غزة تفرش السجادة الحمراء

سيف بوش.. دم على فلسطين، عين على إيران!

محمد لافي "الجبريني"

تأكيدا على السعي لإبراز واحدة من أهم ثمار زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى المنطقة العربية وفلسطين المحتلة تحديدا، وقبيل زيارة وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس للإطلاع على ما تم انجازه، اختتم المفاوض "الاسرائيلي" – برئاسة تسيبي ليفني- لقائه مع شريكه الفلسطيني – برئاسة قريع - اجتماعهم المبدئي ضمن سلسلة لقاءات - تعهد الفلسطينيون بالسعي لإنجاحها، وعبر "الاسرائيليون" عن عدم اقتناعهم بجدواها - في القدس مساء الاثنين الماضي بعملية عسكرية في غزة صباح الثلاثاء أسفرت عن ارتقاء العشرات من الشهداء وأضعافهم من الجرحى جلهم من السكان في منطقة حي الزيتون، إضافة لكوادر من (كتائب القسام) الذين تصدوا لآليات وطيران الاحتلال.

نعيق الغراب

الرئيس بوش أكد قلق الجمهور العربي من النتائج التي ستنعطف إليها منطقتهم بعد جولته شبه الختامية قبيل رحيله المرتقب خلال عام عن البيت الأبيض، التي كانت أولى تجلياتها في فلسطين المحتلة وقبل أن تجف دموعه عن بلاط متحف ما يسمى "ضحايا الهولكوست"، وقبل أن يشرع مضيفيه في بدأ جولة جديدة من جدليات الدائرة المفرغة تحت اسم "مفاوضات الوضع النهائي" عبر عملية عسكرية هي الأضخم بين سلسلة العمليات التي سبقت وزامنت ثم أعقبت تلك الزيارة، مستفيدة من الضوء الأخضر الأزلي من الإدارة الأمريكية لضرب المقاومة الفلسطينية والتأكيد الأخير عليها في "أنابوليس" وما بعدها، والمباركة الضمنية من سلطة رام الله، عبر الدعم السياسي والإعلامي، تمثل بمواقف وزير خارجيتها الأمريكي الجنسية "سلام فياض"، حين أكد مرارا على التعاون ألامني مع الاحتلال في ملاحقة المقاومين، أخرها المساهمة في اسر مجموعة من كوادر حماس وتسليمهم للاحتلال.

لا للحوار نعم للمفاوضات

فبعد تصريحاته التي تعمد تكرارها مرارا بهدف حفرها في الذهن العربي أكثر مما أراد منها طمأنة الحركة الصهيونية، عن سعيه لتمكين وتثبيت "دولة اسرائيل" كدولة يهودية، لم يكون الصوت الرسمي الفلسطيني بمنأى عن اشاعة فرص جديدة لاتهامه بالتماهي مع أهداف الاحتلال ومصالح الإدارة الأمريكية، ليس عبر تجاهله لتلك التصريحات وحسب، ولا عن تأكيده على استمراره للمفاوضات تحت اي ظرف، بل والتأكيد على أن العدو الرسمي لها بات هو المقاومة الفلسطينية، عبر الهجوم على حركة حماس ليس بوصفها حركة او حزبا فلسطينيا منافسا، ولا حتى لإشكالية الحسم العسكري في غزة كما جرت العادة، بل صعد ليعادي ما تمثله من الصورة الأكثر تجليا للمقاومة الفلسطينية بعد الأرضية التي شكلتها لفصائل المقاومة في قطاع غزة، وهو ما جاء على لسان رئيس السلطة في رام الله محمود عباس في كلمته امام اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، واضعا شروطه للحوار مع حماس بالعودة عن نتائج الحسم في غزة، ومضيفا عليها ما فاجئ الجميع، بمن فيهم قادة فتحاويون بأن من شروطه أيضا هو الاعتراف بما يسمى الشرعية الدولية، إي تلك التي تتبناها وتقودها - بعد أن تكون قد صاغتها - الإدارة الأمريكية والتي وضعت بنودها نصب أعين المؤتمرين.

وسوى الروم خلف ظهرك روم..

ربما يكون السعي الرسمي الفلسطيني للدفاع عن مكانته هي ما تجعله يفرز مثل تلك المواقف التي لا زالت تثير الرأي العالمي بقدر ما يستهجنها الرأي الفلسطيني، بعدما المح بوش بوضوح كما أورد تلفزيون دمشق بأن "على عباس ان يتوقع مصيرا مشابها للراحل ياسر عرفات اذا ما تهاون في مطاردة المقاومة"، وهو ما سعى رئيس سلطة رام الله الى استرضائه بعد تلك الجهود الحثيثة لتبرئة الرئيس الأمريكي من اي دعم لمثل تلك المجازر المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، فعدا عن تجاهل الرد على توجيهات بوش بضرب المقاومة، كانت أولى تصريحات وزير الإعلام في حكومة تسيير الاعلام رياض المالكي هو ان تلك العملية جاءت ضمن (تلك العمليات المستمرة قبل زيارة بوش) في محاولة ايحائية بأنها لم تكن بمباركة امريكية، وهو الادعاء الذي لا يلق قبولا خاصة ان كل الوقائع والتصريحات تشير بوضوح أن هناك قرارا رسميا بتصفية المقاومة، بدأ بالضفة الغربية عبر ملاحقة اخر جيوب المقاومة لكتائب شهداء الاقصى التابعة لفتح، ممن رفضوا تسليم أسلحتهم والتخلي عن المقاومة، والمساعدة في تصفية وجودهم التنظيمي، وما تبعها من مطاردة لا تنتهي لخلايا باقي الفصائل العسكرية النشطة بتسلسل ظهر كم هو مدروس، ابتدأ بالأضعف سياسيا او عسكريا او تعمقا شعبيا، فكانت البداية بضرب آخر خلايا كتائب الشهيد أبو علي مصطفى المستندة لأيديولوجيا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والتي بات جناحها السياسي في فلسطين بقيادة عبد الرحيم ملوح من أهم حلفاء محمود عباس الى الدرجة التي عارض فيها قرار المكتب السياسي في دمشق بالمشاركة في مؤتمر الفصائل الفلسطينية هناك. مرورا بسريا القدس التابعة للجهاد الإسلامي، وليس اخيرا كتائب القسام التي تتم محاصرتها بعمليات منهجية تشارك فيها القوات الخاصة الصهيونية، مدعومة بالمعلومات الاستخبارية الفلسطينية.

جحيم على شاطئ البحر

الواضح من الامر هو ان ما يجري ما هو الا جزء من خطة تهدف الى عزل قطاع غزة المحرر عن اي امتداد مقاوم، أو حتى مساندة شعبية، تهيئة لعملية النفس الطويل، وهو ليس الاسم الحقيقي للعملية "الاسرائيلية"، ولكن هو ما يشير الى التكتيك المتبع في غزة تحديدا وللمقاومة عموما عبر عمليات الاستنزاف المستمرة وتأجيل الاجتياح الكامل دون إلغاءه. فلطالما جرى الحديث واسهب المحللون عن عملية جذرية واسعة تخوضها قوات الاحتلال باتجاه غزة، وهو ما نفاه واستبعد حدوثه رئيس وزراء الكيان اولمرت في الوقت الحالي، ولا يبدو كاذبا كليا في رأيه، الذي عبر عنه غداة العملية في غزة التي قضى فيها نجل القيادي في حماس محمود الزهار بعد استشهاد بكره الأول قبل أربع سنوات، من ان مثل هذه العمليات لا تعني قرب اجتياح كامل للقطاع، بل هي تأتي ضمن عملية تسعى للمحافظة على أمن المستوطنات "الاسرائيلية" في الجنوب.

وإذا صدقنا جزئيا نصف الكلام فلا يعني اخذه على عواهنه، فبطبيعة الحال لن تكون التصريحات خصوصا ما يتعلق منها بالمسائل الميدانية خادمة للرأي العام، بل هي جزء من الحرب النفسية والتشتيت الذهني للأعداء، وإذا تذرع اولمرت بأن الفصائل في غزة باتت اكثر قدرة واحسن تجهيزا، قد يأتي من باب التعمية على اجتياح سيتم في اي لحظة، الا ان النظرة الى الظروف الداخلية "الاسرائيلية" تظهر ان اولمرت بحاجة اكثر من اي وقت مضى الى عملية عسكرية تلبي نداءات جماهير المستوطنين واليهود في العالم، اضافة لحاجته لنصر ما للتغطية على تقرير فينوغراد خاصة الجزء الثاني منه والذي لا يبدو انه لصالحه.

الدخول إلى طروادة

ما يبدو أكيدا هو أن اولمرت لا يعوز التأييد السياسي أكثر مما هو حاصل في هذا التوقيت، فعلاوة على الدعم السلطوي الفلسطيني، يعرف أن فرصته هي قبل نهاية ولاية بوش، الذي ما بات يخشى أي شيء بقدر ما يرغب بتأكيد أيديولوجيا المحافظين وسياسة الجمهوريين في واشنطن، وعليه فإن اغلب العمليات "الاسرائيلية" لا تظهر كرد فعل على أعمال المقاومة، بل هي ضمن استراتيجيات وتكتيكات مدروسة من قبل مصادر صنع القرار "الاسرئيلي" والأمريكي، بعيدا عن الارتجالية. وما تصريحات الرد او الثأر الا كواجهة إعلامية ترويجية تبغي محاصرة الفعل المقاوم شعبيا بعد ترويج فكرة أو مثال "الصواريخ العبثية"، أي أن ضرر الفعل المقاوم أكثر من فائدته، وعليه فإن سلسلة العمليات في غزة جاءت ضمن تلك التكتيكات، والهدف بات أكثر وضوحا وتجليا، تشديد الحصار على غزة ضمن تكتيكات الحصار طويل الأمد أحد أقدم التكتيكات الحربية في العالم، والذي استخدم حديثا ضد العراق –حصاره استمر 13 عاما- ضد كوريا الشمالية، يوغسلافيا السابقة وايران.

ماذا جرى في حي الزيتون

وعليه فإن جيش الاحتلال يدرس الوضع بجدية شديدة قبل اقدامه على عملية عسكرية كبرى، فوفق تقارير صهيونية فقد أسفرت اخر دراسة للجيش الصهيوني أن عملية في هذا الوقت ستسفر عن مقتل 71 صهيونيا في ال24 ساعة الأولى، وهو ما حدا به إلى إعادة دراسة العملية والتعديل عليها وربما تأجيلها ريثما يستعد الجيش لمعركته الحاسمة كما يفترض، وان كان يبدو أن ارتفاع عدد الشهداء في العملية الأخيرة دليل على تفوق ميداني كبير لصالح الاحتلال، فهذا يصح من ناحية التجهيزات العسكرية، ولا يصح من منطلق عدم استعداد المقاومة، فالمعروف ان منطقة حي الزيتون هي منطقة مكشوفة بلا بنايات او سواتر طبيعية، جعلت وحدات التصدي الأولية في المقاومة بوضع مكشوف أمام طيران العدو ومراقيب دباباته، وجاء التأكيد بعد القصف الشرس والغير مسبوق للمستوطنات، ما أعطى انطباعا واضحا بأن المقاومة الفلسطينية لم تكشف كل ما لديها، وان التهدئة السابقة كانت معنية بالظروف السياسية، إلا أنها في حالة الاشتباك ستقدم مفاجآت عملية فهمها الجيش وربما ساهمت في تأجيله لعملية الاجتياح.

الهروب إلى الجحيم

يبق القول أن نجاح مخططات الإدارة الأمريكية وعملية برية واسعة او محدودة مركزة ينفذها جيش الاحتلال مرهون بالموقف السياسي الفلسطيني الرسمي، وطالما كان الوضع ضعيفا فهو لن يكشف ظهر المقاومة فحسب، بل سيكون بمثابة مسمار في نعش تلك السلطة التي ستسهم في انقلاب الجماهير عليه، فالمفاوضات لن تجلب اكثر مما فعلت، وتذمر القيادة الفلسطينية من ان مثل هذه العمليات تضعف موقف المفاوض هو بلا شك استهتار بالدم الفلسطيني، وعملية اغتيال نوعية تستهدف قادة حماس وعلى رأسهم اسماعيل هنية كما توعد اولمرت لن تفيد مهما أبدت الإدارة الأمريكية والاحتلال رضا لسلطة رام الله على حساب رضا الشعب الفلسطيني.

ونختم بما جاء في مقال للصحفي الصهيوني "عكيفا الدار" من صحيفة "هارتس" فإن (شن عملية عسكرية ضد حماس في غزة لن يؤدي فقط الى عدم تعزيز مكانة ابو مازن في المناطق، بل ستكون ضربة قاصمة له وربما تؤدي الى سيطرة حماس على الضفة. صور القتلى والجرحى الفلسطينيين في القطاع ستحبط ما تبقى من احتمالية التزام فتح بتعهدها في المجال الامني ليس في غزة فقط وانما في الضفة ايضاً وفقاً للمرحلة الاولى من خريطة الطريق. فتح ستتحول في نظر الجمهور الفلسطيني الى توأم الجيش جنوب لبنان وانصارها في غزة سيضطرون للالتحاق بصفوف حماس حتى يحموا انفسهم . تعزيز قوة حماس سيعمق تأثير ايران وحزب الله في المناطق. عملية انابوليس ستنهار ويسقط معها ابو مازن وحل الدولتين. في غياب حكم مركزي سيتورط الجيش "الاسرائيلي" في المستنقع الغزاوي ويتحمل مسؤولية الكارثه الانسانية التي تحدث هناك من الآن.)

فهل سيكون هناك تغيير في المواقف أم ستواجه غزة وحيدة هدايا بوش، في ظل انزياح بصري سياسي عربي إن لم نقل حولا، يرى في ايران العدو الاستراتيجي الرئيسي، ولا يرى ما يجري في فلسطين؟!