الرقص بالسيف الخليجي!

حياة الحويك عطية - كاتبة وباحثة من الأردن

كما افتقر إلى البراعة في إدارة احتلاله للعراق، افتقر إلى البراعة في رقصة السيف (العراقية أصلا) وهو يعمل على رص الصف الخليجي من جديد، حول الاحتلال في وجه المقاومة العراقية من جهة، وفي وجه إيران من جهة ثانية، وحول التطبيع مع "اسرائيل" من جهة أخرى.

ففي السنة الأخيرة من حكمه، جاء يخلع القفاز نهائيا ويرميه بوجه العرب والعالم، إلى سلة المهملات الأمم المتحدة وقراراتها، إليها أيضا كل الخرائط من "خريطة الطريق" إلى خريطة المبادرة العربية، وحدها خريطة الجدار هي الثابتة ومعها خرائط المستوطنات، ما نفذ منها وما يزال في الدرج، إليها أيضا كل ما قيل عن حق العودة أو عن الدولة الديمقراطية، ما بقي في يد الرئيس هو ما يحدده المشروع "الاسرائيلي" نفسه، دون أي تعديل: دولة فلسطينية مشلولة، تعطيها "اسرائيل" ما تريد من الاراضي وتأخذ منها ما تريد، في إطار ما يسمى بالتبادل، الذي يأخذ حوضا مائيا ليعطي قطعة صحراوية، ولا عودة للاجئين فكثير عليهم تكرم الرئيس بالسماح لهم ببيع حقوقهم الوطنية لقاء مبالغ تحدد لاحقا، إذ لا مجال للمساس بـ"يهودية الدولة" التي يصر عليها الفكر الصهيوني، وليس من يطرح السؤال عما سيعنيه تبني "يهودية الدولة" على الفلسطينيين المتبقين في أراضي الثامنة والأربعين.

أما السؤال عما بقي من الثوابت الفلسطينية، فجوابه ملاحظة مضحكة، حول كلام عن رؤية الرئيس الأميركي لحل القضية، إذ لا يجد المرء أية رؤية خاصة لجورج بوش، وإنما هو ناطق رسمي للرؤية "الاسرائيلية"، يخرج إلى العالم اليوم وقد اكتملت الظروف ليعلن ما عمل لأجله منذ جاء إلى الحكم، بل انه لم يأت إلى الحكم إلا ليفعل ذلك (والكل يعرف كيف جاء وبأي تزوير كما يعرف هوية الفريق الذي أحاط به ووضع أمامه سياسات ستراتيجية موضوعة في المطابخ اليهودية).

بعد فلسطين راح يتنطط من قاعدة أميركية إلى أخرى، ومن قوة نفطية إلى أخرى، في زيارته ما قبل الأخيرة الى المنطقة، هذه الزيارة التي تؤطرها زيارة "لاسرائيل" وزيارة "لاسرائيل"، حيث بدأت بالزيارة الحالية وستليها الزيارة القادمة للمشاركة في ذكرى تأسيس الدولة التي يحملها الرئيس في قلبه منذ كان سيناتورا لتكساس، وبالمقابل فقد حملته هي إلى سدة الرئاسة مرتين متتاليتين في حالة تماه كلية، تبدت ترجمتها الأبلغ في تركيبة الفريق الإداري الذي رافقه طوال فترة حكمه، وإذا كانت دول الخليج العربي هي ما يقع بين "اسرائيل" و"اسرائيل" في ستراتيجية ما تبقى من حكم الرئيس، فأن هذه الساحة هي المكان الذي تتقاطع في باطن أرضه وعلى شاطئه المصالح الأميركية و"الاسرائيلية"، فمن هناك تسيطر الإمبراطورية على العالم عبر الوجود العسكري من جهة، والهيمنة على الثروة النفطية من جهة أخرى، وفي الوقت نفسه يؤمن هذا الوجود العسكري "أمن اسرائيل" كما يؤمن لها مضمون الرؤية "البيريزية للسلام في الشرق الاوسط"، هذه الرؤية التي تقوم على استبدال الاحتلال الفعلي بالهيمنة الاقتصادية "الاسرائيلية" على سوق واسع يؤمن الثروات الطبيعية، والايدي العاملة، والاستهلاك، في حين تؤمن اسرائيل الادمغة وادارة الاعمال عبر شركات ومستشارين ومؤسسات ليس بالضرورة أن تحمل مباشرة أسماء "اسرائيلية"، وفي هذا السياق ن لم يأت وصول "شيمون بيريز" إلى رأس "الدولة العبرية" إلا دليلا على تبني الجميع من "عمل وليكود" وما بينهما وحولهما لهذه الرؤية، حتى ولو اختلفوا على وسائل تطبيقها.

من هنا يأتي التركيز المستمر على الخطر الإيراني (بعد مرحلة التركيز على الإصلاحات في الشرق الأوسط الجديد)، بديلا عن التركيز السابق على الخطر العراقي أيام صدام حسين، دون أن يكون مآل هذا التركيز بالضرورة واحدا، بمعنى انه ليس من المحتوم أن تؤدي الحرب الكلامية على إيران إلى حرب فعلية أو احتلال كما حصل في العراق، وذلك لأسباب عدة:

أولها أن إيران لا تقع ضمن خريطة "اسرائيل الكبرى"، وليست البلد العربي الأقوى والأهم على هذه الخريطة.

وثانيها أن إيران لا تحمل مشروعا قوميا عربيا تتطلب الهيمنة الأميركية و"الاسرائيلية" تحطيمه بكسر كل روافعه، خاصة وأنه مشروع لا يقوم فقط على البعد السياسي وإنما يقوم على مشروع نهضوي شامل.

وثالثها أن النظام الإيراني ليس النظام العراقي السابق بجذريته الصادقة إزاء المشروع الصهيوني.

ورابعها أن تاريخ الجيش الإيراني لا يحمل ما يحمله تاريخ الجيش العراقي إزاء "اسرائيل" وما يفرضه قانون الذحل (الثأر اليهودي).

وآخرها أن إيران تعرف كيف (تشد وترخي) كما يقول التعبير الشعبي، وكيف توزع الأدوار بين متشدد ومعتدل، وكيف تهاجم الأميركيين خطابيا، وتواجههم في لبنان وفلسطين، لكنها تلتقي معهم على طاولة مفاوضات حول همهم الأساسي أي العراق، بل وتتجاوز المفاوضات إلى دعم المتعاونين معهم على هذه الساحة التي يتقرر عليها مصير الإمبراطورية.

وآخرها أن الولايات المتحدة عاجزة تماما عن أن تشن حربا أخرى في المنطقة، خاصة في الربع ساعة الأخيرة من حكم بوش، لكنها رغم ذلك تجاوزت، بنظر الأميركيين الحصة المرسومة لها في تقاسم النفوذ في عالم ما بعد صدام حسين، ما بعد العراق.

لذلك كله، يصدق المحللون السياسيون ووسائل الإعلام عندما يقولون أن أميركا تعمل على احتواء إيران وخطرها، ويصدقون في نيتهم الحاسمة في منعها من امتلاك السلاح النووي، لأن تفرد "اسرائيل" بذلك هو خط أحمر في المنطقة، ولكنهم يخطئون عندما يعتبرون أن بوش جاء يبحث عن تمويل الحرب، لقد جاء يبحث عن تشديد القبضة على القواعد الخليجية، وعلى الثروات الخليجية، ودفعها في طريق التطبيع مع "الدولة" التي كرس اعترافه بـ"يهوديتها"، كما جاء يرص الصفوف الخليجية حول الولايات المتحدة وسياساتها خاصة بعد بوادر التفاهم التي كللتها مشاركة احمدي نجاد في قمة مجلس التعاون الخليجي، وكذلك في وجه المقاومة العراقية وحول السياسات الأميركية في العراق، والتلويح بالبعبع الإيراني في وجه الخليجيين هو أفضل الوسائل لفرض ذلك كله، مما يفسر اختيار البحرين والإمارات كمحطتين مركزيتين في الزيارة.

غير أن هذا التلويح لا يملك كل مقومات النجاح خاصة مع تقرير المخابرات الأميركية الشهير، ومع افتضاح مسرحية الاشتباك في مضيق هرمز، افتضاح منعه من الإشارة إلى الحادث في حتى في لقائه مع جنود القاعدة البحرية الأميركية في البحرين، ويبقى الدور على إيران هنا لطمأنة الخليج، شرط إن تكون طمأنتها صادقة وأن تفهم أن توازن المصالح هو الذي يخلق السلام والأمن والتنمية لشعوب المنطقة، في حين أن اختلال هذه المصالح هو الذي يخلق الكبت والأحقاد، ويفجر النزاعات، ويفتح الثغرات أمام من يبتز الطرفين معا.