خادم العلمين

آيات الشيطان في إيران يلعبون على الحبلين ويخدمون العدوين

احمد عبد الله طه *

شيئا فشيئا تحل كلمة "احتواء" محل كلمة "مواجهة" في "الخطاب" الإعلامي اليومي للإدارة الأمريكية تجاه إيران، ويوجد لهذا سبب جدير بالاعتبار، هو أن الطرفين يستطلعان سبلا للتعاون، ويفتحان خطوطا للحوار، ويجريان تعديلات ملموسة على استراتيجياتهما المشتركة لم تكن مطروقة من قبل.

صحيح أن الطرفين يبدوان وكأنهما يواصلان "الضجيج" العدائي نفسه، إلا انه حتى معدلات هذا الضجيج بدأت تنخفض لصالح إشارات تضع الحوار والتفاهم بديلا عن المواجهة والتهديد.

ولولا الحادث الهزلي الذي جرى الأسبوع الماضي "وحاول الطرفان أن يجعلا منه قصة" عندما اقتربت زوارق عسكرية إيرانية خفيفة من قطعة بحرية أمريكية بالقرب من مضيق هرمز، فان شيئا ما كان ليعكر صفو التحول الذي أعلنه كبير ملالي طهران على خامنئي في الثالث من الشهر الجاري عندما قال: "إن الوقت لم يحن بعد لإعادة العلاقات مع الولايات المتحدة إلا أن هذا قد يحدث يوما ما". وقال خامنئي إن "عدم وجود علاقات مع أمريكا هو أحد سياساتنا الرئيسية، لكننا لم نقل قط إن تلك العلاقة يجب أن تقطع للأبد"، وأضاف أن "إقامة هذه العلاقة الآن "سيكون" ضاراً لنا وبالطبع يجب ألا ننتهجه.

بالتأكيد يوم أن تكون العلاقة مع أمريكا مفيدة للأمة سأكون أول من يقر هذه العلاقة".

والمراوحة بين حدى "الاحتواء" و"المواجهة" لا تقتصر على المسؤولين الأمريكيين وحدهم، ولكنها تشمل "الإسرائيليين" أيضا، ففي حين قال الرئيس "الإسرائيلي" شمعون بيريز في الثالث من الشهر الجاري أيضا انه "لا يرى ضرورة لشن حرب على إيران" وذلك فى مقابلة مع صحيفة سودوتش زايتونغ الألمانية، مشيرا إلى إن “كوريا الشمالية اضطرت إلى تفكيك برامجها النووية بفعل العقوبات وليس بالحرب”. إلا أن هذا الـ"بيريز" نفسه عاد ليقول بعد أقل من أسبوع، خلال استقباله للرئيس الأمريكي جورج بوش: "نتبع نصيحتكم بعدم التقليل من شأن التهديد الإيراني". وأضاف "يجب ألا تخطيء إيران في تقدير تصميمنا على الدفاع عن أنفسنا".

 

كيف تحدث هذه التقلبات؟

انها تحدث لأن الولايات المتحدة وإسرائيل تلاحظان ان إيران تحاول، بسبب مخاوفها الخاصة، أن تلعب على الحبلين، وهما يريدان أن يستفيدا من هذه "الكفاءة" في تحويل إيران من عدو ظاهري إلى حليف يخدم مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل في آن معاً.

العنصر الجوهري في المخاوف الإيرانية هو أن نظام الملالي في طهران يشعر بقوة بعمق مأزقه الداخلي، ولا يريد أن يضيف إليه تهديدات خارجية تضاعف مخاطره. فهناك مشاكل اجتماعية واقتصادية ونزاعات إثنية ظاهرة ومستترة تزعزع أساسات هذا الكيان، فنظام العمائم، فشل على سبيل المثال في استقطاب جيل الشباب إلى صفه، وذلك في مجتمع يشكل الشباب "بين 15 و35" نحو 65% من عدد السكان، وهذا يعني أن ما يسمى بـ"الثورة الإيرانية" "التي كان الطلاب يوما ما هم قلبها النابض" فقدت الأرضية التي تقف عليها.

وبينما كان الأمل أن تؤدى خيارات مكافحة الفساد إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية، وهو الوهم الذي قاد محمود أحمدي نجاد إلى السلطة، فأن هذه الأوضاع لم تتحسن، واستمرت معدلات التضخم "تبلغ اليوم نحو 15%" لتأكل قيمة التحسن الطفيف في الأجور، ومثلما ينهب أصحاب العمائم الثروات في العراق في ظل نظام فساد محكم، فان أصحاب العمائم في إيران يفعلون الشيء نفسه، ربما لأنهم يدركون ضمنيا أن نظامهم لا مستقبل له، وأنه من حقهم أن ينعموا "بما خف حمله وغلا ثمنه" تحسبا لهذا المستقبل، أما العلاقات بين الطوائف في إيران فأنها أقرب إلى الحرب السرية منها إلى علاقات طبيعية، والأسبوع الماضي أصدر خامنئي أمرا بالعفو عن أكثر من ألفى معتقل من ولايتي سيستان وبلوشستان اللتان تغلب عليهما أقليات عرقية غير فارسية، في محاولة لتخفيف حدة التوتر الإثنى الذي يهدد بتصدع وحدة الكيان الإيراني.

القيادة الإيرانية التي يتقدمها كبير الملالي على خامنئي تتبنى إستراتيجية تقول انه إذا نجحت إيران ببلوغ المستوى الذي يتيح لها إنتاج أسلحة نووية، فأن التهديدات الخارجية لن تكون قابلة إلى أن تتحول إلى غزو كما حصل في العراق، وسيكون بوسع النظام في طهران أن يتعامل مع التهديدات الداخلية بمزيج من قوة البطش وشراء الضمائر يسمح بالتغلب عليها في النهاية.

الأمن، إذن، هو العنصر الجوهري للسياسات الإيرانية تجاه الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وفى إطار هذا العنصر فأن النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان وغزة لا يعدو كونه مجموعة أوراق يمكن تبادلها مع أوراق أخرى تقدمها الولايات المتحدة وإسرائيل في إطار استراتيجية بديلة للتعاون بدلا من المواجهة.

في المقابل فان بقاء الاحتلال فى العراق، وبقاء التفوق الأمني "الإسرائيلي" هما العنصران الجوهريان لاستراتيجية الولايات المتحدة و"إسرائيل" في المنطقة.

ومن الواضح أن الاستراتيجيتين الإيرانية، من جهة، والأمريكية-"الإسرائيلية" من جهة أخرى، لا تتصادمان في الجوهريات، وإن كانتا تحتكان ببعضهما البعض في كيفية اللعب بالأوراق.

لهذا السبب تراجعت الدعوة لشن لحرب لتحل محلها الدعوة إلى الاحتواء، فنظام الملالي يطلب الأمن لنفسه. بينما تطلب الولايات المتحدة حماية مصالحها في العراق، و"إسرائيل" حماية قدرتها على الدفاع عن نفسها.

استراتيجية الاحتواء تعني، من حيث المبدأ، ان تتحول إيران من "تهديد" إلى "شريك"، فالولايات المتحدة تستطيع أن تضمن لنظام الملالي أمنه، وهو ما كان رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، أبلغه برسالة خاصة إلى القادة الإيرانيين، عندما كانت الأزمة بشأن البرنامج النووي الإيراني في أوجها أواخر العام 2006، وفي حين أنها تطلب تعاون إيران لمساعدتها في التغلب على المقاومة العراقية، - وهذا ما فعلته إيران على امتداد السنوات الأربع الماضية، دعما لعملائها في حكومة "المنطقة الخضراء"-، إلا أن واشنطن لا تريد أن تبدو إيران كشريك منافس في تقرير مستقبل الأوضاع والمصالح في العراق.

أما النفوذ في المناطق الأخرى فان إيران أظهرت، غير مرة، الاستعداد للتضحية بعلاقاتها حتى مع "حزب الله" نفسه، دع عنك سوريا وحركة حماس، وتأييد أي تسوية تتوصل إليها هذه الأطراف مع "إسرائيل"، إذا ما أظهرت الولايات المتحدة النية، وقدمت الدلائل، على تخليها عن معاداة النظام في طهران، وتخلت عن رغبتها بإسقاطه.

وهذا يبدأ بالنسبة لطهران من عدة مؤشرات من قبيل: إغلاق ملف (حركة مجاهدي خلق) "وهى حركة المعارضة الرئيسية ضد نظام طهران"، وإلغاء الدعم لبرامج تمويل المعارضة الأخرى، ورفع العقوبات وتسليم الأموال المجمدة.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فأن الاحتواء يبدأ من تكريس دور المليشيات الشيعية كقوة قتال إلى جانب قوات الاحتلال، تأتمر بأوامرها وحدها. وقبول أحزاب هذه المليشيات بالمشاريع الاقتصادية التي تلائم المصالح الأمريكية في العراق. وأن تتخلى هذه الأحزاب عن هيمنتها على السلطة والإدارات الحكومية لصالح قبول عملاء جدد في "العملية السياسية" يتمكنون من تحقيق "التوازن" في اللعبة التي يديرها ريان كروكر الرئيس العراقي الفعلي "الذي يتخذ من القصر الجمهوري مقرا له".

أما بالنسبة "لإسرائيل"، فأن الأمر لا يتعدى شيئين: الأول، التأكد من أن إيران ستقبل بوضع منشآتها النووية تحت مراقبة صارمة وشاملة، وتمتنع من الاقتراب من الحلقات التجريبية الرئيسية للاختبارات النووية. والثاني، وقف دعم "حزب الله" بالأموال والسلاح، والتخلي عن دعم سوريا في حال حصلت أي مواجهة عسكرية.

فيما يتعلق بالمصالح الأمريكية في العراق، فقد قدم "آية الله" الإيراني كل الأدلة والبراهين العملية الملموسة على انه "آية من آيات الشيطان الأكبر"، وذلك بمساعدة المليشيات الطائفية الموالية لطهران على شن عمليات قتل وتطهير عرقي واسعة النطاق.

وكانت صحيفة "واشنطن بوست" ووكالة "يو. بي. آي" نقلت مؤخرا عن ديفيد ساترفيلد نائب وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، أن مستويات عليا في القيادة الإيرانية تستخدم نفوذها على الميليشيات الشيعية بهدف تخفيف العنف، وقال إن انخفاض الهجمات بشكلٍ عام على القوات الأميركية في العراق "مرده إلى نهج جديد في السياسة الإيرانية".

وقال "الرئيس" كروكر تعليقاً على القرار الإيراني "إذا اختارت طهران تعزيز هذا الموقف بطريقة مباشرة، فسوف يؤسس ذلك دعائم جيدة لجولة رابعة من المحادثات بين الولايات المتحدة والمسؤولين الإيرانيين في بغداد".

ولوحت رايس نفسها مؤخراً بغصن الزيتون عبر قولها "إن واشنطن منفتحة على علاقات أفضل مع طهران إذا أوقفت تخصيب اليورانيوم".

وفيما يتعلق بأمن إسرائيل وتفوقها، فقد كان تقرير المخابرات الأمريكية الذي قال أن إيران تخلت عن الجانب العسكري عن برامجها النووي، واحدا من البراهين، وكان ما يزال امام الوكالة الدولية للطاقة الذريعة يومان "لدى إعداد هذا التقرير" لكي تنتهي من تقييمها بشأن وضع البرنامج النووي الإيراني.

ونقلت "رويترز" عن "دبلوماسي قريب من العملية" الثلاثاء الماضي قوله "أن تحقيقا يجري في أنشطة إيران النووية دخل المرحلة الأخيرة مع طهران وتناول معلومات مخابرات أمريكية بشأن الجهود السرية السابقة لصنع مواد نووية تستخدم في صنع أسلحة".

وتزامن هذا التطور مع قرار رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي القيام بزيارة إلى طهران يومي الجمعة "أمس" والسبت "اليوم" لإجراء محادثات مع الزعماء الإيرانيين للإسراع من جهود توضيح حجم النشاط النووي لإيران فئ السابق والحاضر.

وقال الدبلوماسي انه بعد أن أوضحت إيران بصفة عامة كيف بدأ العمل بالمواد التي تم الحصول عليها من مهربين نوويين بدأت إيران محادثات مهمة مع مسؤولي وكالة الطاقة الذرية بشأن معلومات المخابرات التي تتعلق بمحاولات إضفاء الصبغة العسكرية على البرنامج.

وقال "خطة العمل "عملية الشفافية" تنظر الآن إلى "صنع الأسلحة" ولذلك فهي الآن في مرحلتها النهائية." وتشمل القضية صلات إدارية وبحثية بين معالجة خام اليورانيوم واختبار متفجرات عالية وتصميم رأس حربية لصاروخ، ونفت إيران وجود أي من هذه الصلات. ونفى الدبلوماسي روايات من بعض المصادر الغربية في فيينا قبل أسبوعين ذكرت أن إيران تتباطأ في التعامل مع آخر القضايا وأكثرها حساسية في التحقيق.

ومن المرجح، بعد هذا، أن تحصل إيران على "البراءة" من وكالة الطاقة الذرية، إنما بالتزامن مع نجاح الجهود الأخرى لضمان بقاء "آية الله" في وضعه كآية من آيات الشيطان وكخادم للمصالح الأمريكية و"الإسرائيلية".

وفي التاسع من الشهر الجاري، نقلت وكالة "يو بي آي" عن أحد شيوخ العائلة الحاكمة في الإمارات العربية المتحدة خلال عشاء قبيل عيد الميلاد قوله "إنه لم يفاجئ قط بنشر تقرير الاستخبارات الأميركية الذي أفاد أن إيران أوقفت برنامجها النووي عام 2003 . وأضاف الشيخ "تم تنبيهنا من قبل "الرئيس الإيراني الأسبق أكبر هاشمي" رفسنجاني بأن نتوقع إعلاناً كبيراً مفاجئاً من واشنطن، وكان يعلم أن هذا سيحصل".

وقال تقرير الوكالة انه "يسود الاعتقاد في دول الخليج أن رفسنجاني الذي يعد من الرموز الإيرانية المعتدلة,لا يزال يحافظ على قنواته الخلفية الخاصة مع واشنطن، وهذا ما افترض أنه سبب علمه المسبق بتقرير الاستخبارات الأميركية، ويعمل ابنه مهدي جاهداً في الحفاظ على علاقات مماثلة في أوروبا، رغم أنه نفى تلقى رشوة كجزء من قيمة 86 مليون دولاراً من شركة "توتال" الفرنسية المتهمة بدفعها مقابل امتيازات لها للغاز في إيران".

وكان من الملفت، على أية حال، أن قناة الحوار المفتوحة بين الطرفين، تعد للقاء جديد يرجح أن يترأسه من جانب إيران محمد جعفر صحرارودى المتهم بقيادة العديد من عمليات التصفية ضد المعارضين الإيرانيين وهو أحد قادة فيلق القدس، إلى جانب حسن كاظمي قمي، احد قادة فيلق القدس أيضا. وفى حين أن قبول الولايات المتحدة بهذين الشخصين كمحاورين "رغم اتهام واشنطن لفيلق القدس بالتورط في عمليات إرهاب" يعد تنازلا واضحا، فان الموضوع الرئيسي لهذا الاختيار هو أن أمن نظام الملالي سيكون هو حجر الزاوية في المناقشات.

بعد ذلك سيكون الباب مفتوحا لجعل الاحتواء علاقة شراكة حقيقية، بين "الشيطان الأكبر" "أمريكا" و"الشيطان الأصغر" "إسرائيل" وبين آياتهم في طهران.

* عن (العرب) التي تصدر في لندن (14/1/2008)