خارطة طريق إيرانية إلى بغداد

د. أحمد الدليمي *

حاول الرئيس الأميركي جورج بوش تسويق مشروعه الاستعماري الاستيطاني ليلة انعقاد جلسات مؤتمر "أنابوليس" لتحريك عملية السلام عبر إدخالها نفق المساومة مع قادة بعض دول المنطقة الحليفة لواشنطن بذريعة وقف النفوذ والتمدد الفارسي شريطة توسيع رقعة التطبيع العربي والإسلامي مع "إسرائيل" التي التقى قادتها من خلف كواليس المؤتمر بزعيم "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" عبد العزيز الحكيم الذي حضر إلى واشنطن بتوجيه من طهران والبيت الأبيض على عجل لترجمة الرسالة التي حملها الحكيم للرئيس بوش ولتعرف الأخير إلى جانب القادة "الاسرائيليين" على ما آلت إليه خطوات تشريح العراق إلى أقاليم فدرالية مذهبية - عرقية حسب المقاسات الأميركية - "الاسرائيلية" - الإيرانية- الكويتية - الكردية.

الحكيم وحسب مصادر "منظومة أمن مجاهدي خلق" التي أكدت تحقيقه والوفد العراقي المرافق له - المنحدر من أصول إيرانية - لقاءً سريا للغاية في واشنطن وبطلب من الحكومتين الأميركية والإيرانية تم ليل الأربعاء 28 نوفمبر- تشرين الثاني المنصرم بحضور ورعاية "ممثل العراق الدائم لدى الأمم المتحدة" حامد البياتي" - عراقي تركماني من أصل إيراني أذري" - مع الوفد المرافق لرئيس الوزراء "الاسرائيلى" إيهود أولمرت، تم خلاله بحث مجمل القضايا العالقة بين بغداد وتل أبيب – التطبيع - من جهة وبين بغداد وواشنطن وطهران وتل أبيب من جهةٍ أخرى، حيث حملت رسالة الحكيم- الإيرانية الصياغة والفحوى- موافقة شيعة وأكراد "الحلف السياسي المُقدَس" على الشروط الأميركية- "الاسرائيلية" الموقعة من قبل أقطاب المعارضة العراقية - الأحزاب الشيعية الكردية الحالية - في 2002 خلال "مؤتمر المعارضة" الذي تناول قبل غزو العراق بعام واحد عملية التقسيم والفدرالية وغيرها من الأمور الاستعمارية.

فشل "مؤتمر أنابوليس" المقرر سلفاً سترت عوراته الاتفاقية السرية الموقعة بين الرئيس بوش و"رئيس الوزراء العراقي" نورى المالكي، حيث تم الاتفاق على البنود التالية:

* إعلان مبادئ لعلاقة تعاون وصداقة طويلة الأمد بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الأميركية. أي تغيير اسم وصورة الاحتلال إلى انتداب ووصاية مفتوحة مشرعنة أُممياً.

* رهنت الاتفاقية صدورها بالطلب الرسمي المقدم من قبل القادة العراقيين- الأكراد والشيعة والحزب الإسلامي - في 26 أغسطس-آب الماضي الذي أيده الرئيس بوش، معلناً في 28 نوفمبر- تشرين الثاني "أن الحكومتين العراقية والأميركية ملتزمتان بتطوير علاقة تعاون وصداقة طويلة الأمد بين بلدين كاملي السيادة والاستقلال ولهما مصالح مشتركة، وهذه العلاقة بين البلدين سوف تكون لصالح الأجيال المقبلة وقد بنيت على التضحيات البطولية التي قدمها الشعبان العراقي والأميركي من أجل عراق حر ديمقراطي تعددي فيدرالي موحد".!!! وشرعن القرار هنا تجزئة العراق، حيث جمع بين النقيضين: الوحدة - السيادة الكاملة -، والتقسيم - الفدرالية والتعددية والديمقراطية.

تواجد الحكيم في واشنطن جاء ليكمل صورة المشهد الأخير لمشروع عراق مجزأ وفق المقاسات الأميركية – الإيرانية – "الاسرائيلية" - الكردية، والذي سيأخذ الشكل التالي:

* إصدار بطاقات هوية أحوال مدنية تختلف ألوانها وبياناتها بين منطقة وحي بغدادي عن الذي يجاوره، وتصدير هذه الظاهرة السلبية إلى بقية المحافظات، بحجة الحفاظ على أرواح المواطنين من الغرباء والمتسللين الأُصوليين، بينما تهدف هذه الخطوة إلى تعرف القاتل - الصدري والبدري والكردي - على المجني عليه - السُني والتركماني والمسيحي، والفارسي على العربي الأُصول.

* فصل الخدمات مناطقياً على الطريقة "الاسرائيلية" كما في قطاع غزة والضفة الغربية - أي نسخ نموذج العقاب الجماعي "الاسرائيلي" على فلسطينيي الداخل - في الساحة العراقية.

* مواصلة تشكيل "مجالس الصحوة" السنية - الشيعية على أن تلتزم كل مجموعة مناطقية بزى خاص بها يختلف عن زى مجاميع ومقاتلي "صحوة" المنطقة البغدادية المجاورة لها بحجة تمييز أعداء القوات الأميركية - العراقية عن الحلفاء.

* منع تنقل العوائل السُنية إلى مناطق شيعية وبالعكس، وإن كان المهجر أو الراغب بالسكن في محافظة أخرى مولودا فيها، وبدأت هذه الظاهرة السلبية في "كركوك" حيث أصدر محافظها الكردي قرارا منع فيه انتقال العوائل من بغداد وبقية المحافظات إلى كركوك وإن كان مسقط رأس تلك العوائل ينحدر من مدينة كركوك.

* نسخ نماذج مصغرة عن كافة الوزارات السيادية والخدمية والمهمة في مناطق وأحياء بغداد، وبالذات الخدمية، بغية منع وحصر تحرك المواطن البغدادي من حي إلى آخر بحجة إكمال معاملة في إحدى وزارات بغداد المتوزعة وفق خريطة جغرافية معقدة تمتد من قاطع الرصافة المرتبط بمحافظات الفرات الأوسط إلى قاطع الكرخ المرتبط بمحافظات الوسط والجنوب والغرب السُني. والمقصود بهذه الخطوة هي المقاومة لمنع تحرك مقاتليها وخلاياها المسلحة من منطقة وحي بغدادي إلى آخر وفى بقية المدن العراقية كذلك التي تشهد عمليات مقاومة مسلحة.

قبل أو بعد عملية التنفيذ العملي لتشريح العراق سيتم إجراء "مجالس المحافظات" التي تشكو من هيمنة حزبية دينية صعبة التفكيك والاختراق تعداد سكاني مبنى على التزوير وتزييف الحقائق والأعداد السكانية، بغية تكثيف أعداد الشيعة والأكراد على بقية سكان العراق، لتسهيل عملية دمج الإيرانيين وأكراد دول الجوار المستوطنين في نسيج المجتمع العراقي، بغية مضاعفة حصص محافظات الجنوب والوسط والشمال النفطية على بقية المدن والأحياء العراقية وتحديداً السنية والتركمانية.

وستساهم "مجالس المحافظات" الشيعية - الكردية و"مجالس الصحوات" السُنية المسلحة في عملية تغيير ديمغرافية العراق السكانية وشكله الجغرافي بذريعة البحث عن الخزين النفطي غير المستخرج، مستندةً تلك المجالس إلى "قانوني النفط والغاز" اللصوصيين اللذان أقرا سِراً دون عرضهما على الشعب العراقي تغيير التركيبة السكانية والجغرافية للمدن والأحياء التي تتواجد فيها مجاميع - عشائر وقبائل وأفراد- مناهضة للوجود الأميركي والنفوذ الإيراني المذهبي المسلح، من خلال ترحيل وتهجير تلك الأقوام والمجاميع من تلك المناطق وتدمير منازلها بالكامل بحجة التنقيب عن النفط الخام المخزون.

* مواصلة مسلسل نشر "جدران الفصل العنصري" البغدادية، على الطريقة "الاسرائيلية" بغية ضمان تمثيل مجاميع تتبع لحي بغدادي معين في البرلمان والعملية السياسية، أي نسخ نموذج "قطاع غزة الإسلامي، والضفة الغربية العلمانية"، لضمان دخول تلك الأقوام والمجاميع المختلفة مذهبياً وعرقياً ودينياً في انتخابات 2009 بشكل منعزل عن غريماتها ومنافساتها - أي إلغاء نظام القائمة الانتخابية الواحدة المغلقة.

* الحفاظ على تركيبة بغداد السكانية - المذهبية العرقية - المعقدة بغية ضمان الشراكة الإيرانية في الملفات العسكرية – السياسية – الاقتصادية - حسب رسالة الحكيم إلى جانب أميركا، لضمان مشاركة كيان الأكراد الانفصالي – شخوص - في عملية بغداد السياسية، شريطة بقاء "فدرالية الأنبار" ممثلةً لتطلعات المحيط العربي وجامعة الدول العربية في العملية السياسية، باعتبار الأنبار امتداداً لـ"سورية والسعودية والأردن"، بغية ضمان تنفيذ خطوات "مشروع الشرق الأوسط الجديد" - نسخ وتعميم وأقلمة النموذج العراقي على بقية دول الجوار والإقليم - كما هو الحال مع الجنوب والشمال العراقي الذي تعده طهران عمقها الاستراتيجي داخل العراق، بغية النفاذ إلى بقية المدن السُنية المحيطة بالشمال والوسط، كما تعد "إسرائيل" محافظة الأنبار امتداداً لحدودها مع الأردن الذي سيتمدد على خارطة وحدود فدرالية الأنبار السُنية في حال تمددت "اسرائيل" على حدود الأردن، بغية قيام "دولة اليهود" - من الفرات إلى النيل - لارتباط الأنبار بمحافظة بابل الأثرية، لتقوم على غرارها "دولة الإمام الحجة القائم - المهدي المنتظر الغائب –" في وسط وجنوب العراق وصولاً إلى إيران.

* استبدال "رئيس الوزراء" نوري المالكي بمرشح "المجلس الأعلى" "عادل عبد المهدي"- حسب طلب الحكيم من بوش-، لضمان ترطيب الأجواء المحتقنة سياسياً وعسكرياً واستخبارياً بين واشنطن وطهران، على أن تسدد فاتورة الخدمات الإيرانية المقدمة مجاناً لأميركا من رصيد "المالكي والتيار الصدري" الذي أصبح مشروعه العروبي في مهب الرياح الفارسية، أي استئصال كل ما يمت للعرب والعروبة بصلة داخل العمق العراقي، وإحلال الشخوص والمشاريع الإيرانية محله، شريطة أن تحظى برعاية أميركية.

* إتمام مخطط فرض السيطرة الإيرانية الكاملة على المؤسسة العسكرية والأمنية في العراق والتشكيلات التي تم ويتم بنائها حتى الآن تحت منهج المحاصصة الطائفية التي تشمل التدخل في الملاكات والتدريب والإعداد والالتزام بخطط ومشورة الجانب الإيراني في تلك التشكيلات.

تنفيذ بنود الاتفاقية الموقعة بين طهران والمالكي في شهر أغسطس-آب الماضي ومنها بناء قوات مشتركة ضاربة للسيطرة على جميع المنافذ الحدودية العراقية.

* فرض السيطرة الاقتصادية الكاملة التي ركزت على السُبُل التي تؤدي لتدمير المشاريع الصناعية والزراعية المحلية، وإحلال الخبرات والمصانع والهيئات الاقتصادية الإيرانية محلها، لضمان ديمومة ونهوض "الحرس الثوري" وفيلقي "القدس ومكة" اللواتي يرضعن من ثدي عمليات تهريب النفط العراقي وحجم الصادرات الإيرانية داخل السوق العراقية، لتعويض الدعم اللوجستي الذي تقدمه تلك الفيالق لخلاياها الاستخبارية وأحزابها وواجهاتها الدينية داخل العراق.

تنفيذ الاتفاقيات المتعلقة بالجوانب الاجتماعية والدينية والتي تخفى بين سطورها سياسة الإخلال بالتوازنات السكانية في مختلف أرجاء العراق.

* التعجيل بتنفيذ اتفاقية الـ "هـِبات" ومنها استخراج النفط لصالح إيران وبخبرات وطواقم إيرانية صرفة - منحت الجنسية العراقية - انتشرت بعد الغزو الأميركي في البصرة لنهب وسرقة نفط الحقول العراقية القريبة من الحدود الإيرانية – (حقول نفط مجنون)، كما حصل الحكيم خلال وجوده في واشنطن على موافقتها ومنها منح إيران حق التدخل في حماية الموازنات الطائفية في العراق التي تخدم الأهداف الطائفية الإيرانية، والأميركية المستقبلية التي تصب في خانة مخطط تقسيم العراق.

كما حصل الحكيم على موافقة البيت الأبيض بإعلان موافقة "مجلس النواب العراقي" على قرار فدرالتي الشمال الكردية والجنوب والوسط الشيعية أو الأخيرة على وجه التحديد بغية عدم إثارة حفيظة القادة الأتراك الذين حصلوا في 30 نوفمبر-تشرين الثاني المنصرم من البيت الأبيض على شرعنة التوغل العسكري في شمال العراق لتأديب مقاتلي "حزب العمال الكردستاني"، واختير التاريخ المذكور لمصادفته الذكرى السنوية الأولى لإعدام الرئيس الراحل صدام حسين، وذلك سعياً من الحكيم وطهران إلى إفشال المصالحة الوطنية واستبدال المالكي بـ"عادل عبد المهدي"، لاستشعار طهران خطر بقاء المالكي في منصبه كون انقلابه المفاجئ على التيار الصدري بتوجيه أميركي قد يكرره بانقلاب وعداء مفرط لإيران، ولهذا السبب طرحت طهران خارطة طريقها صوب العمق العراقي التي حملها الحكيم على واشنطن - تسريع خطوات تقسيم العراق - لإرضاء الولايات المتحدة من جهة و"اسرائيل" من جهةٍ أخرى لضمان إيران عزوفهما عن الدخول معها في معركة كسر عظم عسكرية، ولهذا السبب عزفت طهران على وتر تفعيل قرار الكونغرس الأميركي "الغير ملزم" وتحويله إلى ملزم من الناحية النظرية المتجسدة بقانون الأقاليم الفدرالية والذي صدر قبل أسابيع عدة بناءاً على مقترح تقدم به السيناتور اليهودي- جوزف بايدن.

كما ضمنت طهران موافقة البيت الأبيض على مشروعها الذي حمله الحكيم ومنه الشراكة الإيرانية إلى جانب أميركا في كافة الجوانب العراقية - السياسية الاقتصادية العسكرية الأمنية-، والتي تشمل إضفاء الشرعية على وضع قوات الاحتلال القانوني، والسيطرة الأمنية وتأمين الحماية لحكومة بغداد خشيةً عليها من انتفاضة القوى الشعبية الوطنية والمقاومة العراقية، لتخوف طهران من تمدد "مجالس الصحوة" السُنية المسلحة - بشرعنة أميركية - والهيمنة على بغداد وتحديداً – "مدينة الصدر" (مدينة الثورة أو مدينة صدام) سابقاً - ومن ثم الزحف صوب محافظة ديالى المجاورة لإيران وبغداد، وبالتالي وقف الزحف الإيراني داخل العمق العراقي، بسبب تعطيل طهران منذ شهرين - نزولاً لرغبة المالكي - جزء مهم من أعمال فيلقي "القدس ومكة" ومنها نشر العنف المسلح المبرمج عبر "مليشيا المهدي"، كما حظي مشروع الحكيم ذو الصياغة والمباركة الإيرانية بموافقة الإدارة الأميركية على موضوع النفط وما يتعلق باتفاقياته المجحفة طويلة الأمد لفرض السيطرة والهيمنة علية بشكل كامل وتقييد الاقتصاد العراقي وإسقاط عملية التأميم.

* باحث وأكاديمي عراقي

* نقلاً عن صحيفة (العرب) التي تصدر في لندن (14/1/2008)