بيضاء ملوثة بالدماء

عبد النبي حجازي - سوريا

يحكى أن ابن أخت سقراط أصيب بالرمد وعزّ عليه الدواء وكان على خصومة مع خاله فطلب من أمه أن تزوره وتسمع ما يقول دون أن تشكو أو تعلق.

وعادت الأم وقالت لابنها لم يقل خالك سوى عبارة واحدة (اللي من إيده الله يزيده) فقال لأمه بصرامة (اربطي يديّ إلى الخلف ولا تفكي الوثاق مهما تذمَّرتُ وشكوتُ حتى أشفى)،

منذ أيام غزانا الصقيع، وأول أمس فاجأنا الثلج وصبغ قلوبنا ومرمى عيوننا بلون البراءة والصفاء، كنا نهفو إلى تلك الساعة لأن مخزون المياه في باطن الأرض بدأ يشح، ومنسوبه ينخفض حتى ملكنا الذعر من شبح العطش، ورغم فرحتنا العارمة فإن واحدنا سواء في الريف أو المدينة إذا تلعثم المكيف في بيته أو نفد المازوت أو كسر زجاج النافذة ضجتِ الأسرة بكاملها وسخطتْ وكأنما خسف القمر.

وبدل أن يذكّرنا الثلج وقد ندر هطوله بأواسط الخمسينات من القرن الماضي أيام كان أطفال دمشق يطوفون بالحارات يهزجون فرحين (والدنيا بيضا يا بيضا) وأهل الريف أطفالاً ونساء ورجالاً وخاصة في منطقة القلمون يغلون غلياناً مبتهجين يتسابقون بجرف الثلج بالرفوش الخشبية يشقون الممرات لعبور الناس أو يتسلقون أسطح البيوت الطينية يجرفونه عنها حتى لا تحطّ فوق رؤوسهم.

ويباح للناس أن يتراشقوا بكرات الثلج شاب يرسلها إشارة لحبيبته، وشابة لحبيبها، ويشتبك المارون بالطرقات مع المطلين من الشرفات.

ومع الصقيع والثلج تلطم عيوننا ومهج قلوبنا هذه الأيام أخبار التلفزيون تسرق الفرحة من قلوبنا وتصب كرات من الحمم: في غزة حصار لا سابقة له إلا في القرون الوسطى، عطش وجوع ومرض وتشرد، واغتيالات وكل ما في قاموس الوحشية من

لعنات كان تناطحُ الأكباش ودسائس الجواسيس إرهاصاً لها، وفي البداية صمت العرب ثم بدأت الأصوات ترتفع هنا وهناك تبث الشكوى والاستنكار والتأييد بدل الخبز والدواء.

وفي العراق يُنسب الخراب والدمار إلى (القاعدة) أي أن الغزو الأمريكي والمشاركين فيه أبرياء، وفي لبنان يلمّع سعد وجهه وعنفقته ويصيح بصوته الطيني (أيها اللبنانيون، لن ينالوا منا) وهو في الضمير المتصل (نا الفاعل) في (ينالوا) يرشقها نحو سورية أي أن أمريكا وحلفاءها أبرياء، وهو في الضمير المتصل (نا) الموصول بحرف الجر (من) يعني كتلته التي بوأته برئاستها لا لميزة فيه وإنما للتسلق على أكتافه واستمرا المتاجرة بدم أبيه، وإمكانية التسلل إلى جني المكاسب من المناصب كما قال مواطن لبناني في استطلاع تلفزيوني والشعب اللبناني (المستفَزّ) يعاني من البطالة والتردي الاقتصادي والاجتماعي ونهنهات التشرذم ومحاولة الهروب من البلد.

ومجلس الأمن الذي ينطق باسم (دبليو بوش) ينطبق عليه المثل الشعبي المصري قيل للحرامي (احلف يمين) قال (إجاك الفرج) وأقول لعربنا: تعالوا نندد ونشتم حتى ينفد كلامنا ونصرخ حتى تتمزق أشداقنا، وما ينقذنا إلا أن نربط أيدينا حتى لا تعبث بعيوننا ويصير الرمد إلى عمى في البصيرة والباصرة، وعَمَهٍ في القلوب.

anhijazi@aloola.sy