في المسألة الكردية مجدداً
د. فؤاد الحاج
كثر الحديث مؤخراً عبر وسائل الإعلام على اختلاف ميولها وتعدد ألوانها وأطيافها من الصحافة المقروءة إلى المسموعة وصولاً إلى الفضائيات وإلى شبكة الانترنيت، وكل يتناول المسألة الكردية من وجهة نظره، دون أن يتجرأ أحد إلى البحث بعمق وأن يمحص بالوثائق والأدلة الملموسة في هذه المسألة دون الخوف من أن يقال أنه منحاز، مع العلم أنه يجب على الباحث والكاتب والصحافي أن يكون ملتزماً بالجرأة الأدبية وأن يكون منحازاً إلى وطنه وشعبه، وهذا ليس بعيب أو إخلال بالقضية، وبذلك يكون موجهاً لأبناء الأمة في كافة القضايا التي تهم الوطن والشعب، وفي هذا الصدد يكون الصحافي والباحث والكاتب ضمير الأمة وداعياً وحدوياً للمحافظة على الوطن بحدوده المفروضة منذ اتفاقية "سايكس-بيكو" السيئة الصيت، أو في ما يراد فرضه مجدداً من قوى الشر العالمية بقيادة إدارات الشر الأمريكية المتعاقبة من "جمهوريين" و"ديمقراطيين" على حد سواء على بلاد العرب من تجزئة، ليس لبلاد العربية فحسب بل على لأصقاع كثيرة من بلاد العالم تحقيقاً لمصالحهم الاقتصادية وحماية للكيان الغاصب لأرض فلسطين العربية ضمن ساسة "فرق تسد"، من هنا ودون الخوض في الكثير من التفاصيل حول ذلك والتي من المفترض أنها معروفة لكل متابع لمجريات الأمور في بلاد العرب من المحيط الأطلسي غرباً، وصولاً إلى الخليج العربي شرقاً، ومن جبال طوروس شمالاً، وصولاً إلى الصحراء الكبرى في إفريقيا، لذلك وبما أن هذا الموضوع أي المسألة الكردية بحاجة إلى المزيد من الكلمات والصفحات وإلى المزيد من القراءات لموضوع الأقليات في الوطن العربي والتي نوقشت على مدى أكثر من نصف قرن من قبل المفكرين والقوميين العرب ونشر الكثير من النظريات والأفكار حولها - أي موضوع الأقليات في الوطن العربي - إلا أنه لم يتم التوصل إلى حل إيجابي وعملي سوى ما قدمه حزب البعث العربي الاشتراكي في القطر العراقي من خلال منح كل أطياف المجتمع العراقي حقوقهم ومنهم الأكراد الذين منحهم الحكم الذاتي.
ولمزيد من التوضيح حول موضوع أكراد العراق لا بد من العودة إلى بدايات عام 1970 من القرن المنصرم وتحديداً إلى وثيقة ما عرف لاحقاً باسم "بيان 11 آذار" أو "قانون الحكم الذاتي" الذي أعلنه المرحوم الرئيس احمد حسن البكر بتاريخ الحادي عشر من آذار 1974 (يمكن الاطلاع على نص البيان وقرارات مجلس قيادة الثورة في العراق، وهي مرفقة بصيغة ((بي دي أف) وتحتاج إلى برنامج "أكروبات ريدر" لمطالعتها)، ولا بد من القول هنا أن العراق شهد ما بين عام 1970 و1982 مرحلة حافلة بالأحداث الجسام والمنجزات الكبيرة، أهمها الحفاظ على وحدة العراق الوطنية وقد خاضت قيادة مجلس الثورة خلالها معارك الصمود بوجه مؤامرات الداخل والخارج في آن معاً حيث شهد حزب البعث انقسامات وانحرافات وتشويهات وهذا ليس مجال مناقشته في هذا البحث، ورغم ذلك شق البعث في العراق طريقه بصوبة بالغة أدى ذلك إلى استقرار متميز وازدهار وعطاء في كافة الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية وغيرها، ويشهد عليها كل أبناء العراق الشرفاء والأحرار من أبناء الأمة العربية إلى أن فرض معممي إيران حربهم التي أراد منها خميني "تصدير ثورته" إلى الأقطار العربية بدءاً من العراق ومن ثم فرض سيطرتهم على الخليج العربي، مما أدخل العراق في متاهات حروب متتالية لم تنته إلا بالغزو الصهيو-أمريكي-الصفوي لهذا القطر العربي.
ولمن يذكر جيداً من الأحرار والشرفاء من أبناء العراق والأمة العربية أقول أنه صحيح من الصعوبة الفائقة أن يقوم باحث في تحليل شامل لمرحلة سابقة ومعاشة في آن معاً وذلك لاعتبارين أساسيين:
أولهما: تعقيد هكذا عملية لما تحتويه من عناصر فكرية وسياسية، واقتصادية، واجتماعية، ونفسية في الوقت ذاته، لا يمكن حصرها واستنباط استنتاجات صحيحة وكاملة تكون مقنعة للجماهير التي تعرضت لغسل دماغ من العديد من الذين كتبوا على مختلف ميولهم الفكرية والسياسية، وظهروا على شاشات التلفزة المختلفة ضد ثورة 17-30 تموز 1968 التي قادها حزب البعث العربي الاشتراكي.
وثانيهما: صعوبة نقد الأخطاء والسلبيات في مسيرة البعث في العراق منذ بداية استلامه السلطة خاصة وأن البعث في العراق قد استلم السلطة في تموز 1968 أي بعد فترة النكسة القومية التي نزلت بالأمة عام 1967، ومرور كل القوى القومية والوطنية العربية في مرحلة إعادة تقييم وضعها بعد الضياع والعودة إلى الذات واستجلاء صورتها وصورة واقعها والمرحلة التاريخية التي مرت بها آنذاك، وفي الوقت نفسه بعد تعرّض الثورة العربية وحزبها الرائد لضربات متتالية منذ بدايات الوحدة السورية المصرية 1958 ومن ثم الانفصال 1961، وبعد ذلك مرحلة ثورة 8 شباط 1963 في العراق وفي سوريا من العام ذاته بعد إعلان الوحدة الثلاثية المصرية السورية العراقية وما تبعها من ردات متتالية آخرها كانت ردة 23 شباط في سوريا، كل ذلك يجب أن يؤخذ في الاعتبار عندما نريد أن تكون دقيقين في طرح أي بحث شامل وواقعي لمشكلة الأقليات في الوطن العربي ومنها المسألة الكردية، لذلك ومن هنا أقول أنه من الصعوبة بمكان أن نحدد الأخطاء والسلبيات في مسيرة البعث في القطر العراقي لأن كل ثورة تمر بتجارب فيها الإيجابيات والسلبيات مع العلم أن المؤتمر القطري الثامن لحزب البعث العربي الاشتراكي قد حدد الكثير من السلبيات وطرح مجالات إصلاحها، وبما أننا نتحدث فقط عن المسألة الكردية هنا فلا بد أن نطالع وثائق المؤتمر القطري الثامن الذي عقد في كانون الثاني/يناير 1974 أي قبيل إعلان بيان 11 آذار بشهرين، دون انجرار الباحث إلى النزعة السلبية الهدامة أو التهديمية وما تنطوي عليه في بعض الأحيان من أغراض ذاتية، استخلاصاً للعناصر الإيجابية ومكامن القوة في تلك المسيرة مع الحفاظ على التوازن البنّاء في البحث من أجل فتح الآفاق المشرقة للمستقبل أمام الجماهير، وهو مقصدنا في هذا الموضوع.
إضافة إلى هذين الاعتبارين هناك منطق يمكن أن يحكم البحث الجدي في موضوع المسألة الكردية وهو أنه يجب على الباحث القيام بمسح مناطقي ميداني على الأقل كي يدوّن الحقائق كما هي ويضيف إليها المدوّن في الوثائق المحفوظة في المكتبة الوطنية التي مع الأسف لم يبق منها شيء بعد حرقها خلال بدايات الغزو الصهيو-أمريكي-الصفوي للعراق وفي هذا الصدد يمكن الاعتماد على كتابات ووثائق حزب البعث العربي الاشتراكي وعدد من كتابات المفكرين القوميين العرب وبحوثهم المنشورة ومن ضمنهم الدكتور الياس فرح والدكتور قاسم سلام وغيرهم الكثير، يضاف إلى ذلك مقابلات من عايش تلك الفترة وشارك في صنع بيان 11 آذار 1970 وما تلا ذلك من الذين تابعوا حل المسألة الكردية وهم الآن موزعين مع الأسف في الأقطار العربية أو في المهاجر القسرية من القيادتين القطرية والقومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، مع الأخذ بعين الاعتبار التمييز المبدئي والموضوعي في المسح الميداني أو المقابلات الفردية لجماهير الشعب الكردي بسبب التداخل بين العملاء وبين قطاعات الجماهير الكردية التي تتأثر بتضليل المتمردين العملاء أو تكون مناطق سكنهم ضمن نشاطات المرتدين العملاء.
مع التذكير بأن الصراع المسلح بين الأكراد في شمالي العراق وبين السلطات العراقية ليس بجديد بل هو يعود إلى مرحلة خمسينات القرن الماضي وازدياده بعد تحويل العراق من ملكية إلى جمهورية عام 1958، وقد تسببت الحروب بفقدان الكثير من الضحايا إضافة للخسائر المادية، وهنا لابد من ذكر أن زمر المرتدين من الأكراد بقيادة الملا مصطفى البرزاني عرضت تأجيل إصدار بيان 11 آذار من أربع إلى خمس سنوات بحجة استكمال الحوار، وقد أيد الحزب الشيوعي "العراقي" هذا الاقتراح، غير أن القيادة العراقية الوطنية رفضت هذا الاقتراح وأكدت على إيفاء الثورة بالتزامها بتطبيق الحكم الذاتي في موعده المحدد في 11 آذار 1974، فأحبطت بذلك مخطط استمرار تمييع الأمر واستمرار الفوضى في شمالي العراق، الذي كان مرتبطاً بمخطط كان يجري إعداد المسرح له كي تتفجر بؤر في المنطقة العربية، وقد تفجرّت فعلاً الأوضاع في لبنان بعد عام واحد من إعلان بيان 11 آذار والبدء بتطبيقه، وعند تفجر الوضع في لبنان بفعل المؤامرة الصهيو-أمريكية كانت الثورة الوطنية في العراق قد أجهزت على التمرّد ومنعت إمكانية الربط بينه وبين المؤامرات المعدة سلفاً والتي تستهدف الأقطار العربية لإعادة صياغتها ضمن "سايكس – بيكو جديد" كما ذكر الأستاذ طارق عزيز فك الله أسره في أكثر من حوار معه أجريته شخصياً أو بما أعلنه في العديد من وسائل الإعلام المختلفة داخل وخارج البلاد العربية.
وللتذكير أيضاً أن القوات المسلحة العراقية وجيشها البطل أثبت بسالة وكفاءة في الزود عن حياض الوطن ووحدة أراضيه وحمايته من المتمردين والمعتدين، على الرغم من تدفق الأسلحة الأمريكية المتطورة والحديثة من خلال نظام شاه إيران آنذاك، وقد خسرت فيها القوات العراقية المسلحة أكثر من (16) ألف إصابة بين شهيد وجريح، وكان مجمل الإصابات في المعركة التي استمرت اثني عشر شهراً كاملاً، بين العسكريين والمدنيين حوالي (60) ألف إصابة بين شهيد، وقتيل، وجريح من كل الفئات.
وبالقضاء على التمرد الكردي أمكن تطبيق مقومات الحل الديمقراطي للمسألة الكردية، فقامت مؤسسات الحكم الذاتي وترسخت، وساد الاستقرار والاطمئنان في شمالي العراق، وبدأت التنمية تنتشر في كافة أرجاء منطقة الحكم الذاتي بعد أن حرمت مكنها سنوات طويلة وتخلفت عن ركب الحضارة والتقدم الذي كان في بقية مناطق العراق، وحصل الكردي العراقي على حقوق مزدوجة عن العراقي في باقي أرجاء العراق، ويشهد على ذلك الأحرار والشرفاء من أبناء الشعب الكردي كما يشهد على ذلك أيضاً أبناء العراق عموماً، إضافة إلى رصد المبالغ الكبيرة من قبل مجلس قيادة الثورة في العراق لتعمير منطقة الحكم الذاتي وتطويرها، فأنشأت الصناعات وشقت الطرق، وبنيت المدارس، والمستشفيات والمستوصفات، وتطورت المرافق السياحية وازدهرت حركة السياحة فيها.
لذلك أقول لأبناء العراق والأمة العربية الشرفاء والأحرار منهم وأذكّرهم بأنه عندما انعقد المؤتمر القطري الثامن لحزب البعث العربي الاشتراكي في القطر العراقي لم يكن التمرّد الرجعي الذي قامت به زمرة مصطفى البرزاني قد بدأ بعد، ولكن كل الدلائل كانت تشير إلى أن هذه الزمرة قد صممت على التآمر على ثورة 17-30 تموز 1968، وعلى إشعال نار الفتنة والتمرّد، وقد قطع المؤتمر القطري الثامن الطريق مبدئياً على هذه الزمرة بأن حدد موقف الحزب والثورة من المسألة الكردية التي كانت تحتل المرتبة الأهم بين القضايا الوطنية التي عالجتها الثورة بروح مبدئية عالية من الصواب، فأكد المؤتمر القطري الثامن على التزام الحزب والثورة ببيان 11 آذار الذي أعلنه في عام 1970 بالأساس، وبتطبيق كافة بنوده وأن لا تراجع عنه مهما كانت الأحوال.
كما أكد المؤتمر وبوضوح تام أن هذا الالتزام لا يعني بصورة طلقة التزاماً تجاه قيادة (الحزب الديمقراطي الكردستاني) أي جماعة البرزاني، وأشار إلى أن تحديد مدى التعاون مع هذه القيادة سيتقرر في ضوء موقفها من الحزب والثورة، ومن بيان 11 آذار 1970 وتأديتها للالتزامات المتقابلة وتمسكها الواضح بالخط الوطني ووحدة العراق الوطنية.
وكذلك أكد المؤتمر القطري الثامن لحزب البعث العربي الاشتراكي كما جاء في وثائق المؤتمر "بأن الالتزام ببيان آذار 1970 وطريق الحل السلمي والديمقراطي للمسألة الكردية لا يعني إطلاقاً التهاون إزاء المحاولات المشبوهة التي تشجعها الدوائر الاستعمارية والرجعية من خلال بعض الأوساط العميلة والرجعية في المنطقة الكردية، تلك المحاولات الرامية إلى تفتيت الوحدة الوطنية، وإثارة الأوضاع الاستثنائية في منطقة الحكم الذاتي، لتكريس أوضاع انفصالية ومعادية للتطور التقدمي والديمقراطي في البلاد".
وبعد شهرين من انتهاء أعمال المؤتمر القطري الثامن، وفي الوعد المحدد لتطبيق الحكم الذاتي وفقاً لبيان 11 آذار 1970، أعلن مجلس قيادة الثورة وعلى لسان المرحوم الرئيس احمد حسن البكر في 11 آذار 1974 قانون الحكم الذاتي لمنطقة كردستان وأنشأت بموجبه هيئات الحكم الذاتي - المجلس التنفيذي والمجلس التشريعي، التي اضمن للشعب الكردي ممارسة حقوقه المشروعة في إطار الوحدة الوطنية.
غير أن زمرة الملا مطصفى البرزاني لم تتعاون مع قيادة الثورة، واتخذت مواقف معادية للوحدة الوطنية، وللثورة، وشرعت بالتمرد المكشوف بالتعاون مع الكيان الصهيوني على نطاق واسع.
مما تقدم نجد أن إعلان التمرّد على الثورة من قبل البرزاني وجماعته لم يكن موقفاً خاصاً بهم فحسب، وإنما كان حلقة في التآمر الصهيوني – الإمبريالي – الرجعي على ثورة 17-30 تموز، فقد شجعت الصهيونية والإمبريالية الأمريكية مصطفى البرزاني على التمرّد، كما دفعت شاه إيران لإسناد التمرّد على نطاق واسع من أجل استنزاف الثورة وإضعافها والتمهيد لإسقاطها أو إخضاعها للمخطط الإمبريالي الأمريكي الذي شرعت إدارة الشر الأمريكية بتنفيذه خاصة بعد حرب تشرين 1973 وبدء مسيرة الاستسلام الرسمي العربي التي وصلت في النهاية إلى مرحلة (كامب دايفيد) وإلى (اتفاق أوسلو) لاحقاً، واليوم إلى مرحلة الانحطاط الأخلاقي السياسي والتعاون العلني مع الكيان الصهيوني ضد كل ما هو تقدمي ووطني وقومي بحجة "محاربة الإرهاب"!!
لقد كانت المعركة ضد التمرّد وقوى الشر الصهيو-أمريكية وضد الرجعية العربية التي كانت تقف وراءه، معركة ستسجل بكل فخر في سجل النضال الوطني لحزب البعث العربي الاشتراكي ولكل المناضلين القوميين من أبناء الأمة العربية، ولن يمكن لأي كان أن يحذف تلك المرحلة بكل أبعادها من تاريخ النضال العربي ضد قوى الشر والتآمر الرجعي والإمبريالي والصهيوني، وفي هذا الشأن قال الرئيس الشهيد صدام حسين في كراس بعنوان (خندق واحد أم خندقان) صفحة (26) آب/أغسطس 1976، "منذ وقت مبكر قبل الحادي عشر من آذار 1970، قلنا أنه إذا ما عولجت القضية الكردية بتصور عسكري صرف نكون خاسرين حتى إذا ما اندحر آخر خندق من خنادق القوات المضادة في أعالي الجبال، أما إذا عولجت المسألة معالجة مبدئية وسياسية وفي إطارها الصحيح فسوف نربح المعركة حتى لو كان العدد المضاد كبيراً"، وعلى الرغم من أن الكثير من الحقائق عن تلك المرحلة ومعاركها لم ينشر ولم يعرف على الصعيد الوطني والقومي والدولي حتى الآن، لأسباب عديدة.
لقد انطلق حزب البعث العربي الاشتراكي في نظرته إلى المسألة الكردية وفي سعيه إلى إيجاد الحلول لها من الاعتبارات الأساسية التالية حسب ما ورد في (التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر القطري الثامن لحزب البعث العربي الاشتراكي - القطر العراقي، كانون الثاني 1974) وهو مرفقة بصيغة ((بي دي أف) أيضاً:
وبعد اندحار الجيب الكردي العميل ومحاولات الحزب الشيوعي العراقي لعزل الجماهير الكردية عن حزب البعث العربي الاشتراكي بحجة أن البعث حزب قومي عربي لا يمكن أن يمثل مصالح الجماهير الكردية ويعبّر عن أمانيها، إلا أن الوقائع أثبتت عكس ذلك فانتشر حزب البعث انتشاراً واسعاً بين صفوف الجماهير الكردية وبرز منهم قيادات لها مكانتها ودورها في قيادة العراق، لذلك أقر المؤتمر القومي الحادي عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي وثيقة نظرية في غاية الأهمية تحدد موقف الحزب من القوميات والأقليات في الوطن العربي، نشرت في 19/4/1979 أكدت فيها (أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب الطليعي الذي يمثل الجماهير، كل الجماهير التي تعيش في الوطن العربي، بصرف النظر عن لغتها وسماتها القومية، وهو المدافع الأمين والمناضل الصلب عن قضيتها، وهو الذي يقودها على طريق الحرية، وعلى طريق المجتمع الموحّد في الوطن العربي)، إلى أن جاءت قوات الغزو الصهيو-أمريكي-الصفوي وعاد معها تحالف المرتدين الخونة عبر تاريخهم من طالبانيين وبرزانيين من أجل إسقاط بيان 11 آذار الذي رسّخ الوحدة الوطنية الشاملة، ومن أجل تفتيت العراق وتحقيق مخطط أعداء الأمة وأعداء الإنسانية على حد سواء في "إعادة رسم خارطة المنطقة".
وأخيراً لا بد من التذكير بأن الانجاز التاريخي الكبير الذي تحقق في شمالي العراق كان ولا يزال يتعرض للتآمر من قوى الشر العالمية بقيادة الإدارات الأمريكية المتعاقبة كما من الكيان الصهيوني ومن أنظمة عربية معروفة ومن قوى دولية محسوبة على ما يسمى بالمنظومة الاشتراكية، ومن نظام الملالي في إيران، ومن تركيا أيضاً وكل منها يعمل على دعم بعض العناصر الخائنة والعميلة كي تبقى ورقة الأكراد في شمالي العراق ورقة ضغط بحسب مصالح هذه الدولة أو تلك، وتأكيداً على ذلك فأنه بعد القضاء على عناصر التمرّد احتضنت بعض الأنظمة المجاورة للعراق جغرافياً، كما احتضن نظام كان عربياً عدداً من العناصر المتمردة بالتعاون مع نظام الملالي وعملائه في إيران الذين عادوا مع الغزو ليفتتوا العراق من الداخل تحقيقاً لمخطط الصهاينة الذي أعلنه بوش الصغير في بداية شهر أيار/مايو 2003 ألا وهو "إعادة رسم خارطة المنطقة" أي إعادة تقسيم البلاد العربية، وهو ما لم تدركه تلك الأنظمة التي ساندت عناصر التمرّد الكردي في شمالي العراق ولم يقدّروا خطورة أعمالهم التي مهدت لوصول العراق إلى ما هو عليه اليوم من احتلال ودمار، غير أن الحقيقة الأكيدة تثبت أن الأحرار والشرفاء من أبناء الجماهير الكردية في شمالي العراق ليست راضية عما يحاك ضد العراق عموماً وأنها غير قابلة بتقسيم العراق وغير راضية عن سلب كركوك وطرد العرب والتركمان وغيرهم منها.