ترجل الفارس الحكيم فانحنت الهام إجلالاً وإكباراً
بقلم: أكرم عبيد
في المصاب الجلل، نحاول أن نستجمع شتات أفكارنا في أرجاء الذاكرة لنتساءل إذا كانت الكلمات والجمل، وكل مفردات القواميس أن تعبر عن فقدان القائد الفلسطيني الكبير وضمير الثورة، المناضل جورج حبش.
في الحقيقة القلم يرتجف بين الأصابع، والأفكار تتيه في غياهب الذاكرة، والرهبة تملأ النفس بالوطن المفجوع بابنه البار حكيم الثورة وضميرها، لكنها الحقيقة، فقد رحل القائد الإنسان ونحن في ذروة الحاجة الماسة إليه متجاوزا كل ظروفنا ليصبح علماً من أعلام شعبنا وأمتنا الذين أسرعوا الخطى للانضمام إلى قوافل الخالدين من الشهداء العظام.
نعم لقد رهن الحكيم حياته من أجل فلسطين وقضايا أمته مبكرا عندما كان تلميذا يتظاهر مع زملائه تضامنا مع قضايا شعبه وأمته حتى أصبح قائدا بين أقرانه من الطلبة الجامعيين، فانفعل وتفاعل مع الأحداث المتسارعة فأسس (حركة القوميين العرب) ثم (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، فنذر نفسه لقضيته العادلة التي شكلت المعنى الأساسي لوجوده واهتماماته التي لم تحول بينه وبين ثقافة العصر، وانهيار هذا الزمن العربي الرديء، لقد تحمل عظيم المسؤولية في (م. ت. ف) منذ تأسيسها وكان الرقم الصعب في هيأتها ومؤسساتها، ومدافعا عن الوحدة الوطنية، وحارسا أمينا للثوابت، فتميز بعبقريته الوقادة التي تمثلت بحكمته وحنكته السياسية، وصموده، وصلابته اتجاه ثوابته الوطنية، وعقلانيتها لتنظيمية الرافضة لكل أشكال العبثية والأنا الذاتية والعصبوية المقيتة والانشقاقات، فكان مثال المناضل الوحدوي الملتزم بوحدة أمته وشعبه وأرضه، والثورة وجبهته، فتمكن من احتواء الكثير من التوترات وتطويق معظم مظاهر الإضرابات وعدم الاستقرار، فأبدع في تحليل الواقع، وشخص عوامل القوة وأسباب الضعف، سواء على الصعيد التنظيمي أو الوطني أو القومي، كما حدد طبيعة العوامل القادرة على تجاوز الضعف والتشتت والتجزئة إلى التعاون والتنسيق وتعزيز نقاط اللقاء على أسس وطنية لترمم الخلل على قاعدة الفهم الصحيح لطبيعة الصراع العربي – الصهيوني، كصراع وجود وليس نزاع على حدود، كما يتعمد البعض أن يصوره، لا شك أن شهيدنا الكبير امتلك بحكمته وحنكته الخبرة في إدارة الصراع والأزمات والتعاطي مع أعقد الأحداث، فأجاد الصياغة والتوجه ليقود رفاقه وشعبه إلى بر الأمان الناجحة، وبين الإبداع الفكري الخلاق.
نعم لقد تميز حكيم الثورة بالخلق أولاً والشفافية والإبداع والنزاهة ونظافة الكف والزهد بالمناصب والمسؤوليات والكراسي، وخاصة عندما تخلى عن مهامه القيادية في الجبهة ليعطي الفرصة للآخرين ويكسر قاعدة الاحتكار القيادي، لذلك كان من القادة القليلون الذين ينكرون الذات ويترجمون القول إلى فعل كفاحي ويربطون النظرية بالتطبيق، ويجمعون بين القيادة السياسية والجماهيرية بشكل طوعي ديمقراطي، بعد المرحوم أحمد الشقيري مؤسس منظمة التحرير الفلسطينية وشيخ المجاهدين بهجت أبو غربية أول أمين عام لـ(جبهة النضال الشعبي الفلسطيني) ليتجدد العطاء في الهيئات القيادية سواء على الصعيد التنظيمي أو الوطني، لتكريس الديمقراطية الحقيقية.
نعم إن هؤلاء القادة قليلون في هذا الزمن السيئ، زمن التفريط والهرولة والتسول، وبالرغم من ذلك فهم القادة الاستثناء الذين يحضرون في غيابهم ليصنعوا برحيلهم مجد شعبنا وأمتنا التي تنهل من تجربتهم ومنهجهم الكفاحي الخلاق كل المثل والقيم النضالية من أجل الاستمرار في معركة التحرير حتى استعادة حقوقنا المغتصبة في فلسطين، كل فلسطين والجولان وكل ذرة ما زالت مغتصبة في جنوب لبنان المقاوم والعراق العظيم بمقاومة الغزاة، لذلك لا بد أن نكرم شهدائنا لأنهم قيمة القيم التي لا تدانيها قيمة لأنهم أعطوا بلا حدود، وكانوا رمزاً للتضحية بلا حدود، لقد تجاوز الحكيم حدود (الجبهة الشعبية) بقدرة وتفكيره وإبداعه ليفرض نفسه زعيماً وشريكاً قيادياً في حدود الشعب الفلسطيني المقاوم، وعلى صعيد حركة التحرر العربي والعالمي، وفي النهاية صحيح إن فقدان شعبنا وأمتنا ورفاقنا في الجبهة ألشعبية وثورتنا مصاب جلل وخسارة كبرى للوطن وقضيتنا وحقوقنا الفلسطينية العادلة كما هو خسارة لأسرته الفاضلة والمناضلة وهذه إرادة الله جل شأنه.
نعم إن الحكيم سيغيب جسداً ولكنه في الواقع سيحيا في قلوبنا وعقولنا من خلال مسيرته النضالية وأهدافه ومبادئه الوطنية والقومية الخلاقة التي ناضل من أجل تحقيقها.
تغمد الله شهيدنا بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنانه، وعظيم عزائنا لشعبتا الفلسطيني المقاوم وعموم أبناء الأمة وحركة التحرر العربي والعالمي وأسرته المناضلة.
لك المجد يا حكيم الثورة ولشهداء شعبنا وأمتنا على طريق تحرير فلسطين كل فلسطين والحرية للأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الصهيو-أمريكي.