نعم للحوار الوطني الديمقراطي

من أجل تأسيس جديد لمعارضات وطنية وديمقراطية

احمد معتوق - سوريا

تجميد حزب العمل الشيوعي عضويته في "إعلان دمشق"، وما سبقه من تجميد مماثل لعدد من الشخصيات العامة لعضويتهم أيضا، يظهر أن الإشكالية داخل "الإعلان" أعمق من مجرد تصوير أن (حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي)، اتخذ موقفا منفردا كتعبير عن رد فعل عما جرى في اجتماع المجلس المركزي، فبإعلان هذا التجميد يكون التيار القومي العربي ومعه التيار اليساري ممثلين بأبرز حزبيهما إضافة إلى شخصيات وطنية ديمقراطية قد أصبحا من الناحية العملية خارج أطر "الإعلان" الذي بقي مقتصرا على تحالف ليبرالي – كردي، ولم يعد ائتلافا جامعا للقوى الوطنية الديمقراطية، وخصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن قوى وطنية ديمقراطية لم تدخل أصلا في "ائتلاف الإعلان" وفضلت البقاء خارجه منذ البداية.

إن هذا الواقع الجديد لا بد من أن يفرض ذاته على ساحة العمل الوطني الديمقراطي عبر بلورة واضحة تزيل الالتباس الذي ظهر في ساحة العمل الوطني، وتعيد الحيوية إلى الحوار الداخلي من أجل الاستفادة من أخطاء الماضي الناجمة عن رهانات وحسابات متسرعة لم تأخذ بعين الاعتبار الحقائق السياسية على أرض الواقع، وتكشف عن تلك المحاولات اليائسة للتغطية على الخلافات عبر القفز نحو الأمام والهروب من مواجهة تلك الخلافات بضغط الحاجة إلى عدم التفريط بما هو قائم من تحالفات.

إن ما هو مطلوب اليوم ليس الدخول في صراعات وسجالات بين أطراف المعارضة وقواها، ولا الإلتهاء عن المهام الأساسية للعمل الوطني الديمقراطي والانغراق في الحروب الأيدلوجية، وأحيانا في حروب ضيقة ندرك اليوم الثمن الذي دفعته الأمة كلها، وخصوصا تلك الحروب التي بررّت انفصال سورية عن دولة الوحدة، أو في الحروب داخل التيار القومي التي كرّست الانفصال والاستبداد، والتي كانت على حساب الديمقراطية والقومية والتقدم والاستقلال الوطني والتي مهدت الطريق لانقسامات اجتماعية ومجتمعية خطيرة لا نزال نعيش كل آثارها البغيضة والسلبية.

إن المطلوب اليوم إعادة الاحترام إلى مبدأ الحوار، هذا المبدأ الذي يعترف بالآخر ويحترم وجوده، والذي ينطلق من اعتراف بأن الحقيقة نسبية ولا يملك احد الادعاء بأنه يملك تلك الحقيقة المطلقة.

احترام الحوار الذي لا يقوم على المجادلة والمناظرة التي همها الأساسي دحضّ الآخر ورفضه وإنما الرغبة بالوصول إلى توافقات ومشتركات تؤسس للعمل الوطني وتدفع به إلى الأمام، مؤمنين بأن الحوار مقدمة العمل، ومؤمنين أيضا أن العمل يجب أن يتأسس على شفافية ووضوح وأن التوافق لا يعني المسايرة وحتى "التكاذب" أي إعلان غير المضمر، ومن ثم الانقلاب على ما هو معلن.

إنه حوار أرى أنه أن ينطلق من تحديد دقيق ومسبق من قبل كل فريق محاور عن لرؤيته وأفكاره، وعما يرى فيه هوامش ومساحات للحوار، ولعل ما طرحه (حزب الاتحاد) من نيته عن إطلاق إعلان مبادئ تكون قاعدة للحوار بين من يرى فيها قواسم مشتركة مقبولة كقاعدة للحوار، تأتي كنموذج للشفافية المطلوبة، وخصوصا إذا جاء ذلك الإعلان عن المبادئ على قاعدة ما يرى فيه مشتركات للعمل الوطني الديمقراطي، وليس برنامجا خاصا بحزب أو تيار.

إن مثل هذه الشفافية وهكذا حوار يمكن له أن يزيل التخندقات التي صنعتها اختلاف المواقف في المرحلة السابقة، وهي تخندقات وممارسات أحسب أن سنوات طويلة من العمل السياسي "السري" لدى البعض أو من الاستقالة من السياسة لدى آخرين، وعدم امتلاك خبرات كافية في العمل العلني ساعدت عليها.

إن نتائج هذه الحوارات قد لا تنتج بالضرورة ائتلافا واحدا لكل قوى وتيارات المعارضة لكنها بالضرورة ستنتج تحالفات وائتلافات أكثر عمقا ووضوحا واقدر على الحركة، ائتلافات تغني التعددية وتبقي الأبواب مشرعة على مزيد من التوحيد مع تقدم مسيرة العمل الوطني الديمقراطي في مجال الميدان الحركي والعملي، الذي هو أساس فعل التغيير الوطني الديمقراطي.