الشعر فقد بريقه السحري في عصرنا الحاضر
عاطف شقير - إعلامي من فلسطين المحتلة
في العصور السابقة كان للأدب آثره السحري في تشكيل عقول الشعوب ومخزونهم الفكري، وكأنه يشكل الإعلام بصوره المختلفة من نقل الأخبار والأفكار والتغني بأمجاد القبيلة والقوم.
وزرع معاني البطولة والدفاع عن الأراضي المحتلة كما تمثل بعض وسائل أعلامنا اليوم كقناة "المنار" مثلا.
وهذا ما برز بصورة جلية في كتابات أمير الشعراء احمد شوقي والمناضل سعد زغلول، حيث كانوا من حملة القلم وهواة الأدب فهم بحق يملكون التأثير القوي على جماهيرهم في قولبته وصياغة فكره بالصورة التي يريدون التعبير عنها، عن طريق الشعر الحماسي الذي يشكل الرافد الأدبي الهام لمخاطبة الناس والشعوب.
ففي العصر الجاهلي لا يستطيع أحد أن ينكر أن البوق الإعلامي والثقافي كان منصبا على الشعر والخطابة، حيث لا يستطيع اثنان أن ينكرا دور الشعر الجاهلي في مختلف نواحي الحياة فهو بمثابة البوصلة التي يهتدي بها معظم أفراد القبيلة، ولعلك تدهش إذا ما عرفت أن الشعر كان يأتي بطريق السليقة المستوحاة من تلك البيئة الصحراوية.
ولهذا يأتي الشعر معبرا عما يجول في خاطر الشاعر من أفكار وتوجهات تختزلها قصيدته التي تشكل معلما من معالم البطولة التي يمتدح فيها الشاعر فلانا أو ينتقص من قيمة فلانا آخر أو يذهب للتغني بأمجاد القبيلة وكرمها والشجاعة التي يتحلى بها أبناء هذه القبيلة.
زد على ذلك، أن الشاعر يظهر نفسه على أنه فارس وجواد لا يهاب أحد زانه مثالا في التضحية والفداء والكرم، فالشاعر في تلك العصور يمثل دور الإعلامي المعاصر الذي ينقل الصورة الحية والمثالية بمؤسساتنا السياسية المختلفة، ولا نستطيع في هذا الإطار أن نتصور أن إعلامي يستطيع الخروج عما تريده الأسرة الحاكمة وإلا عرض نفسه للفصل من العمل أو المساءلة القانونية أو السجن في بعض الأحيان، وقد يكون إعلامي اليوم مضطرا للتخاطب بالصورة هذه وذلك لتامين مصدر رزقه وعمله، ولكن شاعر القبيلة في العصور الجاهلية يمتدح قبيلته وعائلته بكل أمانة وإخلاص دون أي مجاملة أو دهون بما يعبر عن القول الصادق في مثل هذا الطرح، وأنه لا يتعامل مع هذه النصوص إلا ليعبر عن فرحه وامتنانه بالانتماء إلى قبيلته وعشيرته، وذلك لأنه يشعر بأنه يمتدح ذاته من خلال هذه القصيدة أو المنظومة الشعرية.
أما الصفات التي يتحلى بها الشاعر فتكون بإتقان الفصاحة والبلاغة والبيان، فهو يمثل لسان حال القبيلة في مختلف المناسبات والمشاجرات أي انه يمثل المستشار الإعلامي لشيخ القبيلة الذي يتغنى بأمجاده حبا فيه وإخلاصا لكرامة قبيلته وسموها.
أما فيما يتعلق بالجمهور الجاهلي فكان ذواقا للرسالة الشعرية التي يتغنى بها أحد الشعراء والتي تتضمن التغني بأمجاد القبيلة وكرمها، فهذه الرسالة بالنسبة إليهم تمثل المعاني الشاملة والسامية التي لا يجوز تجاوزها بأي حال من الأحوال.
أما في عصرنا الحاضر، فأن شباب اليوم لا يتوقون الشعر والعمل الأدبي إما لخلل في أذنه أو لغته التي تتوالى الحملات الاستعمارية للنيل منها لسهولة تحويلها للهجة عامية (تحي مسمى لغة) التي تشتت وحدة الخطاب العربي المنشود، حتى أن مثقفي اليوم يميلون لاستعمال اللغة العامية في حواراتهم وأحاديثهم دون اللجوء إلى المخاطبة والتحدث باللغة العربية الفصيحة، حتى يمكن القول أن اللغة العربية الفصيحة بالنسبة إليهم يجب أن تكون على صفحات الكتب والمجلات وحتى هذه اللغة توصف بالركاكة في بعض الأحيان.
قد يظن القارئ أنني أحبذ العودة إلى لغة الشعر والأدب في عصرنا الحاضر، ولكن هذا ليس ما أقصده في انف حيث وإنما أن يبقى الشعر شعلة مضيئة في حياتنا المعاصرة متيقنا أن جمهور الشعر قل ولا يستطيع أن يكون ذواقا لهذا الجانب الأدبي الهام لأن لغته تفوق قدرة الشباب على فهمها لهذا ظهر ما يسمى بالشعر العامي الذي يتخلل أشرطة (الفيديو كليب)، وذلك بدعوى مواكبة هذا العصر بكل تجلياته الحضارية والتكنولوجية وذلك تماشيا مع معطيات العصر الذي لا يتوق إلى شعر رصين اللغة دون الإنقاص من قيمته اللغوية الراقية وإلا أصبح دربا من دروب النثر.
أما في عصرنا الحاضر، فلا يمكن تذوق الشعر كما كان يتذوقه الناس في العصر الجاهلي وذلك نظرا لظهور ثورة المعلومات والتكنولوجيا المعاصرة والإنترنت التي لا تتيح للفرد ضياع وقته وجهده في قراءة الشعر، وذلك نظرا لضخامة المعرفة التي يجب الإلمام بها في عصرنا الحاضر ولأن الإنسان المعاصر يحتاج إلى لغة بسيطة وسهلة وموجزة لكي يغذي مخزونه المعرف والثقافي.
أما في العصر الجاهلي فلا يوجد الإنترنت والتكنولوجيا المعقدة فهم يتمتعون بوقت وفير للتغني بتلك الأشعار وقراءتها، لأن معظم حياتهم قائمة على رعاية الأغنام والزراعة البدائية التي توفر لهم العيش الكريم.
أما عالم اليوم ففي الصناعة المتطورة والزراعة الحديثة ولا يمكن في هذا العالم أن يصبح الوقت بلا جدوى في ظل انتشار المعارف الهائلة والابتكارات المتدفقة، وهذا ما تتجلى ابرز صوره في العالم الصناعي المتقدم كأوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان وغيرها.
خلاصة القول، أن للشعر الرصين عالمه الخاص في عصرنا الحاضر وأنك لا تجد للشعر تأثيره السحري كما كان في العصر الجاهلي وفي عصر شكسبير، أما في أيامنا المعاصرة فترى الفتور الواضح في دراسة الشعر كما كان الحال في عصره الذهبي الذي (عم وطم) ما يعرف بالثقافة الشعرية التي أصبحت معالم اندثارها واضحة وجلية في عصرنا الحاضر.