خشوع في حضرة عميد الشهداء
بقلم: فهد الريماوي – رئيس نحرير (المجد) الأردنية
صدام يا صقر العربْ
اسمك على الشمس انكتبْ
عالموت قلبك ما جفل..
الموت خافك وارتعبْ
في كل يوم تزداد حضوراً، يا أبا عدي.. تختال على مرمى البصر والبصيرة، يا صنديد الرافدين، ثم تفيض بهاءً وتألقاً وشموخاً، أيها المحلق في أجواز العلياء، والمسافر في أعالي التاريخ، والمؤبد في قلوب ملايين العرب.
مع إشراقة كل شمس تصحو من نومنا، ومع إطلالة كل صباح تهطل من دمعنا، ومع اغماضة كل مساء تشرب من قهوتنا، ومع اذان كل مغرب تركع في صلواتنا، ومع انسدال كل ليل تسهر في آلامنا وأحلامنا وما ملكت سرائرنا وضمائرنا.
في كل يوم تحضر في الذاكرة، وتخطر على البال، وتمثل في الوجدان، فمثلك عصي على الغياب والنسيان، أيها الراحل قبل انتهاء العمر، والمغدور قبل اكتمال الرسالة، والمصلوب على أيدي الصليبيين الجدد، والمنكوب صبيحة العيد الذي احتفى بثباتك ورباطة جأشك واكبرية روحك، أمام هول المشنقة ورهبة الاعدام.
وإذا كان الأعداء من أحفاد الصليبيين، والعملاء من أحفاد العلقميين قد توهموا يوم سقوط بغداد أنهم قد اغتالوا رمزيتك حين أجهزوا على تمثالك في ساحة الفردوس، فقد برهنت لهم وللعالم أجمع صبيحة ذلك العيد أن الرمزية الطالعة من "قوة المثال" أعظم من أي تمثال، وأن الشجاعة القائمة في حضرة الموت أكبر من طاقة البشر، وأقرب إلى فدائية الرسل، وكربلائية آل البيت.
للشجاعة سحرها وعطرها، يا أبا عدي، فهي قوة روحية ومعنوية فوق بشرية، وهي طاقة نفسية وعصبية ترفع الإنسان إلى أقصى معاني إنسانيته، وتضعه بشكل سافر ومباشر أمام أصعب ظروفه وأقداره، وقد كنت مع نجليك عدي وقصي، وحفيدك مصطفى، بمثابة أسطورة في الشجاعة والإقدام والاستهانة بالموت، بل لعلكم قد تطهرتم، يا آل صدام، في حومة الردى من مثالب السلطة وأدران الحكم.
لكل امرئ من اسمه نصيب، ولعل اسمك المدجج بالتحدي والعنفوان قد رسم لك خط الحياة منذ فاتحتها في العوجة حتى خاتمتها في ام الطبول، فكم كنت طليعياً وأنت تنفض بهارج الحكم وتغوص تحت الأرض، وكم كنت مقداماً وأنت تخلع رداء العمر وترتدي ثوب الاستشهاد، وكم كنت مبارزاً ومتحدياً وأنت تحيل محاكمتك إلى منبر لمحاكمة الساهرين نهاراً من الصليبيين، والسائرين نياماً من النفطيين، والسادرين في حقدهم المعتق من الصفويين.
لعلك قد تتلمذت، أيها الشهيد الصنديد، في مدرسة الخطر، وتخيرت مبكراً هذه النهاية التراجيدية، واتخذت من النضال دستور حياة ورفيق سفر، وأدركت منذ الصبا أن الأوطان لا يحرسها إلا الشجعان، ووطدت النفس على مقارعة الخطوب ومنازلة التحديات وتثبيت الإصبع على الزناد ليلاً ونهاراً.. فليس في أيامك يوم راحة ورغد حتى وأنت في سدة الحكم، وليس في دنياك ساعة تواكل وتهاون واسترخاء حتى وأنت في قمة العز وأوج الانتصار.
وحين اشتدت من حولك دائرة الحصار، وضاقت عليك الأرض بما رحبت، وتكالب عليك علوج العجم والعرب والفرنجة، امتشقت الدم لتحدي السيف، والجرح لمقاومة الرصاصة، والسنبلة لمواجهة المنجل، والإيمان لردع العدوان.. فما هزموك وما اسقطوا حكم البعث، ولكن شُبّه لهم، وخُيّل لكبيرهم الذي هبط بالمظلة فوق إحدى البوارج، أن النصر قد تحقق، وان "المهمة قد انتهت"، ولم يكن يعلم ذلك المأفون أن قائد المقاومة المجاهد عزت الدوري له بالمرصاد، وأن جيشه الغازي قد تورط في ارض السواد، وأن أوهام الانتصار سوف تتحول سريعاً إلى متواليات اندحار وانتحار وانهيار.
لقد عشت، يا سيد الشهداء، بطلاً ومت بطلاً.. طلعت علينا فرقداً ورحلت عنا فرقداً.. أقمت عزيزاً في قمة العصر وغادرت شهيداً إلى جنان الخلد، بعد أن لم يعد يليق بأمثالك هذا الزمان الرويبضة الذي لا أمان له ولا رهان عليه، جراء تقدم الخيانة على الأمانة، والنذالة على البطولة، والجاسوسية على الفروسية، والرضوخ على الشموخ، والبهتان على العرفان.. فلولا أن الزمان رديء، والحكام أقزام، والشرف رهن الاعتقال، لما ارتضت العروبة أولاً، والبشرية ثانياً، بسبي بابل، وخراب البصرة، واغتصاب بغداد على قارعة تقارير استخبارية ملفقة ومفبركة حول أسلحة الدمار الشامل.
لولا أن الزمان أكثر من جبان، والعدل مفقود في كل مكان، لما رأينا كيف تحول عرب اللسان هذا الأوان إلى "وكلاء دفاع" عن إيران التي ترهبهم، وإلى سماسرة تطبيع مجاني مع "اسرائيل" التي تستخف بهم، بعد أن كانوا قد أنكروك، يا أبا عدي، قبل صياح الديك، وخذلوك علناً وفي وضح النهار، وتواطأوا ضدك وحرضوا عليك دون رادع من خلق او وازع من ضمير!!
لو أن غيابك، يا سيدي الشهيد، أدى إلى ازدهار واستقرار العراق.. لو أن إسقاط حكمك أسفر عن إشاعة الحرية والديمقراطية.. لو أن ورثة نظامك من أمثال الجلبي والمالكي والهاشمي والطالباني اتصفوا بالوطنية والنزاهة والاستقامة، لكان حقاً علينا ان نتفهم مواقف عرب اللسان المناهضة لك، وان نبرر لهم تحاملهم عليك، ولكن ماذا نقول وقد تحول العراق من بعدك إلى ديار منكوبة، وبلاد منهوبة، وزعامات ملعونة، وجماهير مطحونة، وطوائف ممعنة في شهوات الانقسام والانتقام؟؟
كل الرزايا والبلايا والمآسي التي اكتسحت العراق من بعدك، شكّلت شهادة لعهدك، وتزكية لنهجك، وبرهاناً على انك كنت الأبعد نظراً، والأرجح عقلاً، والأشد حرصاً وإخلاصاً، والأكثر معرفة وخبرة ودراية بأحوال العراق، وطبيعة شعبه، ودرجة تطوره، وحقيقة وضعه دون زيادة او نقصان، وبعيداً عن حرق المراحل او لجم التطورات.. وباستثناء أحفاد العلقمي وأبي رغال، ليس هناك في عراق اليوم من لا يترحم عليك او يحن إلى عهدك.
ورغم أننا قد نأخذ على نظامك، يا سيدي الرئيس، الكثير من الأخطاء والنواقص والتجاوزات، إلا أن الوقائع والأيام السابقة واللاحقة لهذا النظام، قد أثبتت بملموس التجربة الماثلة للعيان، أنه كان الأكثر تعبيراً عن روح الشعب العراقي الأصيل، والأوسع تمثيلاً لوحدته وعروبته وتطلعاته، والأكفأ تأهيلاً لقيادته بمزيج من آليات الانضباط والانبساط، أو المرونة والمركزية، نظراً لان كل "دول التخوم" العربية تحتاج إلى مثل هذا النمط القيادي الحازم والحكيم معاً.
نم قرير العين، يا سيد الشهداء، وثق بأنك على موعد مع النصر حتى وأنت رهين القبر.. فحزبك العريق الذي رعيت يقود جحافل المقاومة بكل إصرار واقتدار، ورفيقك عزت الدوري الذي استخلفت لا يدمر قطعان الاحتلال فحسب، بل يهز أيضاً أركان إمبراطورية اليانكي في عقر دارها، ويكاد يطيح برئيسها "ورايسها" ودولارها.
نم قرير العين، يا أبا عدي، فالعظماء من أمثالك قد يغيبون عن الدنيا، وقد يغادرون مواكب الحياة، ولكنهم حاضرون دوماً في ذاكرة الشعوب، وخالدون أبداً في أعالي التاريخ.. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.