أهو العقل أم المنهج أم الممارسة؟
فايز البرازي - كاتب سوري
منذ عقود طويلة تجاوزت قرن وأكثر من الزمان، كانت هناك دعوات لمفكرين ودعاة إصلاحيين عرب في ساحات الفكر العربي، للتخلص من الاستبداد وتنكب طريق الديمقراطية، والتخلص من الفساد على طريق الإصلاح الشامل، مع انشغال الساحات العربية بمعاركها ضد الاستعمار والاحتلال، واستمرت هذه الدعوات فيما بعد مرحلة الاستقلال، ووصول قيادات وطنية إلى قمة النظم والحكم في البلاد العربية.
ومنذ بدايات مرحلة الاستقلال وحتى اليوم، سادت الفردية والديكتاتورية الاستبدادية في مراكز القرار بحجة محاربة مخلفات الاحتلال من المتآمرين المناهضين للتغير والمتواطئين مع الاستعمار، وبمعارك التحرر الاجتماعي من الإقطاع والرأسمالية والاستغلال.. القوى الطبيعية المتساوقة مع الاستعمار الذي يحفظ مصالحها ويمدها بأسباب القوة للسيطرة والهيمنة على المجتمع بشكل مباشر، وعلى مراكز القرار السلطوي بشكل غير مباشر، وفي ذات الوقت تحافظ وتراعي المصالح الاستعمارية ونفوذها في الأوطان المتحررة.
ومع هذه الحجج والدفوعات المبررة والمفهومة والمحقة، إلا أنها كانت واهية استخدمت – مع وجودها – كستار ظاهر لتغييب ظواهر الاستبداد والفساد والفردانية والتسلط لصالح (النخب الحاكمة) على اختلاف أشكالها وتوصيفاتها، التي تكاد محصورة في: النخب الوطنية، النخب القومية، النخب الإسلامية، النخب الليبرالية . وكانت جميعها "نخب نظم سلطوية"، حاكمة أو غير حاكمة، غير منسجمة في ممارساتها مع كل إدعاءاتها بالانتماء لهذا الفكر أو ذاك المنهج.
فالنخب الوطنية القطرية:
- سادت واستبدت قطرياً، وكان من طبائع الأمور المساهمة في استقرارها واستمرار هيمنتها: الانعزالية القطرية، سيادة منظومة الفساد بكل مناحيه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية.
والنخب السلطوية القومية:
- وبخطابها السطحي القومي الذي ركبت من خلاله الفكر والمد القومي، آخذة شرعيتها من الخطاب، لا من الممارسة والنتائج، وبقيت معزولة وعازلة لنفسها في المجال القطري الذي تدّعي التمرد عليه وضرورة تغييره، فكانت ممارساتها الاستبدادية والإفسادية والفردانية، وبالاً على الفكر والمد القومي.
والنخب الإسلامية:
- بدءً من فكر تيارها الإسلامي العريض – بسبب تجذر الدين في المجتمع – استغلت هذه الواقعة، ومتلازمة مع انحسار المد القومي، طارحة نفسها (كبديل وحل) لما عاناه العرب والمسلمون، مدعية أن أسباب جميع الهزائم المحيقة هو "الابتعاد عن الإسلام"، مع ما ظهر ونتج عن هذا الفكر الإسلامي من دكتاتورية الرأي، واستبدادية الممارسة، ومحاولة سرقة المجتمع وتأطيره الاشتراعي، من جميع القوى السياسية الإسلامية، وبعض نخبها "السلطوية" كما كاد يحصل في الجزائر، وما حصل في السودان، وإرهاصاته الأولية في فلسطين.
والنخب السلطوية الليبرالية:
- وبعيداً عن كونها ليبرالية أو متمسحة ببعض معطياتها، كانت تدّعي وتهاجم تلك الأفكار والنظم السابق ذكرها، وكأن إنجازاتها في أقطارها وفي مجتمعاتها، يعطيها الحق في ذلك ويميزها عن غيرها بالممارسة والنتائج، بل أن استبدادها وفسادها ونهبها المنظم المشرعن، فاق الكثير من النظم الأخرى.
والنتيجة عند الجميع، استبداد، هيمنة، فساد، تخلف مناهض للتنمية.
فأين يكمن الخطأ؟.. وكيف تُوصف هذه المشكلة؟..
يكاد يظهر أن الخطأ والفشل لا يكمن في (الفكر)، فالبعد الوطني القطري "بعموميته" لابد من تنميته مؤسساتياً ليكون مؤهلاً لرحاب أوسع، وصولاً إلى: الأمة/ الدولة، والبعد القومي "بعموميته" لا بد من أن يكون أداة ووسيلة احتضان اجتماعي واقتصادي وسياسي ضمن منظومة : التحرر، والمواطنة، والديمقراطية، والعدالة، والتنمية . والبعد الديني بفكره الإنساني هو الوعاء الروحي والوجداني والحضاري والأخلاقي القيمي لهذه الأمة، والبعد الليبرالي "بعموميته" التي تعتمد "الحرية" كقيمة إنسانية، تقود بوظائفها – الحرية – الفرد والمجتمع، وتكاد تكون – الليبرالية – ببعدها الإنساني والسياسي، جزءً من الأفكار المتنوعة: وطنية و قومية وإسلامية.
أويكمن الخطأ في الممارسة والتجربة؟؟
وهو يكاد الأكثر ترجيحاً بالدرجة الأولى، إذ أن معظم شعوب ومجتمعات ودول العالم إن لم تكن جميعها، عاشت ذات المأزق الذي يعيشه العرب الآن وبأشكال متعددة متنوعة، واستطاعت في كثير منها، الانتقال من هذا الطور، إلى أطوار أخرى متقدمة إنسانياً وتنموياً وسياسياً، واستطاعت بناء (الدولة المؤسساتية) التي تفاعلت جدلياً مع المجتمع، وتفاعل معها على طريق التحديث والتطوير والإصلاح والممارسة الديمقراطية، في: القمة / النظام، وفي القاعدة / المجتمع، بينما بقينا نحن العرب في طور "الإشكالية الكبرى" لمفهوم (الدولة) وأسلوب تأسيسها وبنائها والتعاطي معها، من حيث البقاء في موضع التناقض والاصطدام بين: "فكرة الدولة" في وعينا المجتمعي المستند إلى مواريث قبلية وعشائرية تحمل الكثير من صفات التمرد وعدم الانصياع لسلطة أعلى تجرد الفرد من فردانيته ونفوذه، وتحمل من جهة أخرى الكثير من صفات الهيمنة والتسلط والفرض العلّوي على سائر الأفراد التابعين، وبين فكرة "الدولة المؤسساتية الحديثة"، وبذلك بقينا: سلطة، ومجتمع، نشكل الطور الأدنى العصبوي في وعينا وممارساتنا.
ومع هذا الطور، ورغم مآسيه وخسائره وتخلفه، ومع كل الدم الذي بذل مقدماً في سبيل التحرر والبناء، ولتجاوز هذا الطور، من:
- مليونا شهيد في الجزائر.
- مليون شهيد للصراع العربي الصهيوني.
- مليون شهيد فلسطيني.
- مليون شهيد عراقي.
- ملاين الشهداء الموزعين بين: الصومال، والسودان، وليبيا، والمغرب، والخليج العربي، ولبنان.
ومع كل هذه الدماء، التي دفعت وسالت في سبيل الهدف النهائي، الأمة العربية الحرة الموحدة المتقدمة، لم تكن كما يظهر في "وعينا" ولا زلنا بعد كل معاركنا، ومواجهاتنا، وتضحياتنا، نعود ونمهد، ونستسلم لمنظومتنا الموروثة!
ما العمل؟ ومن أين نبدأ؟
1 - لا بد من الاستيعاب والوعي بأن الفكر الذي يبحث ويقدم حلولاً لواقع أو لمشكلات، على تنوعه، ليس هو الذي يفعل بقدر ما ينير، وبالتالي فإن الحكم على فشل الفكر أي فكر أو نجاحه، إنما يأتي بعد تجسد هذا الفكر ومتغيراته مع واقع التطبيق والممارسة، متلازمان صادقان لا يتناقض أحدهما مع الآخر.
2 - أن: الممارسة / السياسة، لا يجب أن تستدعي وتسرق وتتبرقع بالفكر إدعاءً، لتنفيذ رؤاها ورغباتها وهيمنتها وفسادها على المجتمع.
3 - إن بناء "الدولة المؤسساتية الحديثة" يتطلب التخلص (بالوعي والإرادة) من منظومة مورثات: اجتماعية وسياسية، أثبتت التجربة والدراسات عقمها على طريق تحقيق البناء والتحديث والتقدم والتنمية.
4 - أن الديمقراطية ليست شعاراً يرفع، ولا هي مجرد أداة توظيف، لأنها بدون: (الوعي، والحرية الوظيفية، والسير على طريق التنمية المجتمعية الإنسانية والاقتصادية)، ما هي إلا أضغاث أحلام، تدعى: ديمقراطية.
وأخيراً، فإن (العقل) وأنماط التفكير، هما المسند الرئيسي والحامل الأساسي لكل هذا، إن ضعف (العقل): المعرفي والاجتماعي والعلمي والسياسي، هو الحاضن لكل "معوقات" التحرر والتطور والإصلاح.
ومن أسف .. فإننا لا نشعر بهذه الأزمة / المشكلة الكبرى، ونتمسك بأن الله أنعم علينا بالعقل، ونحن معجبون به كما هو، وأنه أقصى ما يمكن الحصول عليه: تميزاً، واستفراداً، وقبولاً.. فلا نشعر بما يسببه هذا العقل المريض من نتائج.
إن جميع "الأمراض".. تلاحظ، وتؤلم، وتعالج.. إلا مرض العقل.. فالمثل يقول:
(لو كانت قلة العقل موجعة.. لكنّا سمعنا صراخاً شديداً).
10/2/2008