لولا المقاومة لكان أجدر بنا عار التاريخ
مضى من العُمْر عامٌ بلا.. صدّام..
نبيل أبو جعفر - صحافي وكاتب عربي يقيم في باريس
حتماً لا صدفة في
السياسة، وإلاّ لما تفتّقت أذهان إدارة بوش الموغلة في الإجرام بحق الشعوب، وقبل
شهر واحد من الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد الرئيس صدام حسين، على عقد "مؤتمر
أنابوليس" رغم تناقض أهدافه المعلنة مع كل ممارساتها على الأرض، ورغم إدراكها لفشله
سلفاً وحراجة الاستجابة الفورية من قبل الأنظمة العربية المدعوّة إلى حضوره، ومع
ذلك، أصرّت على عقده لأنها تريد عنواناً "سلمياً" تروّج له – أو حتى ضدّه – سائر
وسائل الإعلام في هذه الأيام، ولأن بوش الإبن يُريد تكرار مسرحية أبيه الذي عمل على
عقد مؤتمر مدريد مباشرة بعد حرب "تحرير الكويت" التي جنّد لها جيوش 32 دولة،
انتصاراً لعائلة متخلّفة، تحكم بعقلية القرون الوسطى، على حدّ تعبير الرئيس الفرنسي
الأسبق فرانسوا ميتران، في سياق حواره مع بوش الأب بباريس، ومحاولته التملّص من
المشاركة في الحرب الدولية التي شُنّت ضد العراق، وكانت النتيجة أنه لم يخرج عن
مدريد إلاّ "كامب ديفيد" و"وايت بلانتيشن" و"طابا" و"أوسلو"، فضلاً عن انقسام ما
تبقّى من فلسطين إلى شطرين متناحرين.
وبالتزامن مع انعقاد "مؤتمر أنابوليس"، وقبل شهر واحد أيضاً من ذكرى الاستشهاد صبيحة يوم الحج الأكبر، وقّتت المخابرات الأميركية بدورها الإفراج عمّا يُسمّى بتحقيقات مندوبها جورج بيرو – من أصل لبناني كالكثير من المترجمين والجواسيس – مع الرئيس الشهيد داخل معتقله في مبنى المطار، وقد وردت في كتاب "مراقبة إرهابي" لمؤلفه رونليد كاسلر، وتضمنت إدعاءات وتصوّرات خيالية عديدة ما كان بمقدور أحد تلفيقها في حال بقاء الرئيس على قيد الحياة.
المؤكد أن الإلحاح على انعقاد المؤتمر في الوقت المحدّد له – رغم الاعتراف الأميركي بعدم تعليق آمال على نتائجه كما ورد على لسان كوندوليزا رايس – كان يستهدف التغطية على ما ستُثيره الذكرى قبل حلولها، انطلاقاً من أن الحديث عن "أنابوليس"، واختلاف الرأي حول تقييمه مهما كان سلبياً أو هجومياً، سيأخذ حيّزاً من اهتمام الإعلام الأميركي والدولي، بما فيه الصهيوني والعربي الرسمي وحتى الشعبي، وهذا هو المطلوب.
أما توقيت نشر "التحقيقات" في الآونة نفسها، وبمضمونها السردي المفبرك عن سابق إعداد وتصوّر وتصميم، ودون وجود أي دليل أو شاهد على مصداقية بعض ما ورد فيها، فيستهدف – دون عناء لاكتشاف ذلك – محاولة تشويه الصورة الراسخة للشهيد في أذهان العرب والعالم، وإظهاره على غير حقيقته بعد أن أصبح نموذجاً فريداً في التاريخ الإنساني من حيث الشجاعة والإيمان بالمبدأ والرجولة النادرة في لحظة تضعف فيها إرادة الرجال الرجال.
طبعاً، لا يُغيّر من هذا الهدف اعتراف الكاتب على لسان المحقق بـ "مزايا شخصية صدام ورجولته" بقوله ".. كان ساحراً، لطيفاً ومهذّباً، ويتّسم بكاريزما وحسّ الدعابة، كان كل من يلتقيه يُعجب به، وكان جديراً بأن يُحبّ"، بل على العكس من ذلك، كان المقصود من هذه "الشهادة" إسباغ المصداقية على الإدعاءات والتلفيقات الأخرى التي وردت في سياق الكتاب، وإثارة جوّ من النقاش والاختلاف حول تقييمها.
.. وزيادة في تواتر "الصدف" وراء بعضها البعض، وقتّت إدارة بوش بعد ذلك فوراً وبشكل فجائي وغير متوقع، صدور تقرير مخابراتها الذي برّأ النظام الإيراني من تهمة الاستمرار بمشروعه النووي، وأقرّ بتوقفّه منذ العام 2003!
ومع أن هذا التقرير قد أثار استغراب الأميركان قبل سائر الشعوب والأنظمة الأخرى، وطرح تساؤلات مريبة حول حقيقته وأهدافه، إلا أنه لقي صدى ايجابياً لدى سلطة الملالي في طهران التي رحّبت به، ورأت أنه يخلق أرضية للاتفاق "الكبير" بين البلدين.
وقبل السؤال عن المقصود بـ "الاتفاق الكبير" علينا ملاحظة "هبّة" الملالي للقيام بدورهم في عملية التغطية على ذكرى الاستشهاد، من خلال عودتهم الفجائية عن الترحيب بتقرير المخابرات، إلى تقديم احتجاج رسمي على عملية التجسس التي قامت بها الولايات المتحدة على مشروعهم النووي، وهذا يعني فتح صفحة جديدة من الأخذ والرّد وتبادل الاتهامات لن تُقفل قبل شهر أو اثنين على الأقل.
صحيح أنه لا صدفة في السياسة، ألم يقل محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية في مؤتمر "الخليج وتحديات المستقبل" الذي عقد بـ(أبو ظبي) مطلع العام 2004 انه "لولا إيران لما سقطت كابول وبغداد"؟!
رحم الله أَرجل الرجال وأغلاهم.