الخيوط الخفية لإفشال "المبادرة العربية"

(العرب) التي تصدر في لندن (14/1/2008)

المناخ الإيجابي والمشجع الذي أشاعته الخطة العربية التي تقررت بالإجماع وتضمنت "خريطة طريق" لحل الأزمة الرئاسية والسياسية في لبنان، هذا المناخ، وبدل أن يتعزز ويقوى مع وصول أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى إلى لبنان، آخذ في الانحسار والتبدد ليحل محله مناخ من الحذر والترقب في ضوء مؤشرات أولية أظهرت أن الانطباع الذي تولد بعد اجتماعات القاهرة بأن الأزمة اللبنانية باتت الآن في حكم المنتهية، وبأن مهمة عمرو موسى هذه المرة مختلفة في ظروفها بما يتمتع به من تغطية عربية شاملة ومن دعم دولي، وستكون مختلفة في نتائجها عن المرات السابقة التي انتهت إلى الخيبة والفشل، كان انطباعا في غير محله..

ويمكن إيجاز المعطيات والانطباعات المتولدة حتى الآن في النقاط التالية:

1 - تأجلت جلسة انتخاب الرئيس للمرة الثانية عشرة إلى 21 يناير/كانون الثاني الجاري وقد لا تكون أفضل من سابقاتها التي أرجئت لتعذر الاتفاق السياسي الذي حددته المعارضة شرطا لانعقاد جلسة الانتخاب، وبالتالي تعذر تأمين نصاب الثلثين..

إن تأجيل الجلسة يعنى أن أول انتكاسة لحقت بالخطة العربية لمجرد أن البند الأول منها المتعلق بانتخاب العماد سليمان فورا لم ينفذ.. ويعني أيضا أن انتخاب الرئيس ربط مجددا بالأزمة السياسية والمرحلة التي تلي الانتخاب وفى مقدمتها الحكومة.

وهذا من شأنه أن يهدد فرص انتخاب العماد سليمان في المهلة الفاصلة عن 28 يناير – كانون الثاني موعد الاجتماع العربي الثاني المخصص للتقويم والمحاسبة، وعلى أسس المبادرة العربية التى تشكل الفرصة الأكثر جدية وربما الأخيرة لملء الفراغ الرئاسي، فإذا ضاعت هذه الفرصة سيطول الفراغ الرئاسي وسيكون الوضع المكشوف عرضة لشتى الأخطار الأمنية والاقتصادية.

 

2 - عمرو موسى جاء في مهمة محددة الأهداف: تنفيذ الخطة العربية والترجمة العملية لبنودها في مجالين رئيسيين: كيفية انتخاب العماد سليمان رئيساً ووفق أي آلية دستورية؟! وماهية وكيفية الاتفاق الفوري على تشكيل حكومة وحدة وطنية وعلى قاعدة أن يكون للرئيس الجديد كفة الترجيح؟! ولكن الأمين العام تجاوز في لقاءاته واتصالاته هذه المهمة وقد استدرجه الأفرقاء اللبنانيون إلى الخوض والتورط مجددا في دوامة الأزمة ولعبة الشروط والأرقام.. وليجد نفسه مضطرا للعودة إلى نقطة الصفر، نقطة إعادة بناء الثقة وترميم العلاقات السياسية الداخلية عبر حوارات ولقاءات ثنائية ورباعية اقترحها ولم تحصل.

 

3 - المعارضة التي أكدت على التفويض المعطى للعماد ميشال عون "وهذا كان أبرز ما تبلغه موسى من السيد نصر الله" أبلغت بوضوح أنها تطالب بآلية تطبيق لقرارات مجلس وزراء الخارجية العرب لأن الالتزام العربي الشفوي لا يلزم أي طرف لبناني، والمطلوب التزام خطى بتنفيذ مضمون البيان يترجم باتفاق سياسي مسبق لأن النوايا شيء والتطبيق شيء آخر، والنوايا طيبة عند الدول العربية وأيضا عند العماد سليمان، ولكن إذا لم يلتزم فريق الأكثرية بحكومة الوحدة بعد انتخاب الرئيس، فهل يعقل أن يتحمل لبنان والرئيس الجديد أزمة جديدة من نوع وخطورة الأزمة المصيرية التي واجهها منذ سنتين وحتى اليوم؟!

المعارضة التي تجاوزت الرئاسة وتفاوض على الحكومة "الثلث الضامن - إبعاد الحريري - الوزارات السيادية والأساسية..." تعتبر أن الكرة في ملعب "الأكثرية" التي لا ترى في المبادرة العربية إلا البند الأول، ولا تبدى تفاؤلا لأن جواز المرور الأميركي لنجاح المبادرة العربية لم يصدر بعد ولن يصدر قبل الربيع في ضوء ما ستؤول إليه الأوضاع في فلسطين والعراق، خصوصاً أن لا شيء يدعو أميركا إلى العجلة والإلحاح في ملء الفراغ الرئاسي مادامت حكومة السنيورة قائمة وتمارس مهامها بتغطية من واشنطن وعواصم غربية وعربية عديدة.

 

4 – "الأكثرية" غير مرتاحة ومتوجسة من مواقف المعارضة في ضوء عدم التطابق بين الموافقة الكلامية على المبادرة العربية والعرقلة العملية لها من خلال هذه المؤشرات:

* حصر التفاوض بالعماد عون الذي يصعب على الأكثرية محاورته لعدم توافر العلاقات والمناخات السياسية الملائمة معه، خصوصا وأن نقل مركز الحوار من رئيس مجلس النواب نبيه برى إلى العماد ميشال عون كان بهدف مزيد من التعقيد والعرقلة.

 

* التأكيد على عدم تعديل الدستور لانتخاب العماد سليمان، وهو ما أكد عليه مجددا الرئيس برى في لقائه مع موسى.

5 - ثمة "لغط وغموض" يكتنفان الموقف السوري والالتزام الرسمي الذي من حيث المبدأ لم ينحصر في الموافقة على الحل العربي بل شمل التعهد بإقناع الحلفاء اللبنانيين به، والذي من حيث التطبيق يعود إلى ما كان عليه قبل اجتماع القاهرة من عدم استعداد لممارسة أي ضغوط على المعارضة إذا لم تمارس دول أخرى ضغوطا على الأكثرية، ومن استعداد لدعم ما يتفق عليه اللبنانيون، خصوصا في ضوء تصريحات الوزير المعلم بأن سوريا لن تضحي بمصالحها وحلفائها من أجل القمة العربية، مع ما يعنيه ذلك من تعطيل لورقة "الابتزاز العربي" ولمحاولات إبعادها عن الملف اللبناني، بعدما عمدت إلى استيعاب الضغط العربي وتحويل المبادرة العربية من ورقة ضدها إلى ورقة في يدها..