محددات الوطنية اللبنانية

محمد علي الحلبي - سوريا

للسياسات العالمية تشعبات ففيها ثوابت شبه دائمة، وأساليب متغيرة وفق الظروف الخاضعة لعوامل عدة تتداخل فيها عوامل قوة وضعف القوى المادية، العسكرية، الاقتصادية، والاجتماعية لمجتمع ما فتغير توجهاتها سلباً أو إيجاباً مع بقاء وثبات الأسس المعتمدة للأهداف المرجوة المرسومة والمراد الوصول إلى نتائجها وتحقيقها.

جميعها لم تعد مغارات وكهوف أسرار،بل الكثير...الكثير منها بدأ يتوضح ويتكشف تباعاً عبر أجهزة الإعلام و الدراسات المتأنية المتبصرة لوثائق يسهل الوصول إليها من خلال التقنيات الحديثة شريطة التقيد بضوابط ومنهجية العقل وقواعد المنطق....وعدم الابتعاد عنها جميعها.

وفي هذه الأيام الحبلى بأجنة الشر والظلم والاستغلال في وطننا العربي،سواء أكان الحمل بفعل عوامل محلية أو بنتيجة تآمرات معادية غريبة عنه، وحرصاً منا على الوطن والأوطان يتزايد الالتزام بالمنطق والعقل والعقلانية مع عزل لكل محركات الانفعال والانجرار وراء حالات النزق والتطرف، قادتني هذه المقدمة لأثبت قواعد المنهج العلمي ومكوناته في جميع السياسات وهي:

1 - مبدأ السببية طاغ على حركات الإنسان منذ بدء الكون وحتى اليوم، وسيبقى إلى نهايته شاملاً متضمناً كل تنوعاتها،أكانت لتلبية احتياجات عادية بسيطة أم مركبة، فرفه العين وحركة اليد وسرعة الجري جميعها تدفعها أسباب متدرجة من الحماية إلى الحاجة إلى اختصار الوقت والزمن، وتتعاظم وتصبح خطرة عندما تتجسد في مصالح أمة أو شعب، والحضارة الحديثة بشقها المادي دفعت بالمصالح إلى ذروتها فأصبحت الركن والسبب الأساسي لكل ما نراه اليوم من سياسات سميت بالاستعمار وبعد تطوره نعت بالإمبريالية.. سواء أكانت هذه الإمبريالية محصورة في بقعة وبلد محددين أو إمبريالية عالمية.

2 – التاريخ، ففي أحداثه التي مرت خلاصات عِبر ودروس واقعية وفي الحيد والبعد عنها جرائم ترتكب بحق الموطن والوطن سيما إن كانت أحداثا لم يمض عليها ردح من الزمن وما زالت تختزنها الذاكرة.

3 - في الزمن المعاصر ونتيجة لسرعة التواصل العالمي عبر التقنيات الحديثة المتطورة دائما والتي تركزت في النقل والتنقل وفي وسائل الإعلام وعبر توسع المعارف وشموليتها لتطال أغلب جوانب الحياة في أية بقعة عالمية اختزنت في دراسات بحثية عميقة أصبحت بمتناول المختصين والباحثين وحتى الراغبين في الإطلاع عليها لمجرد الإطلاع.

هذا الواقع أقر وجود ثلاث سياسات متلازمة ومترابطة لحد كبي - محلية وإقليمية ودولية - والنظرة إلى واحدة منها بمعزل عن الباقيتين يضعفها ويجعلها قاصرة عن معرفة الحقائق بل إدراكها، فالتداخل بينها جميعها كبير ولا يمكن فصم أو عزل إحداها عن الأخرى وعلاقاتها شبه الدائمة تتحدد في إطارين:

أ - جدلية العلاقة التنافسية والتوافقية وهي العلامة المميزة لسياسات الدول سيما الإمبريالية منها فهي تتلاقى في نقاط محددة عند تطابق مصالحها، كما وأنها تفترق عند تبيانها ففرنسا وأمريكا تتطابقان في سياستهما تجاه لبنان، في ذات المستوى الذي تتلاقى فيه سياستاً أمريكا وبريطانيا في القطر العراقي لكن كل واحدة تبذل جهوداً تنافسية في مجالات عدة من أجل أن تعزز قدراتها الذاتية لتزيد من قوتها وسيطرتها.

ب - التنابذ الأبدي والتناقض الدائم بين دول الاستعمار والدول المستعمرة فنقاط التلاقي تكاد شبه منعدمة بل منعدمة حتما بينهم، هم في حالة عداء دائم لا ينتهي إلا بانتهاء السبب،وكثيراً ما يترك رواسب آلام وأحقاد لدى الشعوب المغبونة حقوق أبنائها، والمستضعفين في الأرض حيث تبقى ردحاً من الزمن.

هدفت من وراء هذه المقدمة تثبيت ركائز فكرية عامة ودائمة يتقيد بها صنّاع القرارات السياسية مثلهم مثل الباحثين والدارسين لظواهر سياسية محددة على بقعة محددة، واستقراء الواقع اللبناني يعتمد هذا النهج أملا ًبالوصول إلى حقائق ساطعة ترشد كل وطني أين كان موقعه ليرسم مستقبل بلده وأهله.

ففي أحداث التاريخ وشواهده تتلاقى السببية وجدلية التنافس والتوافق والتناقض بنسبيات تختلف وفق عاملي الزمن والواقع، والمعروف تاريخيا أن المذهبية المارونية نشأت في شمال سوريا وفي منطقة اسمها "كفرنيل" وبنتيجة الاضطهاد العثماني هاجر أتباعها إلى جبل لبنان ليعملوا عند إقطاعيي المنطقة - الدروز- وكان من المسلم به أن ينشأ صراع طبقي بين الطرفين، بين المُستغلين والمستغلِين.

كان ذلك عام 1860 واشتدت الأزمة وذهب ضحيتها قتلى وجرحى فتداعت الدول الغربية الأربع فرنسا، إنكلترا، النمسا، وروسيا لحماية المسيحيين ونجحوا في مسعاهم، أقيم على أثرها ما سمي بنظام المتصرفية، وأعطي جبل لبنان الحق بحكم ذاتي في ظل الدولة العثمانية لكنه أعطى بدوره أيضاً دوراً جديداً ومباشراً للدول المتدخلة في حماية الطوائف فكانت حماية الموارنة لفرنسا، والأرثوذكس لروسيا، والكاثوليك للنمسا، والدروز لإنكلترا، وترك السنة والشيعة تحت رعاية السلطة العثمانية وبذلك دقّ إسفين التقسيم الطائفي، وفي عام 1920 ضمت فرنسا الدولة المستعمرة لسورية ولبنان مناطق أربع من سوريا إلى جبل لبنان وهي طرابلس وبيروت والبقاع والجنوب، وأنشأت ما سميت بدولة لبنان الكبير، ورغم كل المحاولات لتفتيت المجتمع فالدستور اللبناني لعام 1926 لم يتضمن نصاً يحدد التوزيع الطائفي لمناصب الدولة الرئيسية فقد انتخب لرئاسة الجمهورية شارل دباس – الأرثوذكسي -، وانتخب أيوب ثابت لذات المنصب وهو - إنجيلي -، لكن توافقاً تبدى عام 1943 أوجد عرفاً واتفاقاً غير مكتوبين على توزيع المناصب الرئيسية للسلطة على أساس طائفي بينما المادة (95) من الدستور اعتبرت الطائفية مؤقتة، وبذرة الخلل والتخلخل الاجتماعي بذرها الغربيون والاستعمار الفرنسي للاستفادة منها في رسم سياساتهم، ولم تمض عشر سنوات على ما عرف بالتوافق، وكانت الأمم المتحدة قد أقرت مشروع تقسيم فلسطين وإقامة "الكيان الصهيوني" حاول أثناءها الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين الاستفادة من هذا الوضع وحاول متابعة التوجهات العدائية ففي "مذكرات شاريت" الذي كان رئيساً لوزراء الكيان الصهيوني بين عامي 1953 – 1956 يتحدث عن استغلال لهذا الواقع الجديد، فيكتب في 27 شباط 1954، "وفي اجتماع عقد ضم بن غوريون، شاريت، لافون، ودايان اقترح أثناءه مشروع إقامة دولة مارونية في لبنان من خلال خلق الاضطرابات بين طوائفه وبذل الجهود لتأمين التمويل من الوكالة اليهودية لكن شاريت رفض"، وكان إصرار الطرف المقترح على خلق حرب أهلية، وضخ الأموال اللازمة لها، وإيجاد مجموعة مارونية مؤمنة بهذا المشروع، ولأن المصير العربي واحد وموحد في السراء والضراء، ولأن العداء الصهيوني يستهدف الجميع ففي الفترة ذاتها وفي ذات المذكرات وفي 11 تشرين الأول 1953 أثار "بن زيفي" رئيس الكيان الصهيوني مسألة مهمة وهي: "أليس ثمة فرصة لاحتلال سيناء"؟!.. ويا حبذا لو بدأ المصريون بأي عمل عدواني يمكن إحباطه وبالتالي الغزو، وكان البحث يدور عن أية ذريعة تمهد لاحتلال سيناء ولما لم يتوفر الأمر اقترح دايان إرسال سفينة ترفع "العلم الإسرائيلي" في مضايق "إيلات" لاستدراج المصريين لضربها، ومن ثم استكمال السيناريو".

ولم تنج الجبهة الشمالية السورية من تآمرهم ففي 31 كانون الثاني 1954 "وفي اجتماع عقد اقترح "دايان" خطة عمل تستفز السوريين باستدراجهم لضرب الصيادين "الإسرائيليين" في بحيرة طبريا، وإذا فشل الأمر العمل على اتخاذ التدخل العراقي في سوريا المضطربة آنذاك ذريعة من أجل التدخل في سوريا واحتلال جنوبها وقد عارض شاريت هذه الخطة".

والكيان الصهيوني لم يكتف بحدود التقسيم التي أقرتها الأمم المتحدة، بل توسعت بعد حرب عام 1948 (نكبة 48)، وإعلان "الهدنة" وابتلعت أراض فلسطينية إضافة إلى ما قرر لها، ولأن "إسرائيل" كيان غريب زرع في قلب الوطن العربي ولا يمكنها البقاء في إطار ما حدد لها، لتعارضه مع تطلعاتها لـ"أرض الميعاد" وفق مزاعم قادتها، فهي تسعى دائماً إلى خلق القلاقل والصراعات المحلية والحروب المستمرة في محاولة يائسة للحفاظ على هذا الكيان الهجين وتوسعه كلما أمكنها ذلك.

لقد شنت أربع حروب على لبنان في أقل من ربع قرن خلفت فيها من المآسي لشعبه من شهداء وجرحى كما وأثرت تأثيراً كبيراً على بنيانه الخدمي والاقتصادي، ففي 28 كانون الأول - ديسمبر 1968، شن الكيان الصهيوني هجوماً على مطار بيروت الدولي ودمر أسطولاً من 12 طائرة مدنية تابعة لشركات النقل، وبعد خمسة أعوام وتحديداً في 6 حزيران 1982، اجتاحت قوات الكيان الصهيوني لبنان بحجة إبعاد المقاومة الفلسطينية عن جنوب لبنان، لكن سرعان ما توضحت نواياها الكاملة ففي 14 أيلول كانت بيروت مطوقة ودام حصارها 100 يوم انسحبت قوات الكيان الصهيوني بعدها تحت وطأة نيران المقاومة، وفي ذات العام وفي 16 أيلول - سبتمبر أقدمت على مذبحتي صبرا وشاتيلا، قتلت فيهما العديد من المدنيين والأبرياء معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن، والتاريخ هنا يتحدث عن مساعدات قدمت من عملاء لها، ومؤخراً وفي 13 حزيران - يوليو 2006 شن الكيان الصهيوني حرباً عدوانية جديدة دامت 33 يوماً خسرتها وفشلت فيها بالقضاء على المقاومة اللبنانية بقيادة "حزب الله"، وقد أكد "تقرير فينوغراد" الذي صدر مؤخرا بعد تحقيق شمل العدوان وظروفه، وإن أخفى حقائق عدة، أن "إسرائيل" لم تحقق أي هدف من أهدافها السياسية والعسكرية، وقد نالت المقاومة اللبنانية يومها وعن جدارة كل معاني الطهارة والعفة والوطنية في انتصارها على القوات الغازية.

فتاريخ المقاومة اللبنانية الوطنية ضد الاحتلال والمستعمر يبقى هو التاريخ المستمر للنضال الوطني في لبنان وهذه المقاومة عي ذاتها التي أوقعت خسائر بالقوات الأمريكية في بيروت عندما دخلت قوات مؤلفة من (14000) جندي "مارينز" لمساندة الرئيس كميل شمعون في 15 تموز 1958، الموالي يومها لـ"حلف بغداد" الأمريكي، وخوفاً من انضمام لبنان إلى الجمهورية العربية المتحدة، فانسحبت إثرها قوات "المارينز" الأمريكية من لبنان، وفي ذات البرهة انسحبت القوات البريطانية التي دخلت الأردن لذات الأسباب، وعن تلك المرحلة عبّر كولن باول وكان رئيساً لأركان القوات الأمريكية عن مشاعره وآلامه وهو يغادر مطار بيروت وجثث الجنود الأمريكيين مبعثرة فيه، والمقاومة ذاتها أيضا دفعت "إسرائيل" للانسحاب من جزء من جنوب لبنان في شباط 1985 مع إبقائها على شريط أمني في جنوبه، لتكون المساحة المحررة (2600) كم2، من أصل (3450) كم2، كان الكيان الصهيوني احتلها عام 1982 عام حصار بيروت، وفي 25 أيار - مايس 2000، أكملت "إسرائيل" انسحابها من جنوب لبنان وهرب مع قواتها "جيش لبنان الجنوبي" المدعوم من قبلها، وما زالت عناصره مشردة في أراضي فلسطين المحتلة من قبل الكيان الصهيوني، وفي بلدان أخرى، ودخلوا مزبلة التاريخ من أوسع أبوابها.

وفي البعد الإقليمي أيضا يظهر الدور السوري بجلاء ووضوح، وهو حق لها بل واجب عليها وبمعزل عن الانتماء إلى جذور قومية واحدة، فلبنان وكما ذكرنا ازدادت مساحته عام 1920، عندما ضمت إليه فرنسا المناطق الأربع من سوريا، وفي ذات العام انعقد المؤتمر التأسيسي لممثلي الشعب في بلاد الشام والتي عنت وضمت في تلك الفترة سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، واشترك ممثلو لبنان فيه رغم محاولات منعهم من قبل المستعمرين الفرنسيين، وقرارات ذلك المؤتمر أكدت على وحدة بلاد الشام، ورفضها فكرة الوطن القومي للصهاينة، وطالبت باستقلال العراق من الاحتلال البريطاني، واستمرت مسيرة البلد الواحد - سوريا ولبنان - فلا سفارات، وانتقال مواطنيهما من البلد إلى البلد الشقيق لم تكن تعترضه أية صعوبات، والعلاقات الاقتصادية والتجارية كانت في ذروتها، وظلت هذه الأوضاع عقوداً لم تشبها شائبة، بل كانت الأنموذج الأمثل لعلاقات جوار بين قطرين عربيين فتتهما الاستعمار الفرنسي في مطلع القرن العشرين، ولو عدنا إلى الماضي، لتأكد لنا ما قلناه حول الحق التاريخي الثنائي اللبناني-السوري وكذلك الواجب التاريخي الثنائي كي يبقى البلدان في حالة تعاون وتكاتف سيما في الظروف الحالية التي ثبتت مفهوم الأمن الوطني المشترك، فلا أمن لسوريا بدون لبنان ولا أمن للبنان بدون سوريا، فالبلدان وعبر كل الأيام كانا كبلد واحد/ وأعداؤهما نفس الأعداء، والقادة العسكريون في سوريا يعتبرون لبنان خاصرة سوريا الخطرة حين إعدادهم لبرامجهم العسكرية، ولأن التاريخ القومي واحد وكذلك التاريخ الحديث ولنسمه (التاريخ الشامي) واحد، والأمن واحد، والمصالح واحدة، ذلك حدا بأعضاء من مجلس النواب اللبناني عام 1975 ليستنجدوا بالقيادة السورية لوقف الاقتتال في زحلة حيث كانت بداية ما عرف بالحرب الطائفية، واستجابت سوريا للطلب وبعثت بقواتها لكن الأوضاع في البلد الشقيق بدأت تتفجر تباعاً وفق مخطط أمريكي أعدّه وزير خارجيتها "كيسنجر" باعتراف له في مذكراته من أجل أن يطمس انتصارات حرب تشرين التحريرية، ومن أجل خلق أوضاع جديدة في المنطقة، وأمام التآمر الأمريكي اضطرت سوريا لإكمال تدخلها في لبنان لوقف الحرب بين الإخوة اللبنانيين تحت ذرائع أبعد ما تكون عن أصولهم الوطنية.

في تلك الأيام تجسدت الاستراتيجية السورية في الحفاظ على الدولة وعلى المؤسسات الرسمية التي راحت تنهار الواحدة تلو الأخرى، ولم يبق منها إلا مجلس النواب وكان رئيسه يدعو البرلمانيين للاجتماع في شتورا على الحدود السورية بدل بيروت العاصمة الغارقة في الاقتتال، والقوات السورية تؤمن الحماية لأعضائه وتقدم الدولة السورية كل التسهيلات والدعم لهم، واختلفت الرؤية السورية مع اللاعبين في لبنان وبشكل أدق حول دعم المؤسسات الرسمية في لبنان فكان التصادم مع القيادة الفلسطينية واستمر الحرص على وحدة وسلامة أرض لبنان هدفاً لا يحاد عنه، وتمت الانتخابات الرئاسية وتشكلت حكومة بعدها، وبدأت الأوضاع تتحسن على الأرض والهدوء عاد ليسود لبنان، وبعد "اتفاق الطائف" استكملت كل الجوانب الأمنية والسياسية وطبيعي أن هذه المواقف كلفت سوريا تضحيات في قواتها واقتصادها، لكن ذلك كان أهون على قيادتها من أن ترى لبنان ممزقاً إلى دويلات طائفية كانت سترمي بظلالها على سوريا وعلى الوطن العربي بأكمله فأمنهم واحد لا يقبل التجزئة، وسوريا اليوم كما كانت تدعم المقاومة اللبنانية وكل المقاومات العربية ضد المحتلين الغرباء لكن وإقراراً بالحقيقة فلقد شاب تلك المسيرة جملة أخطاء، بل خطايا شخصية ارتكبت بحق لبنان واللبنانيين من قبل إفراد عاديين أو في مواقع قيادية لم يكن من فيها مؤهلا لحمل العبء الوطني القومي.

وفي نقلة للبعد الدولي المؤثر والمتأثر بالبعدين المحلي والإقليمي، ففي هذا الإطار يبرز الدوران الأمريكي والفرنسي، ولمزيد من الإيضاح لسياستهما في لبنان بعد أن ذكرنا الدور الهام لفرنسا في بث النعرات الطائفية والأمراض الاجتماعية منذ عام 1860 والدور الأمريكي في محاولة وقف التوسع الوحدوي أثناء قيام الجمهورية العربية المتحدة ودخول القوات الأمريكية إلى لبنان دعماً لـ"حلف بغداد"، وبموضوعية لنلق نظرة على ما نراه في هذه الأيام من خلل على الأرض اللبنانية وصراعات "الموالاة والمعارضة" وما تتركه من ضياع وفوضى نجد مرتسمات جلية وواضحة لمسيرة التآمر الأمريكي الاستعماري ما زالت متواصلة ومستمرة، ففي نيسان - أبريل 2005 تحدثت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية لصحيفة "الواشنطن بوست" عن "منطقة الشرق الأوسط"، وأن التفاعلات التي تموج بها هذه المنطقة من العالم لا تترك مجالاً أخراً سوى الاختيار بين الفوضى أو سيطرة الجماعات الإسلامية على السلطة ولن تؤدي إلى "انتصار الديموقراطية" والفوضى التي تعززها عملية التحول الديموقراطي في البداية هي من نوع "الفوضى الخلاقة" التي تُنتج ربما في النهاية وضعاً أفضل.

ويكمل ويوضح التوجهات "الرايسييه" الباحث الأمريكي "مايكل ماكفيل" في مقال له في "البوليسي ريفيو" يقول فيه على الولايات المتحدة أن تسعى إلى التغيير، وحدد خطوط "الفوضى البناءة" التي يجب إتباعها في الشرق الأوسط وهي:

1 - التزام الإدارة بمبدأ "الحرية" والترويج لها.

2 - أن تتضمن نصائح الإدارة عن "الفوضى الخلاقة" معنيين، الأول التدمير، والثاني البناء.

3 - العدو الذي يجب تدميره بالدرجة الأولى هو أيديولوجي وهو الشمولية الإسلامية وليس الإسلام.

ومدير "معهد واشنطن" "روبرت ستالون" وفي تقرير له عن سياسة الإدارة الأمريكية تجاه لبنان في إطار التحول من الاستقرار إلى الفوضى يطلب من الرئيس الأمريكي التركيز على بند واحد من القرار 1559 وهو بند انسحاب القوات السورية من لبنان، وضرورة إخضاع الانتخابات اللبنانية للمرة الأولى لإشراف دولي وتحت سيف الضغوط والتدخلات الدولية لا سيما الفرنسية والأمريكية، أما البنود الأخرى من القرار القاضية بسحب سلاح الميليشيات اللبنانية والسلاح الفلسطيني فتنفيذها يتم في الزمان والمكان المناسبين، ومعلومة إضافية تظهر مدى نلاقي النفوس المريضة مع المخططات التآمرية فاللوبي اللبناني في أمريكا قدم إلى المحافظين الجدد مشروعاً متكاملاً وموثقا يقع في (28) صفحة وهدفه إقامة دولتين في لبنان، واحدة مسلمة والثانية مسيحية على غرار قبرص على أن يتم منح المسلمين خيار الالتحاق بسوريا إذا شاءوا، واللوبي يرى في توطين اللاجئين الفلسطينيين الطريق لتحقيق التقسيم.

هذه الأوضاع المأساوية دفعت الرئيس الروسي "بوتين" وخلال العدوان "الإسرائيلي" الأخير ليتساءل "ثمة أجندة استراتيجية مخبأة وراء الحرب الراهنة" ويومها تساءل الرئيس الفرنسي شيراك عما إذا كان هدف الحرب ضرب "حزب الله" أم تدمير لبنان؟!.

وفي إطار العلاقة الجدلية التنافسية والتوافقية بين الإمبرياليتين الأمريكية والفرنسية وبشكل عام فالتنافس قائم إذ تسعى فرنسا إلى استغلال العالم الثالث ومنه المنطقة العربية، ولذلك انهالت عروض بيع الأسلحة وإقامة المفاعلات النووية والعودة إلى إقامة قواعد عسكرية لها كما تم في الإمارات.

والتوافق يتبدى بجلاء في الرفض الفرنسي المطلق لهزيمة الإمبريالية الأمريكية على يد المقاومات العربية من فلسطين إلى العراق مروراً بلبنان وسوريا لأن قيام مثل هذا الوضع سيهدد كل الإمبرياليات الطامحة، وعن ذلك عبّر المستشار الألماني ورغم معارضة ألمانيا للغزو الأمريكي للعراق في البداية فقال: "أنه لا يقبل بهزيمة الولايات المتحدة في العراق"، وكذلك جريدة "الفيغارو" الفرنسية وبتاريخ 11/3/2003 بينت موقف ما أسماها الرئيس بوش "بدول أوروبا القديمة" ومنها فرنسا وألمانيا وعودتها للأمم المتحدة لأنها ترفض الهزيمة الفعلية للإمبريالية الأمريكية على يد "شعوب" الوطن العربي، ورغم كل الجرائم التاريخية القديمة التي ارتكبتها فرنسا بحق لبنان قبل وإبان استعمارها له وعن هذه التوافقية الإمبريالية صدر القرار الدولي 1559 الذي ينص على الانسحاب السوري ونزع سلاح الميليشيات والمقصود المقاومة وكذلك السلاح الفلسطيني، لقد أعدّ وصِيغ مشروع القرار في جوّ تشاركي أمريكي - فرنسي وبذلت جهود مشتركة لإنجاحه.

وماذا عن البعد المحلي للسياسة فلم يعد هناك من مستور أو مخفي فلبنان اليوم تتناوبه الخلافات الداخلية بين الموالين للسلطة والمعارضين لها، والسلطة وموالاتها منحازون الانحياز الكامل للبعد الدولي الفرنسي الأمريكي برغم كل سؤاتهما تاريخاً وحاضراً وواقعاً، وهم يلبون الإرادات الغربية والتي لا تريد أي خير للأمة العربية، ولبنان جزء لا يتجزأ منها.

ذلك واقع طال عمره وإرثه المدمر كبير،يقف في مواجهته الأمل بالمستقبل الحافز والمحرك لشعبه القليل العدد قياسا بأعداد المتآمرين تدفعه لأن يفرز التحديات في وجه المؤامرة الكبرى، خاصة وأن أوضاعه الاقتصادية سيئة وتزداد سوءاً على سوء، ذلك ما عبّر عنه الدكتور أميل عون أستاذ مادة تاريخ اقتصاد لبنان في جامعة الحكمة في كتاباته بأن الاقتصاد اللبناني مأزوم من الوضع الأمني والسياسي وصولاً إلى الدين العام المتراكم على الخزينة، وخطة لبنان الاقتصادية بعد اتفاق الطائف قامت على الاستدانة إلى جانب التحويلات، ونسبة الإنفاق 88.5% لإرضاء السياسيين بينما الإنفاق الاستثماري لم يتجاوز11.5% وفي رأيه.... "فإذا لم يتحول الاقتصاد إلى اقتصاد منتج قائم على التصنيع بهدف التصدير فلن يتقدم اقتصادنا والخصخصة ستؤدي إلى بيع البلد مجدداً فنسبة المديونية تتجاوز150%من الصادرات،و250%من الإيرادات العامة".

وفي دراسة نشرت على موقع الجيش اللبناني أظهرت أن لبنان فقد عام 2001 نحو أريع مليارات دولار من احتياطه بالعملات الصعبة، وصرف من العمل من المؤسسات العامة والخاصة حوالي أربعة عشر ألف عامل خلال عامين، ومؤسسة الكهرباء لم تستطع تسديد قيمة المحروقات بالدولار لأن حسابها لدى البنك المركزي بالليرة اللبنانية، والمديونية الكبيرة والتي وصلت إلى ما يقارب (40) مليار دولار أنفقتها الحكومات السابقة في مجال إعمار وسط بيروت في مشاريع خدمية ليس لها من ريع، إضافة إلى الارتكابات المالية وتخصيص شركات بعينها بالربع الأكبر منها، يضاف إلى ذلك الاعتداءات "الإسرائيلية" المستمرة والمكلفة مادياً دفعت إلى الهرولة وراء المزيد من الاستدانة وطلب العون، وفي "مؤتمر باريس-2" أمّن لبنان (3) مليارات دولار على شكل ضمانات قروض بفوائد ميسرة ولآجال طويلة بالإضافة إلى قروض بأكثر من مليار دولار لتمويل مشاريع تنموية، لكنه أي المؤتمر فرض على لبنان مزيداً من الانقياد إلى "صندوق النقد الدولي" - المنفذ الأمين للسياسات الأمريكية - وفق ما اشترط المانحون الدوليون يطلب التجاوب السريع مع رؤية الصندوق في مشاريع الخصخصة وبرأي العديد من الاقتصاديين فتعقد مشكلة المديونية اللبنانية سيجعل من لبنان عرضة للتأثيرات الخارجة المتشابكة وهي ليست ببعيدة في نهاية المطاف عن سياسات الولايات المتحدة ما عدا هامش فرنسي قد يضيق ويتسع، وجهات عدة أعلنت أن لبنان بعد "مؤتمر باريس-2" خضع للانتداب الاقتصادي وقد يرزح في خيارات اقتصادية وسياسية غير مرغوبة.

إنها النهاية للتاريخ التآمري على لبنان وعروبته، تنوعت السبل فيه من حروب وعدوان وتدمير وقتل وفتن محلية، وتدمير للاقتصاد وزيادة هائلة في حجم المديونية لذلك وفي استنتاج منطقي تظهر وبجلاء محددات الوطنية اللبنانية، وبما لا يقبل الشك فكل معادٍ لتلك السياسات وأربابها وداعم للسياسات الوطنية في بعديها المقاوم والعربي ومسهم في بناء اقتصاد لبنان فهو يستحق وبجدارة لقب المواطنة، ومن يتمسح ويبرر ويفتي للأعداء الإمبرياليين و"الاسرائيلين" فهو بعيد البعد كله عن الوطنية يبيع الوطن تباعاً لمن يريدون تفتيته وإضعافه وهم ألد أعدائه، لكن والأمة العربية عودتنا حاضراً وكما كانت سابقاً على معجزات تفرزها دائماً، وشعب لبنان جزء منها فمن يتتبع خارطة التوزع السياسي يلحظ وبوضوح غياب الطائفية عنها، ففي المعارضة كل الأطياف المذهبية وحدّها بصورة رائعة الولاء للوطن وللجوار وللأمة العربية تقابلها "الموالاة" باعتناقها مذهب العداء كل العداء للوطن وللجوار وللأمة العربية والاستقواء بالأعداء.

وأصوات مبحوحة تنطلق من مرجعيات دينية وغيرها لتغزل على الوتر الطائفي لكن صداها يضيع في جبل لبنان، وصوت الشعب العربي اللبناني الذي أيّد أكثرية مرشحي "المعارضة" في الانتخابات البرلمانية التكميلية الأخيرة خير معبّر عن أصالته وانتمائه العربي، والعروبة والوطنية من سمات أصالته الحقة، ولبنان بشعبه معقد أمل ورجاء ومبعث أماني في غدٍ مشرق يخرس فيه نئيم البوم ونرفع أيدينا مع الأشقاء داعين أسكت الله نأمه ففيه الخراب بحرق الأخضر واليابس شأنه شأن من سبقه من الأعداء "الإسرائيليين".