جورج حبش حارس الثوابت

معن بشور

لا أعتقد أن ابن اللد، طالب الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت خلال النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين، كان يدرك أن نكبة بلاده عام 1948 ستدفعه ليؤسس مع رفاق له (الشهيد وديع حداد، هاني الهندي، احمد الخطيب وغيرهم)، واحدة من أهم الحركات القومية العربية المعاصرة التي انتسب اليه مناضلون ومثقفون وناشطون من موريتانيا على كتف المحيط حتى اليمن وظفار والبحرين والكويت على سواحل الخليج.

كما لا أظن أيضاً ان هذا القائد والرمز القومي الكبير كان يدرك تماماً ان منظمة (أبطال العودة) التي أطلقها في أواسط الستينات مع رفاق له كأحمد اليماني (أبو ماهر) والشهيد أبو علي مصطفى، والراحل عبد الكريم حمد (أبو عدنان)، والشهيد غسان كنفاني، كواحدة من اوائل المنظمات الفدائية قبيل حرب حزيران 1967، ستتحول بعد فترة وجيزة الى واحدة من أهم المنظمات الفلسطينية (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) التي ملأ صيتها العالم، وانشغل بها القاصي والداني، وباتت حليفة كل ثوار الارض، فيما بقيت هي أمينة على أرض فلسطين، كل الارض، فلم تدخل يوماً في مساومة أو مناقصة أو حتى مزايدة في صراع بات هو الاطول والاخطر والاكثر تعقيداً في عصرنا الحديث.

لكن جورج حبش، بايمان يضاهي ايمان الاولياء، وبثبات قل نظيره، وببساطة نادرة، كان يتقدم من موقع الى موقع، لا يضيره الانتقال من بلد عربي الى آخر، فبلاد العرب كلها وطنه، ولا من سجن الى آخر فالوطن العربي بات سجناً كبيراً يتناوب على حراسته احتلال واستبداد ويتعاونان، ولا ان يمضي ردحاً طويلاً من حياته يعمل "تحت الارض" من اجل تحرير الارض التي نذر العمر من اجلها.

فلهذا الرجل الكبير بالطبع مزايا وطنية وسياسية واخلاقية وشخصية نادرة، جعلت من لحظة الاعلان عن رحيله لحظة صمت والم وحزن لفت عشرات الملايين من ابناء شعبه وامته واحرار العالم، غير ان ميزته الاكبر انه في زمن المتغيرات الكثيرة، بل زمن المتغيرين الأكثر (والقول للأستاذ منح الصلح) بقي جورج حبش حارس الثوابت، حريصاً على المبادىء لا يفرط في حق، ولا يساوم في مبدأ.

على أن ميزته الكبيرة هذه اقترنت بميزة أخرى لا تقل عنها أهمية، بل وترتبط بها، وهي أنه كان معارضاً داخل الساحة الفلسطينية دون انقسام، معترضاً دون انشقاق، لأنه كان يدرك ببساطة ان اقصر الطرق للتفريط بالثوابت هو ان تدفع بشعبك الى مهاوي الانقسام والانشقاق والاحتراب.

هذه المزايا مجتمعة جعلت لجورج حبش مكانة مميزة لدى مؤيديه كما لدى من كانوا يختلفون معه، بل كان كثيرون داخل الساحة الفلسطينية والعربية، وفي مقدمهم الرئيس الراحل ياسر عرفات، ينتظرون كلمة "الحكيم" التي غالباً ما تكون "تشريحاً" دقيقاً للمرض، ومعالجة صريحة لأسباب العلّة.

ويكفي جورج حبش فخراً، انه كان من القادة النادرين في تاريخنا السياسي والحزبي، الرسمي والشعبي، الذي تنازل طوعاً عن موقعه إيماناً منه بالتداول، بل يكفيه فخراً كذلك أن أحد خليفتيه في الأمانة العامة للجبهة الشعبية (أبو علي مصطفى) قد استشهد على يد الاحتلال الصهيوني، وان خليفته الآخر (احمد سعدات)، ما زال معتقلاً منذ سنوات في سجون المحتلين.

قد يغيب وجه جورج حبش عن أبناء فلسطين والأمة، عن أحرار العالم المنتشرين من اليابان حتى أمريكا اللاتينية، لكن أحداً لن يستطيع أن يغيّب صورة حبش المناضل والمعلّم والقائد عن ذاكرة فلسطين والأمة.

بيروت 27/1/2008


عودة إلى الملف الخاص