مليارات الخليج في جيب بوش وساركوزي

العرب (التي تصدر في لندن 17/1/2008)

الخطابات النارية التي يلقيها الرئيس الأميركي جورج بوش في عواصم دول الخليج العربي التي زارها، لا يبدو أنها تنزل برداً وسلاماً على قلوب الملوك والأمراء والمسؤولين في هذه الدول، ولا على المسؤولين الخليجيين الآخرين الذي استمعوا إلى بوش عبر الأثير.

خطابات التحريض والتعبئة ضد إيران، ليست ما تنتظره دول الخليج ومعها العواصم العربية الأخرى، من زيارة بوش "المدوية" إلى المنطقة.

هؤلاء كانوا يريدون "خريطة طريق" دقيقة وجدية وتدخلاً أميركياً فاعلاً لوضع القضية الفلسطينية على طريق الحلّ الفعلي بما يؤدى إلى قيام دولة فلسطينية قادرة على الحياة والعيش... وهو ما كان وعد به بوش الفلسطينيين منذ سنوات، إلا أن كلامه بقى حبراً على ورق، ومارست إدارته طيلة ولايته الممتدة حتى اليوم، كل ما من شأنه أن يعيق قيام مثل هذه الدولة حيث شجعت بالمقابل ممارسات إسرائيل القمعية والتعسفية والإجرامية ضد الشعب الفلسطيني.

أما الخليجيون فيعيشون قلقاً وهواجس القليل منها معلن والكثير منها مكتوم إزاء الجارة إيران التي تنامى دورها الإقليمي على حسابهم من أفغانستان حتى غزة مرورا بالعراق ولبنان وسوريا.

وزاد من قلقهم طموحها النووي وتسلحها المستمر ومحاولاتها الحثيثة لتصدير ثورتها بأساليب جديدة أشد دهاء وفاعلية.

وأكثر من دولة في الخليج لديها قصة مع إيران: الإمارات لا تنسى جزرها الثلاث المحتلة، البحرين تعيش دائما هاجس اعتبار طهران الضمني لها بأنها جزيرة فارسية، السعودية تحيا التنافس اليومي مع إيران على الزعامة الإسلامية والدور الإقليمي.

لكن الهواجس والتمنيات شيء والواقع شيء آخر، على ضفتي الخليج المختلف على تسميته ما بين فارسي وعربي، وثمة خلط بين ما هو عربي وما هو إيراني لا يمكن الفصل فيه.

على الضفة الشرقية الإيرانية للخليج عرب شيعة فروا من الظلم على الضفة الأخرى لكنهم لا يزالون يحتفظون بلغتهم وانتمائهم العرقي والقبلي.

وعلى الضفة المقابلة فرس سنّة فروا من الجور على الضفة الأخرى لكنهم لا يزالون حتى الآن ينطقون لغتهم الفارسية ويفتخرون بانتمائهم القومي.

في الإمارات جالية كبيرة إيرانية الأصل غالبيتها من السنّة لكنها لا تتنكر أبدا لقوميتها الأصلية، ونخبتها المتعلمة يتجاوز دورها الشق التجاري والاقتصادي إلى الشق السياسي، وتكفى معرفة أسماء عائلات كبرى تتميز بالنفوذ والثراء في هذه الدولة لمعرفة هويتها القومية الحقيقية، وهى ساهمت في جعل الإمارات أكبر شريك تجارى لإيران، وأنشأت أكثر من عشرة آلاف شركة في إمارة دبي وحدها.

والأمر ذاته ينطبق على البحرين التي تعيش فيها غالبية شيعية منظمة وتحتفظ بعلاقات سياسية قوية مع النظام في طهران على رغم أنها من العرب الخلص.

وفي الكويت أقلية شيعية علت أصوات نخبتها الفاعلة إعلامياً وسياسياً وتجارياً إزاء أي عمل عدائي أميركي ضد إيران مثلها في ذلك مثل نخبة من الغالبية السنية التي يضير مصالحها الحيوية أي تفجير جديد في الخليج.

وفي سلطنة عمان تحتفظ الأباضية بعلاقات تاريخية مع الضفة الشرقية لهرمز لم تتغير مع تغير الأنظمة في طهران ولا بفعل الحروب والانقسامات الخطرة التي شهدتها المنطقة.

أما قطر فوجدت في طهران سنداً وظهيراً عندما توترت علاقاتها مع الشقيقة الكبرى السعودية التي بدورها تحسب ألف حساب درءاً لفوضى في الخليج أو لفتنة مذهبية قد تكون على حساب استقرارها الداخلي.

التركيبة الديموغرافية المعقدة، والخوف المشترك من الفتنة الكبرى، والمصالح التجارية المتداخلة، والقلق على النفط وإنتاجه وممراته، عوامل لم تجعل آذان الخليجيين تطرب لخطابات بوش الرنانة وتهديداته النارية وهى تدرك أن السياسة الأميركية في المنطقة هي أكبر الأخطار عليها. فدول الخليج خاضت بكل طاقتها الحرب الأميركية على الوجود السوفياتي في أفغانستان، وغطت مرتين الغزو الأميركي للعراق، لكن المنطقة لم تنعم بالاستقرار ولم يسترجع الفلسطينيون شبراً واحداً من فلسطين.

كما أوصلت هذه السياسة إيران إلى ما هي فيه اليوم بفعل الهدايا المجانية التي نالتها في العراق وأفغانستان.

لقد جاء بوش إلى الخليج حاملاً معه سياسة الاحتواء القديمة التي جربها المجربون، ولكن غاب عن باله أنه هو راحل عما قريب بينما إيران باقية.

لكن بوش نجح، ومثله الرئيس الفرنسي ساركوزي، بعقد اتفاقات بمليارات الدولارات في صفقات أسلحة لعدد من دول الخليج النفطية.

والمؤسف أن مصير هذه الأسلحة سيكون الصدأ والاهتراء في مخازن ضخمة مثل صفقات أسلحة أخرى وبالمليارات أيضاً، لم تستخدم يوماً واحداً وصدأت فعلاً في مخازن معتمة، وتحوّلت اليوم إلى "خردة" لا تصلح لشيء!