هل ينصف العراقيون صدام بعد كل ما جرى للعراق؟
احمد سرور - نيويورك
مع اقتراب الذكرى الأولى لتغييب سيد شهداء العرب المعاصرين المناضل صدام حسين لا يسع أي مراقب يتحلي بالفطنة والموضوعية سوى ملاحظة بقائه كميراث المحرك الحقيقي للحدث العراقي بكل تداعياته المحلية والعربية والإقليمية والدولية. لم ينحسر دور الرجل باستشهاده، على العكس من ذلك فقد ترسخ هذا الدور لسنوات، بل ولأجيال قادمة.
رغم عدم تطابق اليوم الأول لعيد الأضحى مع اليوم الميلادي لاستشهاد صدام حسين فإن عيد الأضحى الباقي ما بقي هناك إسلام ومسلمون قد أصبح عيد صدام حسين، ولسوء حظ الذين اغتالوه لكي يغيبوه كدور فقد ساهموا في تخليد ذاكره كأشجع إنسان خرج من رحم امرأة، وما كان لهذه الشجاعة النادرة أن تتجلى لولا فرادة عمق الرجل بما آمن به، وأتى دور التكنولوجيا الحديثة، الفيديو والانترنت لتحولان هذا الحدث الدرامي الفريد إلى كابوس دائم للذين اغتالوه والذين أنيط بهم تنفيذ الاغتيال.
الأجيال القادمة ستعرف عندما يفرغ السجانون الأمريكيون كل ما يعرفونه عما دار في اللقاءات السرية مع الشهيد الأسير بأن صدام حسين قد عاش قضيته حتى آخر لحظة من حياته، ولم يقبل بأية مساومة لا قبل الغزو والاحتلال والأسر ولا بعد الأسر، فقد حلم الرجل في حياته أن يصبح زعيما في نظر أمته كلها ولكن القدر قد رتب له هذه الزعامة بعد استشهاده ولأكثر من جيل.
الجيل العربي الراهن لاسيما في مشرق العروبة يعيش ظروفاً لا عنوان لأسبابها ونتائجها سوى ما فعله صدام حسين وما لم يفعله صدام حسين، فعل صدام حسين قد دخل حيز الدراسة التاريخية، ما لم يفعل الرجل، أي التعايش مع الإملاء الصهيو - أمريكي، هو الشوكة الأبدية في خاصرة: أنصاف الرجال على حد تعبير الرئيس السوري.
أما الفعل، أي جر الولايات المتحدة المهنية، إلى الفخ الذي نصبه لها أبو عدي في العراق فسيظل الحدث الذي يقرر مصائر الجميع عراقيين وعرباً، هذا فضلا عن مصير الاحتلال وإمبراطوريته، لقد حاصروه وشعبه 13 عاماً متواصلة ولكنه هو وشعبه يحكمون الحصار حول رقبة أعتى إمبراطورية في الدنيا، حدث ذلك لأن صدام حسين تصور الحدث وأعد له ما استطاع من قوة، وبهذا أدخل الشهيد العراق التاريخ على أنه أول بلد يجري احتلاله وتبدأ مقاومته في ذات اليوم.
في ذلك اليوم من عام 2003 قلت بأن صدام حسين قد أنجز مهمته سواء استشهد أم لم يستشهد، واستماتت أميركا من أجل القبض على الرجل ظناً منها أنها ستقبض على المهمة المنجزة و"توفقت" بعد شهور، ثم احتفظت به كأسير لفترة لعلها تطوعه كأسير تعويضاً عن إخفاقها في تطويعه عن بعد وأخفقت، وأخيراً خطر لسياسييها الجهلة اغتياله لعلهم يغتالون بذلك المقاومة وحزب البعث.
المقاومة وحزب البعث عصيان على الاغتيال، وهكذا ذهب الرجل وبقي الدور يحرك كل شيء في بغداد ومن حولها عراقيا وعربيا وإقليميا ودوليا وخاصة أميركياً، أرادت أمريكا محو الرجل وبلده من خارطة التاريخ فإذا به يتحول وشعبه إلى محرك حتى لتاريخ أمريكا وذاكرتها لأجيال وأجيال قادمة.
بكل هذا، ولكل هذا فإني أتوجه بالتحية إلى المدرسة التي تخرج فيها هذا العملاق.
* "القدس العربي" 24/11/2007