مسار تصغير الأمة من مؤتمر باريس 1913 إلى إعلان دمشق 2005

د. ثائر دوري - سوريا

لم يأت مطر "إعلان دمشق" من سماء صافية، كما يقال، فهو لم يكن حادثة مفردة فريدة بدون سوابق، بل إن ما يحكمه ويحكم تفكير القائمين عليه هو خط فكري بدأ منذ بداية القرن العشرين مع "المؤتمر القومي" في باريس عام 1913، وتوج بتعاون الشريف حسين مع البريطانيين ضد الدولة العثمانية ومحاربتها تحت قيادة لورانس، ثم عاد يطل برأسه بشكل خجول عام 1948، كما في تصريحات بورقيبة حول وجوب قبول قرار تقسيم فلسطين، ثم بشكل واضح بعد هزيمة 1967، وعبّر عن نفسه بقبول قرارات مجلس الأمن (242 و338) واعتبار ما يسمى بالشرعية الدولية أساساً للحل في فلسطين المحتلة.

يمكننا إيجاز جوهر هذا الخط الفكري بنقطتين جوهريتين، النقطة الأولى هي القبول بالاندراج في سياق الترتيبات الدولية للمنطقة العربية، وذلك تحت ذرائع مختلفة أهمها: ذريعة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وعدم القدرة على مجابهة القوى الكبرى، وضرورة التعاون معها.

فـ"مؤتمر باريس" عام 1913، رغم أنه قد أطلق على نفسه صفة "القومي"، أعلن أنه يتحدث باسم "العرب العثمانيين" فقط، وبالتالي فهو تنصل من العرب الخاضعين للاحتلالات، والوصايات الغربية، فبجرة قلم واحدة تخلى عن التفكير بمصير العرب الذين يعيشون غرب قناة السويس: مصر، وليبيا، وتونس، والجزائر، ومراكش، وعن عرب عدن، والكويت، الذين يعيشون شرق قناة السويس تحت الاحتلال البريطاني.

فعل المؤتمر هذا رغم أنه أعلن نفسه "قومياً عربياً"، ولم يجرد العروبة عن العرب الخاضعين للإحتلالات الغربية! ورد في وثائق المؤتمر أنه يعنى فقط بالعرب العثمانيين: "المقيمين في الولايات العربية العثمانية...... وهو لا يهتم في الحاضر ولا في المستقبل بشيء له علاقة بالولايات المشار إليها...."، ولحل هذا التناقض اخترع القائمون على المؤتمر تعبير "العرب العثمانيين".

وليس خافياً على أحد أن هذا التزاماً بالترتيبات الدولية للمنطقة العربية، وبشكل أكثر تحديداً للدولة العثمانية، التي صارت وشيكة الانهيار، واتفقت الدول الغربية الرئيسية على تقاسم ما تبقى من ممتلكاتها، فصار البحث جدياً عن الأدوات التي تساعد على تفتيتها، لذلك استخدموا الشعور الديني في البلقان (إسلام – مسيحية)، أما هنا، في "القسم العربي من الدولة العثمانية"، فيحب استخدام الشعور القومي لأن أغلبية العرب يدينون بالإسلام، مثل الأتراك.

وضع المشاركون في المؤتمر أنفسهم في الموقع الذي يلائم النظام الدولي سواء عن حسن نية أم بنية مبيتة، فهم لم يطرحوا برنامجاً شاملاً لإصلاح الدولة العثمانية، كما يفترض بأي مواطن ينتمي لدولة ما ويهمه مصيرها، إنما جعلوا مطالبهم جهوية و ألبسوها ثوباً قومياً، وهذا يتناسب تماماً مع مشاريع التهام الدولة العثمانية من قبل الغرب، لأن التفكير بنهوضها وإصلاحها ممنوع غربياً، ومن جهة أخرى فإن الشعارات القومية التي طرحوها كانت توجب عليهم الالتفات إلى ثلثي العرب الواقعين تحت الإحتلالات الغربية في المناطق التي ذكرناها وهذا يعني اصطداماً بالنظام الدولي، وخاصة بمستضيفة المؤتمر وراعيته فرنسا، وللقفز فوق المشكلتين اخترعوا تعبير "العرب العثمانيين"، أما حقيقة الأمر فإنهم قد جردوا أنفسهم من الصفة العثمانية بعدم اكتراثهم لمصير الدولة وتبنيهم مطالب جهوية، وجردوا أنفسهم من صفة العروبة بعدم اكتراثهم لمصير ثلثي العرب الواقعين تحت الإحتلالات الغربية، وبالتالي صاروا في وضعية مناسبة تماماً للمشاريع الغربية، فلا هم دعاة لحماية الدولة العثمانية وتجديدها، ولا هم حاملون للواء العروبة، ومهما قيل عن استقلالية "المؤتمر" يبقى أنه عقد في باريس وتحت رعاية فرنسية، وعند نهاية أعماله قدمت لجنة تمثل المؤتمر تكونت من كل من: عبد الحميد الزهراوي، وسليم سلام، والشيخ أحمد حسن طبارة، ومحمد خليل بيهم، قدمت اللجنة نتائج المؤتمر إلى وزير الخارجية الفرنسي بيشون، ومعلوم أن فرنسا لاعب أساسي في المنطقة في ذلك الوقت بالتشارك وبالتصارع مع بريطانيا، فقبل عام فقط من تاريخ انعقاد المؤتمر، في عام 1912 فرضت وصايتها على مراكش، وقبلها احتلت الجزائر وتونس، ومن قبل، زمن نابليون، حاولت احتلال مصر وبلاد الشام، كما أنها لا تخفي مطامعها في منطقة شرق المتوسط، ونفس الأمر يقال عن بريطانيا التي انتقلت إلى احتلال مناطق شرق قناة السويس كعدن التي احتلتها عام 1837، والكويت التي احتلتها عام 1912، دون أن ننسى مصر التي كانت محتلة قبل ذلك بوقت طويل، ومع ذلك قبل المؤتمرون بهذه الترتيبات، الإحتلالات، ووعدوا بعدم المس بها، أي أنهم تخلوا أولاً عن عثمانيتهم بعدم اهتمامهم إلا بمصيرهم الخاص، ثم تخلوا عن ثلاثة أرباع العرب ورضوا أن يتحدثوا باسم الربع الباقي فقط لذلك كان يجب أن يسموا مؤتمرهم، مؤتمر ربع العرب!

إن هذا النسق الفكري عاد ليطفو على السطح بقوة بعد هزيمة 1967م، بعد أن كان خجولاً عام 1948م، تجلى ذلك بالصراع حول القرارين (242 و383) فقد رفضتهما القوى الثورية العربية الحقيقية، لأن القبول بهما يشكل تخل عن فلسطين وبالتالي اعترافا رسمياً بشرعية الكيان الصهيوني، أما القوى المندرجة في ترتيبات "النظام الدولي" فقد أعلنت قبولها بالقرارين المذكورين وبعضها اتخذ نفس المسوغات السابقة، "إنقاذ ما يمكن إنقاذه"، وعدم الرغبة بالاصطدام بالنظام الدولي، الذي صار اسمه "الشرعية الدولية"، وتدريجياً تحول القراران (242 و338) إلى ثابتين من ثوابت النظام الرسمي العربي، ولدى شرائح واسعة من المثقفين، ومن بعض القوى التي تدعي أنها ثورية، وبالتالي تخلوا جميعاً عن عروبة فلسطين، وقبلوا بـ"سايكس بيكو" بشكل مضمر لأن أول ترتيب من ترتيبات "سايكس بيكو" هو إنشاء دولة الكيان الصهيوني.

وبعد مسيرة جديدة من الانهيارات والهزائم جاء "إعلان دمشق" ليعلن صراحة قبوله بالشق الثاني من ترتيبات "سايكس بيكو"، أي الدولة القطرية العربية، فالموقعون على الإعلان ليسوا مهتمين سوى بالدولة القطرية "المتحد السوري" مع الحديث عن انتماء عربي غامض أسموه "المنظومة العربية"، لا بل تجاوز الإعلان أمر القبول بترتيبات "سايكس بيكو" نحو الانفتاح على "سايكس بيكو" الأمريكية الجديدة التي بدأت تتبلور من العراق المحتل، فرأينا في الإعلان كلاماً عن "مكونات الشعب السوري" العرقية والدينية، حدث هذا  في المكان الذي اعتبر موئلاً للفكرة العربية وقلباً نابضاً للعروبة، في سوريا التي تموت بالمعنى الفعلي لا المجازي إن لم يكن لها امتدادات عربية، وبذلك وثق رسمياً ما كنا نسمعه شفاهاً كلما تحدثنا أو كتبنا عن فلسطين والعراق، حيث كان الرد يأتينا إما ساخراً أو مهاجماً، بلطف أحياناً وبسفاهة أحياناً، ومفاده أن علينا الاهتمام ببناء الدولة القطرية وكفانا اهتماماً بمشاكل خارج حدودنا، لقد ثبتت "وثيقة إعلان دمشق" هذا الأمر بشكل رسمي بأن قالت بـ"منظومة عربية" وسخّرت نفسها لـ"بناء سورية" ولـ"حل مسألة الاستبداد" دون أية مقاربة لمشاكل المحيط العربي إلا عبر التعبير الغامض "منظومة عربية".

وهنا أحب أن أنوه أن عدم التدخل بالمحيط العربي، الذي يطلبه "النظام الدولي" من القوى والأنظمة العربية، هو عدم تدخل باتجاه واحد، أي ممنوع أن تتدخل دولة عربية في شؤون دولة أخرى من أجل صالح العرب أو لنصرة عربي، أما إذا كان التدخل العربي لصالح الغربيين فهو مسموح بل ومطلوب، وعلى سبيل المثال في الوقت الذي منعت فرنسا "العرب العثمانيين" من الاهتمام بمصير أخوتهم في الجزائر ومراكش، كما رأينا في "مؤتمر باريس" والتزم المؤتمرون بذلك، عادت في عام 1920 وجندت الجزائريين في جيشها الذاهب لاستعمار سوريا فسقط الكثير منهم بنيران أخوتهم في سوريا.

كما رأينا أن الولايات المتحدة، التي تصر على أن تبقى مصر حبيسة داخل حدودها عندما يتعلق الأمر بمصالح العرب والمسلمين سارعت وأشركت الجيش المصري في العدوان على العراق عام 1991، أي أن التدخل وراء حدود "سايكس بيكو" مسموح إن كان لخدمة الغربيين ومصالحهم، ممنوع إن كان لهدف عربي، وكان القائمون على "إعلان دمشق" أذكياء فالتقطوا هذا الأمر على الفور، فقد لفت نظري صدور بيان عن "إعلان دمشق" يدين تفجيرات فنادق عمان (بالطبع لا يمكن للمرء أن يقبل بما حدث في عمان) لكن اللافت في الأمر أن الطيران الحربي الأمريكي وفي نفس التوقيت كان يقصف الرمادي وكانت المعارك محتدمة في تلك المدينة بشكل لم يسبق له مثيل منذ الحرب عام 2003، لكن الإعلان التزم الصمت حيال هذا الأمر، ولو كان الإعلان منسجماً مع ذاته بادعائه التفرغ لمشاكل سوريا داخل حدود "سايكس بيكو" لما تدخل في الأمرين، لكن بما أن التدخل في مسائل "إدانة الإرهاب" ومحاربته أمر مطلوب من قبل النظام الدولي، تدخل "الإعلان"، في حين أن إدانة الجرائم الأمريكية في الرمادي أمر يغضب سادة هذا النظام، ويعتبر تدخلاً فظاً في شؤون الآخرين، فأحجم الإعلان عن التدخل، لكن هل قصف المدن بالطائرات الحربية أقل إرهاباً وإجراماً من تفجيرات عمان؟!

بالتأكيد لا، لكنه الالتزام الذي فرضه النظام الدولي وقبله القائمون على "إعلان دمشق"، وينص على عدم جواز التدخل بشؤون المحيط العربي، والاهتمام فقط بالبناء الداخلي، وحل مشكلة الاستبداد ضمن حدود "سايكس - بيكو" إلا إن كان التدخل يتم بمباركة من النظام الدولي.

النقطة الجوهرية الثانية في هذا الخط الفكري – السياسي هي الاعتماد على رافعة خارجية لإحداث تبدل داخلي، لا ريب أن أوضاع العرب في الولايات العثمانية لم تكن على ما يرام، بل يمكن القول إنه لم يكن هناك ما يسر القلب بهذه الأوضاع لاسيما بعد استلام "الإتحاد والترقي" السلطة وبدء سياسة التتريك، ويمكن القول إن وضع الدولة العثمانية كله لم يكن على ما يرام و يسير من سيء لأسوأ، لكن من قال إن أوضاع العرب الذين كانوا تحت السيطرة الغربية في مغرب الوطن العربي أفضل؟ بل إن أوضعهم كانت أسوأ بكل المقاييس، وبينما كانت الهوية العربية محفوظة ضمن الدولة العثمانية ولا خطر عليها من التذويب، كان العرب تحت السيطرة الغربية يتعرضون لتذويب منهجي: حضاري، وثقافي، وسياسي، مع إبادة جسدية إن أمكن، كما في الحالة الجزائرية، فإذا رتبنا الأولويات نتساءل: أيهما أخطر على العنصر العربي في ذلك الوقت، الدولة العثمانية وتخلفها واستبدادها، أم الاستعمار الغربي وهمجيته التي تريد اقتلاع الحضارة العربية من جذورها؟

لسنا بحاجة لكبير عناء لنجيب عن ذلك، اسأل أي جزائري أو تونسي أو مصري يجيبك على الفور.. لماذا إذن تمت الاستعانة بالغرب على الدولة العثمانية؟

في "مؤتمر باريس" كان هناك من يستجدي التدخل الفرنسي، وآخرون يسعون لمد السيطرة البريطانية من مصر إلى بلاد الشام، وكان هناك وطنيون قلقون على مصير العرب في الولايات العثمانية وبعضهم ربما كان قلقاً على مصير الدولة كلها،

برر الوطنيون تحالفهم مع أنصار "الحل الخارجي"، فرنسي و بريطاني، بالقول إن تحالفنا معهم يبقيهم ضمن مجال العمل الوطني فلو تركناهم لذهبوا بعيداً، لكن في نهاية الأمر جاء "الحل" بالتدخل الخارجي.

وتكرر نفس الأمر في "إعلان دمشق" فقد اختلط أنصار "الحل الخارجي" مع أشخاص وطنيين قلقين على مصير سوريا، وسمعنا بشكل شفهي نفس الذريعة السابقة "نحن نتحالف معهم كي نبقيهم ضمن الثوابت الوطنية، فإن تركناهم وحدهم ذهبوا بعيداً"، لكن عندما تمدد البنزين بالمازوت فإن درجة اشتعال هذا المزيج لن ترتفع بمعنى أنك لن تحمي البنزين من الاشتعال بدرجة حرارة منخفضة كما هو معتاد، بل إن هذا المزيج يصبح له درجة اشتعال البنزين وبالتالي تكون قد ضاعفت كمية المادة سريعة الاشتعال بدل أن ترفع درجة اشتعالها، وهذا ما حدث في الحالتين فبدل أن يتم تقليص أخطار أنصار "الحل الخارجي" عبر التحالف معهم توسعت جبهتهم!

في بداية الألفية الثالثة كررت "المعارضة العراقية" تجربة الشريف حسين بالاستعانة بالخارج، لكن بشكل أكثر وقاحة وبوعي كامل، فالشريف حسين كان ابن بداية القرن العشرين، محدود المعارف، خدعته شعارات الحرية التي ينادي بها الغرب، أما في الحالة العراقية فكل شيء كان مكشوفاً وكل الأوراق كانت فوق الطاولة: قوة إمبريالية، همجية، إبادية، لها مشروع امبرطوري معلن "نحو قرن أمريكي جديد"، متعطشة للنفط ولتأمين "أمن إسرائيل"، عانت منها كل الشعوب وخاصة العرب خلال نصف القرن الماضي، ومع هذا استعانوا بها (عملوا تحت إمرتها) بذريعة "التخلص من الاستبداد"، فكانت النتائج الكارثية.

وفي سوريا بعد أن شاهد المواطن العادي بأم عينيه كوارث هذه التجربة، تجربة الاستعانة بقوة خارجية بذريعة الخلاص من الاستبداد، صار لسان حاله يقول: جحيم الاستبداد ولا جنة الاحتلال، ومع ذلك بقي بعض المثقفين مصراً على إعادة التجربة العراقية والاستعانة بالغرب الأمريكي، لا بل إن بعضهم رغم كل الكوارث التي جاء بها الاحتلال بقي يتغنى بالتجربة ويتحدث عن إيجابياتها، فأعلن أحد قادة "إعلان دمشق" (قائد من وراء الستارة) صراحة تقاطع مصالح "الشعوب" مع المشروع الغربي،  و"أبدع" نظرية "الصفر الاستعماري"، كما وجه قائد آخر (قائد علني هذه المرة) من سجنه "شكراً للحكومة الأمريكية لقيامها بتخليص العراق من الطاغية"، وللشعب الأمريكي لأنه دفع من دماء أبنائه ومن ميزانيته ليساعد الشعب العراقي على التحرر!

هل يمكن اقتراح مسار بديل للتاريخ في الحالين؟

ربما نعم، أتساءل هنا لماذا لم يبادر حزب اللامركزية، الذي كان مقره مصر، وإليه ينتسب الشيخ عبد الحميد الزهراوي رئيس "المؤتمر القومي"، لماذا لم يبادر إلى بلورة برنامج يجمع عرب المشرق والمغرب ويفك الارتباط مع أولويات النظام الدولي، التي تتلخص في الخلاص من الدولة العثمانية واقتسام تركتها؟

ولماذا لم تبادر النخبة الوطنية التي وقعت على "إعلان دمشق"، وأغلبها ينحدر من منشأ قومي، إلى بلورة مشروع يقترح حلاً لمشكلة الاستبداد بالتساوق مع حل مشاكل العرب جميعاً، بل لماذا وضعت هذه المشكلة بالتضاد مع مشاكل العرب، بمعنى لماذا يتوجب علينا إذا أرادنا حل مشكلة الاستبداد أن ننحاز إلى جانب المشروع الأمريكي فنتخلى عن فلسطين، ونصمت عن احتلال العراق، ونحبس أنفسنا داخل حدودنا!

إن ياسين الحاج صالح حين كتب مقاله "في مديح الخيانة" كان يتأمل في مصير بعض من أعدمهم جمال باشا عام 1916 وهو يرى، بعد مائة عام، أسمائهم تزين الساحات والكتب الدراسية، يقول ياسين:

((إن نظرنا إلى أنفسنا بعد مئة عام من "الخيانة"، فقد نتفاجأ بأننا لم ننجح في خيانة "هويتناط، كما كنا عقدنا العزم، بلى لقد نجحنا، لكن "الخيانة" غيرتنا، فلم نعد نذكر أو نفهم وطنيتنا الثقافية/هويتنا التي خنّاها، ولم نعد نفكر في أننا أخذنا قرارا بالخيانة لأنه تكونت لنا ذاكرة جديدة ووطنية جديدة و... كرامة مختلفة، صرنا نحتفل بعيد الخيانة دوريا، وصار خونة الأمس آباء مؤسِّسين، هل نتذكر، اليوم، أننا في 6 أيار من كل عام نحتفل بذكرى خونة شنقوا قبل تسعين عاما؟))

ولا أدري ما الذي جعل ياسين الحاج صالح يتبنى هذا التقييم العالي للذين شنقهم جمال باشا عام 1916 مع أن بعضهم (بعضهم وليس كلهم) كانوا مجرد متعاملين مع السفارات الغربية، أكرر بعضهم وليس كلهم، وكي لا ندخل بجدل كبير حول هذه النقطة لنتأمل نتائج ما صنعت أيديهم، ثم نسأل هل هناك ما يشجع على تكرار تجربة "الخيانة " كما أطلق عليها ياسين.

كان العرب حملة رسالة للبشرية كلها، ثم انكفؤوا إلى الرابطة العثمانية، وبعدها إلى الرابطة القومية بفضل "الأبطال"، ويا ليتهم حققوها، بل إن العطب والزيف كان موجوداً في مشروعهم القومي منذ اللحظة الأولى، كما رأينا عبر تبنيهم مصطلح "العرب العثمانيين" فكان الانكفاء قطرياً، واليوم يقترح علينا ياسين أن يقوم أبطال جدد، وحتماً سيتهمون بالخيانة كما يعتقد ياسين، يقترح أن يقوموا بانكفاء جديد، وبحجة بناء الدولة القطرية، التي لن يحققوها، سيبنون دولاً طائفية، فهو يقترح استسلاماً تاماً للغرب، ومشاريع الغرب الطائفية في المنطقة واضحة، ألم يتأمل ياسين الكوارث التي سببها هذا النهج خلال مائة عام، وأهمها ضياع فلسطين، والتفتيت الذي جعلنا سجناء في دول لا تصلح لا لتحديث، ولا لتنمية، ولا لبناء علاقة سليمة بين السلطة والمجتمع لأنها دول مبتورة، مشوهة، تفتقر الموارد المتكاملة، فإن وجد السكان لم يكن هناك موارد طبيعية، وإن وجدت الموارد الطبيعية غاب السكان... الخ، هل يمكن للجسد إذا قُطّع، كأن تبتر الذراع أو الساق، أن يعيش كأجزاء متناثرة! هل هو معجب كثيراً بأفعال "أبطاله" في الماضي، حتى يرغب "أبطاله/ خونته" الحاليون في التكرار وعلى مستوى أدنى "قطري / طائفي" بدل " قومي / قطري"، ألا تكفي تجربة واحدة عانت منها الأمة مائة عام حتى نكررها ثانية! كما فات ياسين أمراً آخر، هو أن التاريخ لا يعيد نفسه مرتين إلا على شكل مهزلة فعام 2006 غيره 1916، وأهم فرق هو وجود مقاومة عربية فاعلة ومنظمة وأول الغيث ما جرى عام 2006 وليته تأمل معاني هذا الحدث التاريخي.

ولنفس السبب (مأساة /مهزلة)، أيضاً، تُستبدل شخوص 1916 الجدية بشخوص أغلبها هزلي، انظروا حولكم..