كسر الأرجل أم كسر الحصار!

بقلم: جمال قارصلي - برلماني ألماني سابق

لا نعتقد أن الشعب العربي الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة والذي اجتاز الحدود المصرية لشراء احتياجات أطفاله بعد حصار ممتد كاد أن يفتك به يستحق كسر الأرجل، بل على العكس من ذلك يستحق أن ننحني تقديرا له على تحضره ورقيه ورفعة أخلاقه، التي عبر عنها ما يقارب 800 ألف مجوّع لم يرتكبوا فعلة إجرامية فادحة تستدعي صرف النظر عن الكارثة الأصلية التي ألمت بهم وأجبرتهم على عبور الحدود للتسوق في مصر، ويحق لأبناء غزة أن يباهوا الأمم بسلوكهم الجماعي الراقي، ونحن نعرف عن ماذا نتحدث عندما تعم الفوضى وتتحرك الجموع المنفلتة والغوغاء لتنهب كل ما خف حمله وغلى ثمنه. وأحداث "إعصار كاترين" في الولايات المتحدة أكبر شاهد على ذلك، عندما نهبت الجموع كل ما وقع تحت أيديها وهي المتخمة وغير الجائعة. شعب مصر العظيم لم يكن أقل تحضرا ورقيا عندما احتضن أهل غزة وفتح لهم بيوته ودوواينه في أعظم ظاهرة شعبية عفوية للتعبير عن التضامن والعطف الذي يستحق الإشادة والتقدير.

حادثة عبور الحدود المصرية ذكرتني بالقانون الألماني المتّميز الذي لا يشدد العقوبة على السجين الذي يحاول الفرار من سجنه إذا حاول كسر سجنه بحفر الأنفاق أو بقص القضبان أو بأي طريقة لا تلحق أذى جسديا بموظفي الحراسة، روح هذا القانون تكمن في أن حرية الإنسان ونزوعه نحو الحرية واستيفاء الحاجات الحيوية هي فطرة بشرية لا تقف أمامها حدود، وعليه لم يرى المشّرع تشديد العقوبة على السجين إذا حاول التصرف تبعا لفطرته ولم يلحق أذى بأحد أثناء ذلك دون أخذ أسباب احتجازه بعين الاعتبار.

في العام 1987 انتفض الشعب الفلسطيني على الاحتلال "الإسرائيلي" فيما سمي بانتفاضة الحجارة، رد وزير الدفاع "الإسرائيلي" المذعور آنذاك "إسحاق رابين" على ضخامة الهبة الشعبية، كان بإصداره الأوامر لجيشه لتكسير عظام الفلسطينيين لكسر إرادتهم، وكان رد الشعب الفلسطيني بالصمود والانتقال إلى أشكال أقوى واعنف في المقاومة، وتحمل عمليات القتل وتكسير العظام والإعاقات التي سببتها إجراءات الاحتلال العنيفة في محاولتها لكسر انتفاضته الشعبية.

وفي هذا السياق يسجل لمصر ولشعب مصر العظيم أنه لم يرق يوما قطرة دم فلسطينية، بل حماها حيث تسنى له ذلك وقدم عشرات آلاف الشهداء والمفقودين على أرض فلسطين ودفاعا عن مصر، ونجزم أن هذا الشعب العظيم وجيشه لن يخرجا يوما عن هذا التقليد وفاءا لأحرار مصر وشهدائها الذين سقطوا دفاعا عن فلسطين ومصر والأمة العربية وانسجاما. (...)

بعد عشرة أيام من فتح الحدود مارست جمهورية مصر العربية حقها السيادي في ضبط حدودها وعاد مئات آلاف الفلسطينيين إلى سجنهم الكبير في الهواء الطلق في غزة تحت الحصار دون فتح معبر رفح ولتستمر المعاناة ويستمر القتل وفي نفس الوقت لتستمر المقاومة أيضا، ولكن ماذا بعد؟ غزة لا زالت تحت الحصار!! فماذا نحن فاعلون؟ ولا استثني أحدا من هذا السؤال.

هل ننتظر إن تتحقق المعجزة لتعود اللحمة الفلسطينية بين غزة ورام الله لتفتتح المعابر ونحن نعرف جميعا أن هناك فيتو دولي بتواطؤ عربي رسمي ضد عودة هذا الحوار الذي تتزايد صعوبة شروط تحقيقه يوما بعد يوم؟

هل ننتظر أن يصل المفاوض الفلسطيني في رام الله إلى الدولة الموعودة قبل نهاية عام 2008 كما يحاول البعض إيهامنا في ضوء العدوان والاستيطان المتصاعد الذي تتعرض له الضفة الغربية؟

هل ننتظر حتى تنجح غزة بوسائل مقاومتها البسيطة وبصمود أبنائها بمعداتهم الخاوية أن تحقق معجزة كسر الحصار "الإسرائيلي"، من الجهة "الإسرائيلية" هذه المرة ليرتكب الجيش "الإسرائيلي" مذبحة على الهواء مباشرة؟

أم هل ننتظر أن يرق قلب "إسرائيل" وتوقف عمليات القتل اليومي وترفع الحصار وتتحمل مسؤولياتها كقوة احتلال بعودتها للتحكم بقطاع غزة ومعابره لنقول أننا نحافظ على الوحدة السياسية والترابية بين الضفة والقطاع؟

أسئلة كثيرة، انتظار الإجابة عليها يعني استمرار حصار ومعاناة 1.5 مليون فلسطيني.

أمام هذا الواقع الوحشي والمعقد تعتبر الحملات الإعلامية التي بدأنا نشهد تناميها هادفة لتقويض حملات التضامن العربي والعالمي مع الشعب الفلسطيني المحاصر، مقدمة لما هو قادم في الأفق وهو مواصلة ابتزاز الشعب الفلسطيني سياسيا ليثور على حركة (حماس) التي تحكم وتدير قطاع غزة حيث حصل العكس تماما نتيجة تشديد الحصار، وهنا نقول يبدوا أن البعض لا يود التعلم وأخذ العبر مما حدث ويصمم على تجويع غزة انتظارا لاجتياحها "إسرائيليا" وهذا ما فعلته أمريكا في العراق وبحجج واهية عندما حاصرت الشعب العراقي لمدة ثلاثة عشر عاما وبعد ما أنهكته انقضت عليه.

مسؤولية إنقاذ غزة هي مسؤولية عربية أخلاقية وقانونية أولا وتقع على عاتق النظام العربي الذي فشل في تحقيق أي تقدم فيما يسمى "مبادرة السلام العربية" وراحت دعواته لأصدقائه الأمريكيين و"الإسرائيليين" في مهب الرياح، بل على العكس من ذلك زادت الهجمة "الإسرائيلية" شدة ووحشية، وإلى حين تحقيق أي تقدم ملموس لا يجوز ومن المحذور عربيا توجيه أصابع الاتهام إلى غزة ووضع الشروط عليها وهي تنتهك وتغتصب يوميا على أيدي آلة الحرب "الإسرائيلية".

عندما نطلب من جمهورية مصر العربية القيام بدور قيادي في كسر الحصار عن أبناء الشعب الفلسطيني فإننا لا نود إحراجها أو توريطها أو الضغط عليها كما يتصور البعض، بل ننطلق من المراحل التي كنا فيها أبناء مصر الذين حملوا فكرها وزخمها النهضوي وعنفوانها وامتداد تأثيرها العالمي، ولن نتوقف عن الهتاف تحيا مصر لتنهض بدورها الذي هو قدرها الذي لم تتخلى عنه منذ بدء التاريخ عندما يتعلق الأمر بمحيطها الإقليمي الذي هو مجال أمنها القومي، فما بالك عندما يتعلق الأمر بفلسطين بوابتها وعتبتها التي لطالما حاول الطامعون إتيانها منها.

وعليه فليكسر الحصار ولتجبّر وتداوى الأرجل التي كسرها وبترها الاحتلال "الإسرائيلي" ولا تكسر رجل الفلسطيني الذي يريد الدخول إلى عمقه الإستراتيجي مصر وكم نتمنى أن تكون المداواة والنقاهة في ارض الكنانة وليس في مكان آخر.