافها بالكيان الصهيوني، واستمرار المقاومة، وهي كما يرى المحلل د. ابراهيم علوش حالة لا تختلف كثيرا عن أحزاب المعارضة العربية، ما يدخلها في باب النفاق السياسي، الذي يحاول حمل أكثر من بطيخة في يد واحدة – المقاومة المسلحة حتى التحرير والاعتراف الضمني بوجود الاحتلال.

النصر ممكن ولكن

"اسرائيليا"، كشفت المقاومة والصمود في غزة عن هشاشة الموقف "الاسرائيلي"، وقصر نفسه في المواجهات طويلة الأمد، وما التصعيد الوحشي الذي قام به الاحتلال لخنق القطاع حتى وصل الأمر لقطع كل أسباب الحياة عنه – عدى الهواء - إلا دليل على فشل استراتيجية الاغتيالات والضغط السياسي وقطع الارتباط مع القطاع لإسقاط _حماس) ومشروع المقاومة هناك، ومن نافلة القول أن الصواريخ الفلسطينية – على عكس ما يقال عن عبثيتها - الآخذة بالتطور قد أثبتت صدارتها كسلاح استراتيجي زلزل الكيان السياسي للاحتلال وفكك فكرة التناغم الشعبي فيه بعد ما حصل في مستوطناته الجنوبية، إلى الدرجة التي بات فيها وجود "اولمرت" مرهونا بإيجاد حل لتلك الصواريخ، مقابل عدم الضغط عليه كثيرا بعد تقرير "فينوغراد" المرتقب والمهدد بوضوح لـ"أولمرت"، وقد راهن "اولمرت" على التغاضي الدولي عما سيكون في غزة، في حين يراهن على الزمن الذي سيرهق فيه الفلسطينيين لإسقاط حكومة حماس، ضمن استراتيجية لن تغفل أيضا الاغتيالات والهجمات الدموية، وهو ما أثبت فشله حتى الآن، ويتوقع أن يؤدي فعليا إلى رحيل "اولمرت"، بل وتأثير جذري في السياسة "الاسرائيلية" التي أثبتت مرارا أنها لا تفهم إلا لغة القوة، وكان أخرها حرب تموز في لبنان التي جرتها إلى طاولة التفاوض لتحرير الأسرى، والتي عادت بعد خطاب نصر الله لتعطي غزة وقتا تأخذ نفسها فيه.

لقد دفعت غزة طوال سنوات الصراع العربي الصهيوني الثمن الأعلى مرارا، وهي اليوم تستمر في ذات الايديولوجيا الشعبية المقاومة التي تبنتها فطريا، وهو ما يمكن الرهان عليه، في حال واحد وهو عدم تخلي العرب عن الشعب هناك، الذين سيشكل صمودهم ورقة قوة لكافة الدول العربية أكثر مما قد تفعله عشرات الابتسامات من بوش، أو خبراء الاقتصاد والسياسة الأمريكيين.