شركات الأمن الخاصة في العراق.. انتهاكات مستمرة وإفلات من العقاب
مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية
سعت الولايات المتحدة الأمريكية لنشر مفهوم "الفوضى البناءة" في "منطقة الشرق الأوسط"، ويبدو أن آليات عمل هذه السياسة هي التي أصيبت بذلك الداء (الفوضى)، فشركات الأمن الخاصة، التي تعد إحدى هذه الآليات، تعرضت لسيل من الاتهامات بقتل المدنيين في العراق وأفغانستان والاتجار في البشر والتعذيب، لتصبح الراعي الرسمي لانتهاك حقوق الإنسان في العديد من مناطق العالم الملتهبة بالصراعات، بل تجاوزت أنشطتها إلى حد الاتجار في المخدرات والأسلحة وغسل الأموال وشن هجمات إرهابية.
بداية، يعد ظهور هذه الشركات بمثابة انقلاب في المفاهيم، فأول مرة في تاريخ الدولة القومية تتنازل الحكومات طواعية عن أحد أهم حقوقها، وهو احتكار استخدام القوة بشكل شرعي، لتمنحه لهذه الشركات، وهكذا برز مفهوم خصخصة الحروب الذي بدأ التنامي بعد انتهاء الحرب الباردة، وهي عبارة عن استبدال مدنيين يملكون بنادق مؤجرة، ولا يخضعون لأي من الإجراءات العقابية وفق المعايير العسكرية المعروفة والمتفق عليها في القانون الدولي بجنود في أي مكان من العالم.
وقد شهد عقد التسعينيات نمواً متزايداً لهذه الشركات وأنشطتها، خاصة من جانب الحكومة الأمريكية التي عملت على إفساح المجال أمامها، خاصة أنها تمنحها فرصة شن حروب فيما وراء البحار من دون الحاجة إلى الحصول على موافقة الكونغرس، ومن دون علم وسائل الإعلام، وبالتالي التنصل من الالتزامات الأخلاقية تجاه المعاهدات الدولية الخاصة بالحرب كما سبقت الإشارة، فضلاً عن أن عناصر الجيش الأمريكي تعيش حالة من الإجهاد غير المسبوق، فمعظمهم مضطر للخدمة على أكثر من جبهة في أوقات متتالية من دون الحصول على راحة بين الجبهتين، مما يؤثر في أداء الجيش وقدراته القتالية، حتى أصبح من المستحيل في الوقت الحالي أن يتخلى عن الخدمات التي تقدمها له هذه الشركات، التي تتركز أنشطتها في: تقديم خدمات متخصصة تتعلق بالحروب والنزاعات بما فيها العمليات القتالية والتخطيط الاستراتيجي، وجمع المعلومات الاستخباراتية، والدعم العملياتي واللوجستي، والتدريب وشراء الأسلحة والمعدات العسكرية وصيانتها.
من جهة أخرى، يعد من الصعوبة بمكان العودة لنظام التجنيد الإجباري الذي أُلغي في أعقاب حرب فيتنام، ذلك أن نظام التطوع لا يناسب الوضع الحالي للجيش الأمريكي الذي يحارب على أكثر من جبهة، ومن هنا كان الحل في خصخصة الحرب بغرض مضاعفة عدده الفعلي من دون الحاجة إلى قرار من الكونغرس بذلك، وقد وصل اعتماد واشنطن على هذه الشركات إلى درجة أنه لا يمكن شن حرب من دونها.
وتعتبر الشركات الأمريكية الكبرى أبرز اللاعبين الأساسيين في هذه السوق، خاصة شركات: "كي بي آر"، "بلاك ووتر"، "دين كورب"، إذ تدر ربحاً سنوياً يقدر بـ(100) مليار دولار من عمليات عسكرية في حوالي خمسين دولة، فهي تحصل الآن على ثلث موازنة الجيش الأمريكي في العراق البالغة 30 مليار دولار سنوياً، وتعد شركة "كي بي آر" الأكثر أهمية من بين هذه الشركات في العراق، حيث تشغل نحو 50 ألف مرتزق بعضهم للقتال، ولكن الأغلبية تعمل في الخدمات اللوجستية، ولديها عقد مع "البنتاغون" تصل قيمته إلى 11 مليار دولار، وبدأت الخطوات العملية لخصخصة حرب العراق من خلال استبدال من تطلق عليهم الولايات المتحدة "موظفي شركات الحماية الأمنية" أو "المتعاقدين الأمنيين" بجنود الاحتلال الأمريكي والبريطاني، حتى بلغت نسبة القوات البريطانية النظامية هناك إلى القوات المرتزقة 1/.6 وإذا كان نشاط هذه الشركات قد ارتبط بانتهاكات جسيمة ضد المدنيين العراقيين، تراوحت ما بين التعذيب والقتل واستهداف الأبرياء، فإن واشنطن تحاول أن تصور للعالم أن أفرادها مقاولون أو متعاقدون تقتصر مهامهم على أعمال الحراسة وتأمين حماية المنشآت، إلا أن الواقع يكشف أنهم يمارسون مهام قتالية ضد المقاومة، إذ يتم تجهيز هؤلاء المرتزقة ليحلوا محل القوات الأمريكية في خطوط المواجهة الأولى في العراق وغيره، سواء عند حراسة السفارات والمطارات والمنشآت النفطية و"المنطقة الخضراء" التي تضم المقار العسكرية والسياسية المهمة في بغداد، أم حراسة مواكب كبار الشخصيات المطلوب حمايتها في وجه العبوات الناسفة والسيارات المفخخة.
وتتعدد الأساليب والطرائق التي تعمل بها الشركات، وأغلب هذه الأعمال أو الأساليب المتبعة لا تحكمها قواعد قانونية أو إجرائية محددة، فالحصانة القضائية ضد الملاحقة القانونية التي يتمتع بها أفرادها جعلتهم بحل من الالتزام بأي قوانين، حيث تقوم شركاتهم بعمليات قتل وتدمير وتدبير انفجارات تصب في معظمها في فئة العمليات القذرة، كما تقوم بإشعال نار الفتنة الطائفية بتنفيذ عمليات تفجير في مناطق السنة والشيعة، مما يؤدي إلى سقوط آلاف الضحايا.
من ناحية أخرى، شارك العديد من المتعاقدين الأمنيين إلى جانب العسكريين الأمريكيين في عمليات التعذيب والاستجواب التي جرت في أبوغريب، والتي لا تزال ماثلة في أذهان العراقيين، ورغم محاكمة أولئك العسكريين وتلقيهم عقوبات بالسجن، فإنه لا أحد من المتعاقدين خضع لأي محاكمة أو لعقاب من جانب السلطات الأمريكية.
وأمام تلك المخاطر التي تفرضها أنشطة الشركات الخاصة في الاستخدام المفرط للقوة، باتت محاسبتها هي القضية الأبرز حالياً، خاصة أن ما تقدم منها خدمات أمنية وعسكرية خارج أراضي الولايات المتحدة لا يَمثُل العاملون بها أمام المحاكم العسكرية الأمريكية، كما لا يحق للحكومة العراقية ملاحقتهم، ويكمن السبب وراء عدم وجود آليات لمحاسبة المرتزقة الذين يعملون لدى تلك الشركات في توفير الإدارة الأمريكية نوعاً خاصاً من الحصانة للحيلولة دون مثولهم أمام أي محكمة، ففي يونيو (حزيران) 2004 أصدر "بول بريمر"، الحاكم الأمريكي للعراق آنذاك، ما يُعرف بـ "القرار رقم 17"، الذي ينص على أن "العناصر التابعة للشركات الأمنية الخاصة لا تخضع للقانون العراقي، ولا تتحمل أي التزامات قانونية خاصة بالدستور، بل هي تابعة لقوات التحالف المتعددة الجنسيات، إلا أنهم يتعهدون باحترام القانون العراقي"، وفيما يتعلق بالمحاكم العسكرية نص القرار على "يحظر تماماً على القوات المتعددة الجنسيات أن تُطبق قوانينها العسكرية على العناصر التابعة للشركات الأمنية الخاصة، كما يحظر اعتقالهم أو دخولهم السجن العسكري ولو فترة مؤقتة"، وبهذا النص استطاعت الإدارة الأمريكية توفير الحصانة اللازمة للمرتزقة الذين يعملون في الشركات الخاصة، وتجدر الإشارة إلى أن القرار في بدايته قد نص على أن الدبلوماسيين يتمتعون بحصانة ولا يَمثُلون أمام القضاء العراقي وفقا لـ"معاهدة فيينا" المبرمة عام 1961، وعلى ذلك يكون قد منح العاملين في "الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة" حصانة مثل الدبلوماسيين، إلا أن الدبلوماسي يخضع لقانون دولته التي يحمل جنسيتها، أي إن هناك آليات لمحاسبته، أما مرتزقة الشركات الخاصة فيصعب وضعهم تحت طائلة القانون. فضلاً عن ذلك، هناك العديد من العوامل التي يرى المراقبون أنها تحول دون وضع آلية لمحاسبة عناصر "الشركات الأمنية الخاصة"، منها: أن تلك العناصر لا تنتمي إلى جنسية واحدة، وبالتالي من الصعب إخضاعها جميعًا للمحكمة العسكرية الأمريكية، أو أمام محاكم بلادها، خاصة أن معظم الدول التي جاءوا منها ليست طرفًا في النزاع وغير مشاركة بقوات في العراق، ولذا فهي ليست ملزمة بمحاكمة مواطن يحمل جنسيتها اختار أن يكون من المرتزقة لخدمة مصالحه الشخصية.
وعلى ذلك، فإن الأمر يتطلب ضرورة وضع نظام دولي يحدد معايير وضوابط عمل هذه الشركات، لضمان عدم حدوث تجاوزات أو انتهاكات لحقوق الإنسان على نمط ما يحدث في العراق، ولابد أن يوفر هذا النظام العديد من الأدوات الفنية اللازمة للمحاسبة، مثل: إيجاد آلية لمراقبة نشاطاتها وعمل عناصرها بشكل يومي عن طريق أجهزة متخصصة، تكون لديها في الوقت نفسه صلاحيات التحقيق والتحري، وأن تتم الاستجابة للنداءات كافة التي كانت قد أطلقت في أوقات سابقة وطالبت بتقنين عمل مثل هذه الشركات وتحديد طبيعة أدوار مقاتليها المنتشرين في المناطق المضطربة من العالم، التي يأتي في مقدمتها: العراق، حيث يشكل المرتزقة القوة العسكرية الثانية بعد الجنود الأمريكيين.
خلاصة القول: أصبحت هناك حاجة ماسة إلى ضرورة تنظيم عمل "الشركات الخاصة" ومراقبة أعمالها من قبل الدول المستأجرة لها والتزامها بمبادئ القانون الدولي الإنساني وكفالة احترامه فيما يتعلق بأنشطتها وسن التشريعات الكفيلة بملاحقة مرتكبي الجرائم ومحاكمتهم أينما وجدوا.