بعد عام على إعدام الأسير
د. حسن طوالبة - كاتب أكاديمي وباحث من الأردن
عام ميلادي قاحل مضى على إعدام الرئيس صدام حسين، ولكن هذا الإعدام ارتبط بذكرى عيد الأضحى المبارك، حيث ارتكب الحكام الجدد في بغداد خطيئة كبرى عندما قرروا تنفيذ حكم الإعدام صبيحة ذاك اليوم المبارك، متحدين في قرارهم أكثر من مليار مسلم في العالم، وكان دافعهم الأول والأخير الانتقام فقط وتفريغ شحنة الحقد الأعمى المشبع بروح فارسية على رجل كان يطمح أن يكون لبلده مكان تحت الشمس، وأن يكون بلده حاضنة لكل القيم العليا والمبادئ التي نادى بها الإسلام، ومحطة للانطلاقة الكبرى لأمته العربية نحو النهوض والتقدم، واللحاق بركب القوى والأمم المتقدمة علمياً وتقنياً.
لقد صار الرجل في ذمة التاريخ، والتاريخ يكتبه أناس قد يكونون أوفياء لقيم العلم والموضوعية، وقد يزيغون عن رؤية الحقيقة، وعليه فسوف يكتب تاريخ الرجل الشهيد من زوايا متعددة، وفق اجتهادات الكتاب، ووفق اعتقاداتهم ومذاهبهم وأهوائهم فلا غرابة أن نجد من يذمه ويفتش عن أخطاء وقعت خلال مدة حكمه ويلصقها به ويحمله وزر تبعاتها، متناسياً مثل هذا النفر الذي يكتب عنه بإطار سلبي قول السيد المسيح "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر" وسنجد من يكتب بموضوعية عنه، يُنصفه في أعماله، ويضعه في المكانة التي يستحقها فعلاً.
إن غالبية القادة في التاريخ، حكم عليهم من أكثر من رؤية وأكثر من منظار، فعمرو بن العاص على سبيل المثال حكم عليه بمكيالين، فبعضهم حط من قدره وراحوا يفتشون عن زوايا في حياته وحياة أمه، وشككوا في نسبة لأبيه.
ولو كان مثال هذا النسب معيباً، لما كان لعمرو بن العاص تلك المكانة في عهد الفاروق عمر بن الخطاب ولما أخذ برأيه عندما أشار عليه بأن يكون أمن الدولة العربية الإسلامية بوحدة أراضي بلاد الشام مع مصر، وبعض المؤرخين أنصفوا عمرو بن العاص وبينوا مناقبه وخصاله، وهكذا والأمثلة كثيرة في التاريخ العربي، فالخليفة العباسي هارون الرشيد كثيرا ما اتهم بالزندقة في حين أنه كان يغزو عاماً ويحج عاماً وقرب العلماء والأدباء وأغدق عليهم وفي عهده ازدهرت الحضارة العربية الإسلامية بكل تجلياتها.
إن التقييم الموضوعي هو مقدار تطابق الأفعال مع الأقوال، أي انسجام بين النظرية والعمل، فالنظريات تبقى مجرد أقوال أو معادلات يقرؤها الناس ولكنها تبقى في صفحات الكتب، ولكن عندما تطبق النظرية على أرض الواقع، فإنها تدخل حيز التنفيذ العملي، ويتم اختبارها في الميدان، وتتم معرفة مطابقتها للواقع، أو لاحتياجات الواقع المعاش، ومن هنا فأن الحكم على الشهيد صدام حسين يكون في أحد جوانبه هو مطابقة أقواله مع أفعاله.
من المعروف أن الشهيد ولد في بيئة عربية ذات مشاعر قومية، وكانت نشأته مع نكبة فلسطين، فهزه الحدث وأثار عنده مشاعر قومية فياضة، وقد هتف لفلسطين وهو في الصف الثالث الابتدائي عام 1949 "فلسطين حرة عربية فلتسقط الصهيونية"وانتمى إلى صفوف البعث الذي عد قضية فلسطين قضيته المركزية، وظل طيلة حياته وفيا لتلك المبادئ، بحيث حرص على تعبئة الأجيال من العراقيين والعرب بالمبادئ القومية الجهادية التحررية، وكان يعلم الأطفال الصغار أن فلسطين أرض عربية محتلة ويجب أن تعود إلى العرب، كما أنه كان يحرضهم ضد الصهاينة ويعتبرهم أعداء العرب، الأمر الذي دعا "مناجم بيغن" رئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق إلى القول، "كيف نسكت على رجل يعبئ الأجيال في العراق ضدنا"..!! كما أنه كان لا ينسى فلسطين أثناء احتدام المعارك بين العراق وإيران، ويقول للضباط "إن معركتكم الكبرى هي في فلسطين"، وعندما وقعت المنازلة بين العراق والولايات المتحدة ومعها جيوش التحالف، قصف المنشآت الصهيونية بالصواريخ البعيدة المدى، وأدخل فكرة حل قضية فلسطين ضمن حلول للمشكلات الأخرى خاصة في الكويت ولبنان.
وبغض النظر عن تقييم البعض لكل هذه الأحداث من حيث السلب والإيجاب، فأن الحكم على الشهيد هو أنه كان صادقاً في القول والفعل، وينطلق من رؤية المصالح القومية مع مصالح بلاده الوطنية.
إن إخلاصه لمبادئه أمر حتمي وضروري لكل من آمن بفكرة و نظرية، فالشهيد آمن بالقومية العربية الإنسانية التي ترفض التعصب أو التعالي وترفض الانزواء والانغلاق، وتؤمن بالانفتاح والحوار مع الآخر، أحب الأمة العربية وتاريخها وتراثها، وجعل من بلاده قاعدة لكل المناضلين العرب، لهم من الحقوق ما للعراقيين من حقوق في كل المجالات، فقد نال المواطنون العرب الجنسية العراقية، واخذوا حقهم في التملك وحقهم في العمل في كل الدوائر والوزارات وحتى في القوات المسلحة، فقد دخل الجيش العراقي مئات الضباط العرب، وكان منهم السفراء والمدراء العامين والوظائف الأخرى، هذا كله يؤكد صدق توجهاته القومية، فلم يقل كلاماً لم يطبقه في هذا الميدان، بل أعطى العرب حقوقاً أكثر من حقوق العراقيين.
إن التوجهات القومية لدى الشهيد صدام حسين يعارضها كل من لا يؤمن بالقومية بل يتنصل منها، ويلجأ إما إلى خيمته الوطنية الصغيرة، أو إلى خيمته الأممية أو الإسلامية الكبرى ولكل من هذه الرؤى جانب من الصحة لدى أصحابها.
الحكم الموضوعي على الرجال يكون بقياس طموحاتهم وتوجهاتهم مع أفعالهم، وفي هذا المجال فأن الشهيد كانت له رؤية مثالية عن عراق مستقل حر ناهض متقدم يكون قاعدة قومية لانطلاقة الأمة العربية نحو التقدم والنهضة وأخذ مكانها بين الأمم، مثل هذا الطموح يراود كل عربي مخلص رضع حليب العروبة منذ صباه، كما أنه هو منطق العصر، فالدول أخذت تتحد وتتجمع في وحدات لتشكل تكتلات سياسية واقتصادية يكون لها فعل مؤثر في حركة الأحداث في العالم وخير مثال هو الاتحاد الأوروبي الذي يضم شعوبا ولغات وثقافات.
الطموح الوحدوي الذي يجمع الخيمات العربية الصغيرة "القطريات" تحت خيمة كبرى هي خيمة الأمة العربية الواحدة، بأية صيغة وحدوية اتحادية اندماجية أو على شكل تضامن في حده الأدنى، هذا الطموح هو الذي أزعج القوى الغربية الاستعمارية، وأثار حفيظتها ضد كل من ينادي بالوحدة العربية أو بالنهضة والتقدم، فالقوى الغربية الاستعمارية، خاصة بريطانيا وقفت ضد طموحات محمد علي باشا في مصر "1830-1840" نحو الوحدة والنهضة، ووقفت ضد تطلعات الشريف حسين بن علي عندما أطلق الرصاصة الأولى إيذاناً بالثورة العربية الكبرى 1916، وإقامة دولة عربية موحدة تضم الحجاز وبلاد الشام، وهي التي وقفت ضد جمال عبد الناصر لأنه نادي بالنهضة والوحدة والاستقلال، وبالتالي وقفت ضد طموحات صدام حسين الوحدوية والنهضوية.
لا أحد ينكر أن صدام حسين آمن بأن نهضة الأمة لا تكون إلا بالعلم، والنهضة العلمية، منطلقاً من إيمانه العميق بروح الإسلام، الذي جل العلم والعلماء، ودعا المسلمين إلى التعلم، والشهيد سعى جاداً لتخليص العراق من الأمية وهو ما شهدت به "منظمة اليونسكو"، وبنى عشرات الجامعات وألوف المدارس، وجعل الدراسة مجانية من رياض الأطفال حتى درجة الدكتوراه، وأوفد ألوف الطلبة إلى جامعات العالم لنيل اعلي الشهادات، وشجع مراكز البحوث وأغدق على العلماء، وكرم المبدعين في كل المجالات، وكان رائده في ذلك السلف الصالح من رجالات الدولة العربية في كل العهود، وبهذا الجهد بنى قاعدة علمية فنية صناعية استراتيجية، وكان همه الأول هو ضمان الأمن الوطني والقومي من خلال توفير مستلزمات هذا الأمن، من ممكنات مادية وبشرية وفنية.
إن الحكم على الشهيد لا يكون من منظار متعصب متخندق، ولو كان مثل هذا الحكم صحيحاً، لما نجا حاكم في العالم من الحكم السلبي الذي قد يصل حد الخيانة، ولكن الواقع الذي نعيشه فيه من الأمراض الخطيرة التي تحاول طمس الحقائق، وتشويه صورة رجالات الأمة، وتتلذذ بجلد الذات والحط من قيمة العربي الإنسان فهل نتجاوز هذا الواقع الذي يشد إلى الوراء إلى واقع يدفعنا إلى الأمام باتجاه النهضة والتقدم والوحدة..؟!