يـُمناكَ عاليةٌ
عمر شبلي - شاعر من لبنان
|
عامٌ، وجرحـُكَ فينا ليس يندملُ |
|
ماذا أحدِّثُ في ذكراكَ يا رجـُلُ
|
|
عامٌ مضى، وجراحُ النخلِ راعفةٌ |
|
هل أنَّ كلَّ العراقيين قد قتـِلـوا! |
|
أدّى المراسيمَ أبناءُ العمومةِ، والـ |
|
عـراقُ مثلَـكَ مـذبوحٌ ومعتقلُ |
|
وقرّروا أن يسيروا فـي جنازتهِ |
|
مع الذين على أشلائه احتفلوا |
|
وفاوضوا بـعد خلـْع العـُقـْلِ أبرهةً(1) |
|
ولا مطالـبَ إلاّ الشاءُ والإبلُ |
|
وعندما استفحلتْ فيهم هزائمُهم |
|
لفـُّوا عباءاتِهم، واستـَنـْوَقَ الجـملُ(2) |
|
أبو رغالٍ، وما أدراك ما نسلتْ |
|
فـيه عروبـتـُه، قـد أخطأَ الحبـَلُ |
|
للأشعريـيـن(3) أعطتْ أمتي يدَها |
|
كم بايعوا ثم من قد بايعوا خذلوا |
|
ألا يَـهُـدُّ عـليـهم فـي مخابئهمْ |
|
أخو عراقيـَّةٍ في ثوبهِ رجلُ |
|
وهل يعود إلى بغدادَ أسمرُها |
|
بالنصرِ في ساحة التحرير يحتفلُ |
|
عامٌ مضى، والرجالُ الخالدون على |
|
الأضحى العراقيِّ ما ضنـُّوا وما بخلوا |
|
كانت بأحواضهمْ نارٌ مقدَّسةٌ |
|
حياتهم في فناء الجسم قد جعلوا |
|
كأنـّهمْ لعـلوٍّ في مراتبهم |
|
عن الصوافن رغم الموت ما نزلوا |
|
حاموا على الموت وُرَّاداً كأنـّهمُ |
|
طيرٌ أبابـيـلُ في سجـِّيلـِها شُعـَلُ |
|
همُ الذين إذا ما الموتُ نازلـَهمْ |
|
إليه للذوْدِ عن أحواضهم نزلوا |
|
يا للزمان الذي يغدو السلاحُ بهِ |
|
لحماً، ويا لذوي القربى وكم نكَلوا |
|
من يومِ جرحِكَ جرحٌ فيَّ مشتعلُ |
|
معي يقيـمُ، مـعي يمشي وينـتـقلُ |
|
يـُمناكَ عاليةٌ، للآنَ أبصرها |
|
في "قاعة الحكم" لم يشمتْ بها طَوَلُ(4) |
|
ها أنت، بل عمرُ المختارُ بينكما |
|
قضيـَّةٌ بكلا الحـَبـْلـَيـْنِ تتصلُ |
|
كانوا إزاءكَ أقزاماً بنصرِهمُ |
|
يا بئسَ نصرٌ به الأوطانُ تـُعـْتـَقـَلُ |
|
حاروا، ورجلاكَ في قيدِ الحديدِ، وقد |
|
صعدتَ أنت، وهم صوبَ الخنا نزلوا |
|
ومـا تذكـّرتُ وجهاً منك بينـَهَمُ |
|
إلاّ وعانقـني من صـدِّهِ شَعلُ |
|
أدري، عتابـُكَ مرٌّ، والحديثُ على |
|
الطريق يا صاحبي في بـَوْحـِه خجَـلُ |
|
عـدْنا طوائفَ يـقتاتُ الجميعُ بها |
|
أللهُ والـنـفـطُ والـدولارُ والدوَلُ |
|
نقـيمُ آلهةً شوهاءَ من بشرٍ |
|
لـهـم نصلـّي، لـهم ندعو، ونبتهلُ |
|
حتى إذا ما شبعنا من مـوائدهمْ |
|
نكونُ من أَكـَلـوا يوماً ومن أُكـِلوا |
|
ورغم كل ظلام كدَّسوهُ لنا |
|
لابد أن نُرجعَ الفجر الذي سمَلوا |
|
|
*** |
|
|
مريضةٌ: قيل ليلى في العراق فمن؟ |
|
هو المداوي وقد أودت بها العللُ |
|
ما للعراقيِّ مخذولاً بأمـَّتـِهِ |
|
وما لليلاهُ لا قيسٌ ولا غزلُ |
|
يدنو من النهر ظمآنا ويخذلُه |
|
ويكذب النهرُ لا ماء ولا وَشَلُ |
|
حبٌّ تضِنُّ به أرض العراق، وإن |
|
آوى إلى غيـرها ضاقت به السبلُ |
|
طبـْعُ العراقيِّ أدري حين ينفعلُ |
|
يجـود بالروح لو أهلُ الندى بخلوا |
|
أدري، العراقيُّ لو مُسَّتْ كرامتـُه |
|
تشبُّ في دمه نارٌ وتشتعلُ |
|
كأنه صِلُّ(5) رمـلِ الصيـف، قلبَه |
|
سمٌّ بنابيهِ محـتـومٌ به الأجلُ |
|
ويرتـدي جرحُه نخلاً، وتـعصبـُه |
|
أختٌ عراقيةٌ ما مسَّها زلـلُ |
|
كانت إذا جاءها يزهو بـِطَـلـَّتهِ |
|
جرحٌ تضمـِّده من ثغرِها القـُبـَلُ |
|
منديلُ أختك عـند الـرومِ مرتـَهنٌ |
|
وليس يرجعه إلاَّك يا بـطلُ |
|
عراقُ، رُدَّ لنا سيفاً لمعتـصمٍ |
|
مكذِّباً صدقـُه أنباءَ من نكلوا |
|
تلك المنائرُ من صحرائنا انبلجتْ |
|
فما أذانٌ عـلا إلاّ هوى هـُبـَلُ |
|
ورُدَّ بغدادَ مـثلَ الأمسِ صادحةً |
|
فيها السيوفُ مع الأشعار تـحتـفلُ |
|
وكان يعجبـُني في السيف شيمتهُ |
|
وأنه برقاب البغي يغتسل |
|
والنخلُ يروي حكايا ألفِ ليلتـِها |
|
أغصانهُ في ثنايا شعرها خـُصـَلُ |
|
تجوع بغدادُ تعرى غيرَ آكلةٍ |
|
بـثديها إنَّ خبزَ الحرّةِ الـمـُثـُلُ |
|
أنا ابنُ جرحِكِ يا بغدادُ يـؤلـِمـُنـي |
|
ما أنتِ فيه، وصدري قبرُ من قـُتِلوا |
|
دمٌ عجَزْنا عن الثأرِ الجميل لـه |
|
فليت أنـَّا بيوم الثأر نحتفلُ |
|
إنّ الضعيفَ وإن أبدى براءته |
|
لا يعرف الذئبُ إلاّ أنه حمـَلُ |
|
أُدينُ كلَّ انتفاخٍ في مواقفنا |
|
سوى بنادقِ ثوّارٍ همُ الأملُ |
|
وما خلعتُ ليومٍ صاحبي، فأنا |
|
على العناد وضوء الجـرح أتـَّكِلُ |
|
وكنتُ أعرفُ ما يعني العنادُ على |
|
دربٍ بآخره قـد يكمن الفشلُ |
|
إن لم أمزِّقْ بشعري سِتـرَ طاغيةٍ |
|
فالشعرُ وقتئذٍ مستفعلنْ فـعـِلُ(6) |
كانون الأول 2007
(1) أبرهة الحبشي جاء مكة غازياً عام الفيل، وكان قد ضلَّ الطريق، ثم تبرَّع أبو رغال بإرشاده إلى مكة وذكرت قصة عام الفيل في القرآن الكريم "الم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل".
(2) استنوق الجمل: أي أصبح الجمل ناقة.
(3) نسبة إلى أبي موسى الأشعري الذي خلع صاحبه بخدعة من عمر بن العاص يوم التحكيم في معركة صفين.
(4) إشارة إلى الوقفة المشهورة في قاعة المحكمة للشهيد وهو يرفع يمناه متحدياً.
(5) الصِلّ: الحيــّة، وتذكر وتؤنث.
(6) المقصود أن الشعر إذا لم يكن يحمل قضية إنسانية فهو نظمٌ وأوزان فقط.