في ذكرى استشهاد سيد شهداء العصر
الدكتور غالب الفريجات - الأردن
في
ذكرى استشهاد القائد الرمز، والذكرى تتلألأ أمام العالم المأفون بالشر الامبريالي
الصهيوني، ذكرى الشجاعة، التي لن تتكرر في بطولة الشهيد، والشهادة ترقص طربا في
استقبال من رد لها اعتبارها، عندما يقدم عليها ثابتا كالطود الراسخ، رسوخ أهرامات
مصر العظيمة، وزهوا كما يزهو نخيل العراق الثائر في وجه الامبريالية والصهيونية
والشعوبية، التي تستبيح العراق، كالحة الوجه، مرتجفة الأيدي، خائرة القوى، تسير
بأقدام لا تجرؤ على التقدم خطوة واحدة نحو الأمام، لأنهم وأتباعهم من عبيد العصر
وخونته وعملائه، لا يتقنون إلا فن صنع الشر والخيانة، يلوذون بجحورهم، ويفرون كما
تفر الفئران، عندما تطلق حاسة الشم النتنة، أن خطرا ما يتربص بها.
في الشهادة والاستشهاد ومع الشهيد عبر ومواعظ تتجاوز الإنسان الفرد لتشمل الأمة، التي أنجبت الأبطال على خطى الآباء والأجداد، وعلى طريق صاحب الرسالة في قلبها الروحي وثوبها المادي، في تعاليم سماوية على يد سيد الخلق وبجنود يعربية، أبت إلا أن تكون أهلا لرسالة عظيمة بعظمة السماء وتعاليمها، وبقدوة سيد الخلق في كل سماته وصفاته، وفي أفعال أصحابه في الإيمان وقوة الإرادة، وحماسة الشباب وحكمة الشيوخ.
رغم كل هلوسات أعداء الله والوطن والأمة، ومحاولات التهويش والتشويش، لم يتمكنوا ان يحرزوا ما كانوا يحلمون به من نصر موهوم عليه، حتى في لحظة استشهاده، فقد انتصر عليهم في حياته، فكان بطلا بالقدر الذي كان فيه شهيدا، وبمقاييس العظماء الذين مروا على هذا الكون، لم يسجل التاريخ شجاعة وإقداما كما سجل الشهيد، فقد كان مقداما في كل لحظة من لحظات حياته، وكان شجاعا في مواقفه المدنية والعسكرية، وترجم هذه الشجاعة وهذا الإقدام أمام الموت، في الوقت الذي كان فيه العملاء والخونة لا يجرأون على المواجهة، حتى مع الجسد المسجى بين يدي الله.
كان اختيار وقت الشهادة قلادة ذهبية على صدر الشهيد، وكان وصمة عار وخزي على عملاء "المنطقة الخضراء" وأسيادهم في واشنطن، فقد كان عيد الأضحى لعموم المسلمين، لاستذكار صدوع سيدنا ابراهيم لأوامر الرب، واختار أعداء الرب هذا العيد ليكون ضحيتهم بابن ابراهيم الثاني، وإذا كان الرب قد أنقذ اسماعيل، فقد أراد سبحانه أن يختار صدام ليحشر مع النبيين والصالحين، فالشهداء يحشرون في صحبة رسل الله وعبيده الصالحين، واما العبيد والعملاء والخونة فهم في طريقهم إلى جهنم، لأنهم أصحاب الشر والشيطان عدو الله وطريده من السماوات، ومن حضن الجنة إلى مثوى جهنم، فلهم بئس المصير الذي اختاروه لأنفسهم طائعين، كما للشهيد الجنة التي أعدها الله لعباده الصالحين.
الشهادة مطلب لكل تقي صالح، ومن أحبه الله أعطاه الشهادة لينال رضا الله، فالشهيد له أياد بيضاء تجاوزت ابناء العراق وصناعة العراقيين من أبناء الأمة، فبنى وأعلى البنيان وصنع الوطن والدولة، وجعل من العراق دولة مرهوبة الجانب، والعملاء وأسيادهم "أبطال" القتل والتدمير، فلم يعد العراق عراقا، بل تحول إلى أسوأ وافشل دولة في هذا الكون، في ظل حراب الأمريكان وسفسطاتهم عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ومع أزلامهم من عبدة النار بقايا المجوسية الشعوبية، التي تقطر حقدا على العرب والإسلام، لأنهم أصحاب فضيلة أخرجوهم من عبادة النار إلى عبادة الرب، فكان حقدهم ممتدا على الشهيد، لأنه وقف في وجه ثرثراتهم الثورجية في ادعاءات العداء للشيطان الأكبر، وهم يتلذذون بمعاشرته تحت غطاء الشمس وفي وضح النهار.
هو صاحب القول: "الشهداء الأكرم منا جميعا"، فكأنه كان في سره يقول، ولم لا أكون واحدا من هؤلاء "الأكرم منا جميعا"، فما وهن ولا ضعف ولا استكان في أثناء المعركة، لا بل المعارك جميعها، وبعد الأسر وعلى امتداد ساعات المحاكمة المهزلة، ولا يوم نطق القاضي المعتوه بالحكم، لأنه كان يتقدم نحو الشهادة ثابت الخطى، مؤمنا بعدالة قضيته، وبما يحكم به الرب، أليس هو من يحدد أرزاقنا وطريقة الموت لنا؟، ونصدع لاختياراته طائعين، فالباري قد اختار الشهادة له، لأنه يستحقها، وهي أمنية كل مؤمن صادق صدوق.
قال الشهيد عمر المختار في وجه المستعمرين الطليان: "نحن لن نستسلم، ننتصر أو نموت، سوف تأتي أجيال من بعدي تقتلكم، أما أنا فحياتي، ستكون أطول من حياة شانقي".
قال الشهيد صدام في وجه العملاء وعلى مسمع من الامبرياليين الأمريكان وحلفائهم من الصهاينة والفرس: "عاش الشعب، عاشت الأمة، يسقط الاستعمار، يسقط الغزاة، فلسطين حرة عربية من البحر إلى النهر.
انظروا لحياة الشهيد عمر المختار مازالت ماثلة بيننا، ممتدة حتى يوم البعث، عندما يأتي متقدما في صفوف الشهداء، وانظروا للشهيد صدام، فعمره باق ما بقي العراق والأمة، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا، يوم يتقدم أفواج الشهداء والصالحين، في صحبة الرسل والأنبياء، الذين اختارهم الله لهداية البشر من عباده.
في ذكرى الشهادة والاستشهاد حيّا الله رموز الأمة وقدوتها، الذين يتلألأون كتلألؤ النجوم في كبد السماء، وعهدا على الدرب سائرون، وعلى طريق الشهادة بإذن الله ماضون، والى رفاق الشهيد من شهداء مضوا معه، وآخرون على الطريق، ألف رحمة وتحية، والى القادة والمقاتلين في صفوف المقاومة الباسلة كل الحب والتقدير، لما يصنعوه كل يوم في مرتزقة إمبراطورية الشر، وفي خدمهم وعبيدهم، ممن يختبئون في جحورهم في المنطقة الخضراء، ولمن يعمل مع الاحتلال وأعوانه كل الخسة والنذالة.