تفتيت العراق والوطن العربي.. مطلب صهيوني - صليبي - صفوي

الدكتور عبد الإله الراوي / دكتور في القانون وصحافي عراقي سابق مقيم في فرنسا

أقر مجلس الشيوخ الأمريكي يوم الأربعاء الموافق 26 أيلول (سبتمبر) 2007 تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، وسوف نناقش هذا القرار في القسم الثاني من بحثنا هذا.

ولكننا نرى أن نشير هنا بأن قرار مجلس الشيوخ المذكور استند إلى مشروع السيناتور الديمقراطي جوزيف بيدن- رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس وأحد المرشحين للرئاسة لعام 2008، والذي أكد في مقابلة له مع تلفزيون "شالوم" - شبكة أمريكية يهودية في الولايات المتحدة - قبل عدة أشهر: إن "إسرائيل هي أعظم قوة منفردة لأمريكا في الشرق الأوسط"، مؤكدا: "أنا صهيوني.. لا تحتاج أن تكون يهودياً لتصبح صهيونياً". (هل بدأ تنفيذ الحلم الاستراتيجي الصهيوني - تقسيم العراق!؟ ترجمة: د. عبد الوهاب حميد رشيد 28/9/2007) و(السيد زهره: "أنا صهيوني".. وقرار تقسيم العراق 29/9/2007).

كما نود أن نشير بأن هذا البحث يعتبر مرتبطاً ببحثنا المتعلق بتفجيرات سامراء الأخيرة وكان آخر مقال (هل أن حكومة المالكي العميلة قامت بتفجيرات سامراء الأخيرة؟ شبكة البصرة، 15/9/2007).

حقيقة إن الساعين لتقسيم العراق وتفتيت الوطن العربي هم الصاد المكعبة كما ذكرنا أعلاه لأن مصالحهم، في هذا المجال متقاربة جدا إن لم نقل بأنها متطابقة.

إن الغرض من تقسيم العراق هو، بصورة جوهرية، تحقيق حلم الصهيونية العالمية والكيان الصهيوني وكافة القوى التي تقف بالمرصاد لكل ما هو عربي.

وطبعا هناك جهات عديدة ترغب بتقسيم العراق أولها الكيان الصهيوني، الذي يعلم جيدا بأن العراق هو الثقل الحقيقي للأمة العربية والذي يهدد، بصورة لا تقبل الجدل، وجوده، ولذا فهو يطمح لتقسيم العراق إلى عدة دويلات ضعيفة لا تشكل أي تهديد له بل بالعكس ستكون لقمة سائغة لهذا الكيان لتحقيق الحلم التوراتي (إسرائيل من الفرات إلى النيل).

إن المستفيدين الحقيقيين من غزو العراق ومن تقسيمه وتفتيت المنطقة، هما الكيان الصهيوني ونظام الملالي في إيران، أما الولايات المتحدة الأمريكية فيأتي ما تحققه من مصالح بالدرجة الثانية..

وذلك لأن الكيان الصهيوني هو الذي ورط أمريكا بغزو العراق، كما سنرى، ولذا فإن الإدارة الأمريكية لا تريد تحقيق أي مكاسب لأن كل ما تحلم به حاليا هو الخروج من المستنقع العراقي دون الإعلان الرسمي بأنها فشلت في مهمتها.

أي أن تنسحب من العراق مع الاحتفاظ بقليل من ماء الوجه أمام شعبها وشعوب العالم.

صحيح أن لأمريكا غايات استعمارية في العراق والمنطقة، وترغب بإبقاء قواعد عسكرية دائمة في العراق، كما سنذكر ذلك، ولكن صمود مقاومتنا البطلة أجهض أحلامها وتركها تتنازل عن طموحاتها، ولكنها ملزمة مع ذلك على بذل ما تستطيع لتحقيق بعض المطامح الصهيونية ومنها طبعا تقسيم العراق.

ولذا سنقدم بحثا هذا كما يلي:

القسم الأول: الكيان الصهيوني.. وتقسيم العراق والمنطقة.

القسم الثاني: تقسيم العراق.. وموقف أمريكا وحلفائها.

القسم الثالث: موقف النظام الصفوي والأحزاب، التي يطلق عليها عراقية، من التقسيم.

 

القسم الأول: الكيان الصهيوني.. وتقسيم العراق والمنطقة

قبل أن نقوم بطرح موضوع دور الكيان الصهيوني ورغبته بتقسيم العراق والمنطقة نرى من الأفضل أن نقدم بعض الدلائل حول سيطرة الصهاينة على السياسة الأمريكية ودورهم بغزو العراق.

ولذا ستتم دراسة هذا القسم كما يلي:

الفصل الأول: سيطرة الصهاينة على السياسة الأمريكية ودورهم بغزو العراق.

الفصل الثاني: الطروحات الصهيونية المتعلقة بتقسيم العراق.

الفصل الثالث: تفتيت العراق والمنطقة.

وسنحاول، قدر الإمكان، عرض المشاريع والآراء فيما يتعلق بكل موضوع حسب تواريخ طرحها أو نشرها.

الفصل الأول: سيطرة الصهاينة على السياسة الأمريكية ودورهم بغزو العراق

إن الكيان الصهيوني، كما هو معلوم، هو الذي دفع أمريكا لغزو العراق بواسطة أزلامه من المحافظين الجدد و"إيباك" - اللجنة الأمريكية – (الإسرائيلية) للعلاقات العامة - والمسيحية الصهيونية التي ينتمي لها بوش ورجال إدارته من غير اليهود، هذا رغم كون كافة المنتمين للمسيحية الصهيونية هم من داعمي الصهيونية العالمية انطلاقا مما يتبنوه من أفكار وأهداف.

نعم إن المسيحية الصهيونية تنطلق من مبدأ: أن عودة المسيح مرتبطة بتحقيق الحلم التوراتي – حسب زعمهم - أي (إسرائيل من الفرات إلى النيل)، أي بعد تحقيق هذا الشعار فإن المسيح سيظهر ويلزم كافة اليهود على اعتناق المسيحية ومن يصر على بقائه على دينه، أي اليهودية، فيتم قتله.

في أحد المناسبات كنت أشرح هذه النظرية لبعض الفرنسيين فسألني أحد الحضور: ولكن كيف يوافق اليهود على ذلك، أي عودة المسيح لإجبارهم على اعتناق المسيحية أو قتلهم وفق هذه النظرية؟ وكيف يعتبرون المسيحية الصهيونية تساندهم؟

وكان جوابي: فعلاً أنكم لا تفكرون جيداً، إن الحركة الصهيونية تريد تحقيق تطلعاتها التوراتية وإن المسيحية الصهيونية تعمل على ذلك، أما قضية طهور المسيح وما سيقوم به ضدهم فهذا ما يعتبرنه أسطورة، لأنهم لا يعترفون، أصلاً، بأن عيسى ابن مريم هو المسيح الذي كانوا ينتظروه فكيف يعترفون بعودته.

وفي هذا المجال نذكر تأثير هذه الأفكار على الشعب الأمريكي ومدى إيمانه بها، حيث ذكر أحد الكتاب في مقال نشر في "الميدل ايست" بتاريخ 27/10/2006، ما يلي:

يظهر استطلاع جديد قام به مكتب زغبي الدولي الذي كلف من قبل مؤسسة مجلس المصلحة الوطنية بأن 31% من الذين شملوا باستطلاع المسح الوطني يعتقدون بقوة أو يؤمنون نوعا ما في الأفكار التي تقف خلفها الصهيونية المسيحية، التي تعرف كـ " الاعتقاد بأن اليهود يجب أن يمتلكوا كل الأرض الموعودة، تتضمن كل أراضي القدس، لتسهيل المجيئ الثاني للمسيح المنتظر"، اقتراعات أخرى تحمل رسائل مماثلة، بأن 53% من الأمريكان يعتقدون أن (إسرائيل) أعطيت من قبل الله (عز وجل) إلى اليهود (مركز بيو للأبحاث)، وأن 59% من الجمهور الأمريكي يعتقدون أن النبوءات التي وردت في كتاب "سفر الرؤيا" ستتحقق (سي أن أن / تايم). ("الصهيونية المسيحية: تهديد شنيع للتفاهم بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط". ترجمة دجلة وحيد "شبكة البصرة" 28/10/2006)

وقبل أن نتكلم عن المخططات الصهيونية لتقسيم العراق والمنطقة، سنذكر بعض الأدلة البسيطة على سيطرة الكيان الصهيوني وتحكمه بالسياسة الأمريكية بشكل موجز مع توضيح دور الصهاينة بغزو العراق من خلال ما استطعنا قراءته من مصادر حول الموضوع .

 

أولا : سيطرة اللوبي الصهيوني على السياسة الأمريكية

1 – في شهر آب ( أغسطس ) 1997 قام نيتنياهو، رئيس وزراء الكيان المسخ بزيارة أمريكا، وفي حينها ظهر مقال مهم في الصحيفة الصهيونية "هاآرتس" يشرح وبشكل واضح كيف يستطيع نيتنياهو اللعب على الأمريكان من خلال اللوبي الصهيوني الذي يسيطر على الولايات المتحدة الأمريكية . والمقال طويل جدا ولكنه يشرح بشكل جيد هذا الموضوع، نشير لترجمته الفرنسية لعدم عثورنا للأسف على ترجمة له باللغة العربية، ونظراً لأن البحث المقدم من قبل الأستاذان الأمريكيان الذي سنشير له يوضح سيطرة الصهاينة على الإدارة الأمريكية وما تتخذه من مواقف، وبالأخص فإن البحث الأخير يتطرق إلى غزو العراق لذا نكتفي بالإشارة لهذا المقال فقط.

(ISRAËL Comment Nétanyahou se joue des Américains. Courrier international n° 355 du 21 au 27/8/1997)

2 - نشرت صحيفة "معاريف" (الإسرائيلية) مقالاً بقلم الكاتب اليهودي "أسحق بن حورين" تناول فيه حقيقة ما يجري في البيت الأبيض الأمريكي ومن يتحكم فيه وقد سلط الضوء على منظمة "إيباك" اليهودية، وقوة تأثيرها على انتخابات مجلس النواب ومجلس الشيوخ الأمريكيين، وطريقة جمع التبرعات للمرشحين.

كما أن المقال يكشف بشكل لا يقبل الجدل سيطرة هذه المنظمة على البيت الأبيض وعلى السياسة الأمريكية. ("ايباك".. المنظمة التي تحكم الولايات المتحدة الأمريكية"، "اسحق بن حورين"، شبكة "أخبار العراق" 16 حزيران (يونيو) 2005)

- وإن تأثير اللوبي الصهيوني يتجاوز الانتخابات البرلمانية ليفرض سيطرته على الانتخابات الرئاسية أيضا، وفي هذا المجال نكتفي بذكر مثلاً واحداً.

 مقال نشر في صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية يوم 5/10/2007، بعنوان "اللوبي (الإسرائيلي) في قلب الجدل الدائر في الولايات المتحدة"، بدأ الكاتب، فيليب غرانغريرو، مقاله بالإشارة لحادثة تستحق الذكر، عندما يقول: "في العام الماضي عندما طلب السفير الفرنسي في الولايات المتحدة مقابلة المرشحة للرئاسة، هيلاري كلينتون، أجابته هذه برسالة تقول فيها وبشكل مباشر: "أنا لا أتكلم مع أي سفير، عدا واحد، سفير (إسرائيل)"، ثم يعلق الكاتب مقدماً الأدلة على قوة تأثير اللوبي الصهيوني على السياسة الخارجية الأمريكية وبالأخص فيما يتعلق بـ"الشرق الأوسط"، وسنقوم قريبا بترجمة هذا المقال إن شاء الله.

 

3 – تحدث الكاتب الأميركي ستيفن سينغوسكي عن المحافظين الجدد داخل الإدارة الأميركية وكيف انشقوا عن الديمقراطيين في ستينات وسبعينات القرن الماضي وجعلوا من الدفاع عن (إسرائيل) مبدأ أساسياً وهدفاً محورياً في سياستهم. (وثيقة أمريكية: خطة غزو العراق ولدت في (إسرائيل)" "الهيئة. نت" 5/11/2006)

 

4 – بحث مقدم من قبل أستاذان أمريكيان يوضح ما ذكرناه أعلاه إضافة إلى شرحه لدور اللوبي الصهيوني الأمريكي بغزو العراق، نقتطف منه بعض الفقرات.

- يشبه الباحثان آلية الدعم الأمريكي (الإسرائيلي) بالكلب و(إسرائيل) بذيل الكلب وهنا يستغرب الباحثان كيف أن الذيل يتحكم بالكلب والمنطق أن يتحكم الكلب بذيله، وهذا يؤكد بأن الكيان الصهيوني هو الذي ينحكم بأمريكا وليس العكس..

ويضيفان: لو كان تأثير اللوبي محصوراً على مساعدات الولايات المتحدة الأمريكية الاقتصادية (لإسرائيل)، فإن تأثيره ربما يكون ليس بالأهمية بمكان، المساعدات الخارجية مجدية لأمريكا، ولكنها لن تكون مفيدة عندما تصل إلى حد تسخير إمكانيات الولايات المتحدة الضخمة والأقوى في العالم لتتصرف نيابة عن (دولة إسرائيل) وتساوي المصلحة (الإسرائيلية) بالمصلحة الأمريكية بل وأكثر لتصبح في هذا الصراع ضد المصالح الأمريكية وبناء عليه فإن اللوبي يسعى أيضاً إلى تشكيل ورسم لب عناصر سياسة الولايات المتحدة في "الشرق الأوسط".

- إن (إسرائيل) الدولة الوحيدة التي تجسست بقسوة على الولايات المتحدة الأمريكية ولكن رغبتها هذه في التجسس على راعيها وحاضنها تشكل شكاً آخراً في قيمتها الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية.

وبالرغم من الاختلافات في أوساط اليهود الأمريكيين فإن المعتدلين والمتطرفين منهم كلاهما يدعمان ويعملان باتجاه توفير الدعم الأمريكي (لإسرائيل) وبقائه على ثباته واستمراريته.

- ويؤكد الباحثان: ليس بغريب أن قادة اليهود الأمريكيين يتشاورون مع المسؤولين في الحكومة (الإسرائيلية) من أجل أن يدعم النظام الرسمي أعمالهم في التأثير على السياسة الخارجية الأمريكية حيث أن أحد أكثر النشطاء في منظمة يهودية باللوبي كتب "إنه بالنسبة لنا روتين أن نقول هذه سياستنا في قضية محددة، ولكننا يجب أن نستطلع بماذا يفكر (الإسرائيليون) نحن كجماعة نقوم بهذا كل الوقت".

- إن اللوبي الصهيوني يضم إليه المسيحيين والبروتستانت البارزين مثل جري بوير، جري فالولف، رالف ريد، وبات روبرستون كما يضم أيضاً ديك أرمي وتوم ديلي الذين في معظمهم أعضاء سابقين وممثلين عن الولايات المتحدة وأنهم يعتقدون بأن إعادة ولادة (إسرائيل) جزء من النبوءة الكتابية الإنجيلية.

ويصرون على ضرورة دعم توسعاتها أي (دولة إسرائيل) ويعتقدون بأن الضغط على (إسرائيل) مناوئٌ لمشيئة الرب وبالإضافة إلى ذلك فإن أعضاء اللوبي يضمون المسيحيين المحافظين أمثال جون بولتون ومحرر جريدة "وول ستريت" روبرت بارتلي ووليم بنت، والسفير في الأمم المتحدة جين كريك باتريك وجورج ويل.

- من أسباب نجاح اللوبي مع الكونغرس، هو أن بعض مفاتيح القرار فيه من المسيحيين الصهاينة ينتمون إلى (المسيحية الصهيونية) مثل ديك أرمي الذي قال في سبتمبر 2002م، "إن أولوياتي الأولى في السياسة الخارجية الأمريكية هي حماية (إسرائيل)"، ربما يفكر أي واحد منا أن تكون الأولوية الأولى لمسؤول أمريكي هي حماية أمريكا، ولكن هذا لم يقله أرمي، وأن هنالك عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي يعملون على جعل السياسة الخارجية الأمريكية تصب في المصالح (الإسرائيلية)، وحول تأثير إيباك وسيطرتها على السياسة الأمريكية، يذكر الكاتبان: "إن تأثير لجنة (AIPAC) على الكونغرس يذهب إلى الأبعد في الأهداف بأقصى الإمكانيات".

واستناداً إلى دوغلاس بلومفيلد عضو سابق في المنظمة ومن أعضاء كادرها قال "بشكل عام وعلى العموم فإن أعضاء الكونغرس الأمريكي وموظفيهم يقومون بالرجوع إلى لجنة (AIPAC) أولاً عندما يريدون الحصول على معلومات، قبل الرجوع إلى مكتبة الكونغرس (خدمة أبحاث الكونغرس) بلجانها وأعضائها العاملين والخبراء والإداريين". (ترجمة للبحث الذي أجراه كلٌّ من الأستاذ / جون ج . ميرشمير، قسم العلوم السياسية في "جامعة شيكاغو" والأستاذ / ستيفين م. والت. "كلية جون ف. كنيدي الحكومية، "جامعة هارفرد": بعنوان "اللوبي (الإسرائيلي) والسياسة الخارجية للولايات المتحدة" في آذار مارس 2006م. ترجمة: أحمد إبراهيم الحاج "شبكة البصرة" 26/4/2006)

- وللتدليل على قوة سيطرة اللوبي الصهيوني نرى أن نذكر بأن هذان الباحثان، تعرضا للعقاب من قبل الجامعات والمؤسسات التي يعملون بها، فبعد أن قررت الهيئتان الأكاديميتان الأميركيتان اللتان يعملان فيهما واللتان أشرفتا على الدراسة، وقد تم رفع اسميهما وشعاريهما من مقدمة وغلاف الدراسة التي أثارت لغطاً وجدلاً حادين في واشنطن وتعرضت لحملة شعواء من أنصار ومؤيدي (إسرائيل) في الولايات المتحدة وتبرأتا منها تماماً.

وقد أجبر هذان الأكاديميان الأميركيان على الاستقالة من منصبيهما تحت ضغط اتهامهما زوراً وبهتاناً بـ"معاداة السامية" استناداً إلى "قانون مراقبة انتقاد اليهود العالمي" الذي أقره الكونغرس الأميركي وتبنت تطبيقه وزارة الخارجية في أواخر عام 2004. (محمود كعوش: "سطوة الصهيونية على الإدارة الأميركية"، 2/5/2006)

 

3 – في مقال للكاتب المعروف روبرت فيسك بعنوان "الولايات المتحدة (الإسرائيلية)" في صحيفة "الأندبندنت"، وقد وضع على غلاف العدد من الصحيفة، الذي نشر فيه المقال، علم كبير للولايات المتحدة لكن بدلاً من نجومه البيضاء الخمسين هناك خمسين "نجمة داود"، يستعرض فيسك في مقاله عددا من الوقائع التي تتدلل مدى ما تتمتع به المجموعات الموالية (لإسرائيل) في الولايات المتحدة من نفوذ.

ويستشهد فيسك بواقعة إلغاء مسرحية "اسمي راشيل كوري" من مسارح نيويورك استجابة لضغوط مورست من قبل جماعات الضغط الموالية "للدولة العبرية"، وذلك لأن المسرحية تتعرض لواقعة قتل جرافة "إسرائيلية" لناشطة السلام الأمريكية راشيل كوري أثناء محاولتها إيقاف الجرافة من هدم أحد المنازل الفلسطينية عام 2003.

وتعليقا على هذه الحادثة يقتبس فيسك فقرة من مقال لفيليب ويس نشر في مجلة "ذا نيشن" يقول فيه: "كيف يمكن للغرب أن يدين العالم الإسلامي لعدم تقبله الرسوم الكارتونية (المسيئة للرسول) وهناك كاتب غربي قد أسكت لتحدثه بالنيابة عن الفلسطينيين؟ ولماذا يمكن (لإسرائيل) وأوروبا أن يتناقشا بشكل صحي أكثر حول حقوق الفلسطينيين الإنسانية بينما لا نستطيع نحن ذلك هنا (في الولايات المتحدة)؟ ("شبكة البصرة" 28/4/2006)

 

4 - ولسيطرة الصهاينة على رجال الحكم في أمريكا فإن أغلب إن لم نقل كافة هؤلاء الحكام مضطرين لحضور ومباركة كافة الاحتفالات الصهيونية في الولايات المتحدة، نذكر على سبيل المثال ما ذكرته صحيفة "هآأرتس" "العبرية" عن أن الرئيس الأمريكي جورج بوش سيكون على رأس المشاركين في الاحتفالات اليهودية بالذكرى المائة لتأسيس اللجنة اليهودية الأمريكية.

كما كشفت الصحيفة الصهيونية أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، كوفي أنان، شاركوا في افتتاح الاحتفالات بمناقشات موسعة حول مستقبل الشعب اليهودي في العالم! (بوش وميركل وأنان يبحثون مستقبل الشعب اليهودي في العالم! "مفكرة الإسلام" 6/5/2006)

وهكذا نرى أن الصهاينة لا يسيطرون على قادة الولايات المتحدة فحسب بل حتى على مسئولي ما يطلق عليها منظمة الأمم المتحدة.

 

ثانيا – غزو العراق واللوبي الصهيوني:

حسب قناعتنا، إن غزو العراق لم يكن للأسباب المفتعلة مثل: "أسلحة الدمار الشامل" أو "علاقة النظام الحاكم في العراق بتنظيم القاعدة،" والتي ظهر كذب هذه الادعاءات بشكل جلي وواضح فيما بعد، كما أن الغزو لم يتم "لنشر الديمقراطية" أو محاربة ما يطلقون عليه الإرهاب، أو إحكام سيطرة الولايات المتحدة على المنطقة وبالنتيجة على العالم.

مؤكدين كذلك بأن النفط لم يكن الدافع الرئيس للغزو كما قال مؤخراً رئيس "مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي" السابق آلان غرينسبان الذي ذكر بأن الحرب على العراق: "تتعلق بالنفط بصفة رئيسية"، كما أكد في مقابلة مع صحيفة "ذي غارديان" البريطانية: "إن غزو العراق كان يهدف إلى حماية احتياطي النفط في الشرق الأوسط وإن قضية أسلحة الدمار الشامل كانت ذريعة واهية".

وكرر غرينسبان في كتابه الجديد "عصر الاضطراب.. مغامرات في عالم جديد" ما ذكره كثير من المنتقدين بأن إحدى القوى الدافعة الرئيسية للحرب هي ضمان استمرار حصول الولايات المتحدة على إمدادات النفط الضخمة من العراق.

وكتب غرينسبان "أيا كان ما ذكروه علنا عن مخاوفهم من أسلحة دمار شامل في حوزة صدام حسين فقد كان القلق يساور السلطات الأميركية والبريطانية أيضا من العنف في منطقة بها مورد لا غنى عنه لعمل الاقتصاد العالمي".

وأضاف غرينسبان الذي ظل على مدى عقود من أكثر الأصوات الأميركية تمتعا بالاحترام في السياسات المالية قائلا: "يحزنني أنه من غير المناسب سياسيا الإقرار بما يعرفه الجميع (..) حرب العراق تتعلق بالنفط إلى حد بعيد".

("غرينسبان: حرب العراق كان دافعها النفط". "الجزيرة. نت" 17/9/2007)، و(واشنطن – من توماس فيرارو: "غيتس يرفض تصريحات رئيس الاحتياطي الأميركي السابق ويرى أن حرب العراق مبعثها تحقيق الاستقرار في الخليج" "ميدل ايست اونلاين" 17/9/2007)

وهذا الطرح تم رفضه من قبل وزير الدفاع الأمريكي الذي ادعى بأن الصراع تحركه الحاجة إلى تحقيق الاستقرار في الخليج والقضاء على القوى المعادية.

وقال غيتس لشبكة (أي بي سي) التلفزيونية الأميركية "أكن الكثير من الاحترام للسيد غرينسبان" لكنني أختلف معه في قوله إن النفط دافع رئيسي للحرب".

وأكد غيتس: "لم أكن هنا أثناء عملية صنع القرار الذي دفع لشن الحرب"، لكنه أضاف: "أعلم أن نفس الزعم سيق حرب الخليج عام 1991 وأنا لا أعتقد أنه صحيح".

واستطرد: "أعتقد أن الأمر يتعلق حقا بالاستقرار في الخليج، يتعلق بنظم "دول مارقة" تحاول تطوير أسلحة دمار شامل، يتعلق بحكام طغاة عدوانيين". (واشنطن – من توماس فيرارو: غيتس يرفض تصريحات.. مشار له)

وحسب قناعتنا بأن جميع ما ذكر من أهداف للغزو هي دوافع ثانوية، وإن الغاية الأساسية لغزو العراق هي حماية أمن الكيان الصهيوني وتحقيق طموحاته.

وفي هذا المجال ودون تعداد أسباب الحقد الذي يحمله الصهاينة على العراق والتي نذكر منها بشكل خاص مساهمة العراق وبفاعلية بكافة الحروب التي قامت ضد الكيان الصهيوني والدعم الذي كان يقدمه العراق للمقاومة الفلسطينية. (هناك كتاب يستحق القراءة حول هذا الموضوع: جون ك. كولي: "تواطؤ ضد بابل، أطماع الولايات المتحدة و(إسرائيل) في العراق" ترجمة: أنطوان باسيل، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت 2006، وبالأخص الصفحات 174 وما بعدها)

ولا يفوتنا هنا أن نذكر المساهمة الفاعلة لقواتنا العسكرية الشجاعة في حرب تشرين 1973، فقد ذكرت إذاعة لندن يوم 1973/10/20 نقلاً عن أحد المعلقين العسكريين لصحيفة "تايمس" اللندنية ما يلي (إن إحدى المفاجآت الكبرى في حرب "الشرق الأوسط" هي استطاعة العراق تحشيد فرقة مدرعة عبر مسافة ألف كيلومتر وزجها في المعركة مما قلب خطط "الإسرائيليين" ومنعهم من تحقيق كل أهدافهم في هذه الجبهة).

وأكد هذا التحليل المعلق العسكري "الإسرائيلي" (زئيف شيف) عندما قال، في صحيفة "هاارتس" "الإسرائيلية" يوم 1973/10/29: (لقد شكل اشتراك القوات العراقية في الحرب من جهة الشرق مفاجأة للقيادة العسكرية "الإسرائيلية" التي لم تكن تعرف ميدانياً قدرة القوات العراقية إلا من خلال ما ذكر في مصادر المعلومات العلنية عن كفاءتها العسكرية.. إن هذه المفاجأة العراقية التي أجبرت القوات العسكرية الإسرائيلية على فرز قوات كبيرة لمواجهة القوات العراقية احدث تحولا في مسيرة الحرب وأبعد دمشق عن مطارق المدفعية "الإسرائيلية"، (عبد الوهاب محمد الجبوري: مذكرات ضابط عراقي شارك في حرب تشرين 1973، 7/10/2007)

وأحد أسباب الحقد هذه، للانتقام من النظام الوطني العراقي الذي أطلق (39) صاروخاً، على الكيان الصهيوني، إبان العدوان الثلاثيني الغادر عام 1991، ودليلنا على ذلك ما أعلنه شيمون بيريز عام 1993 خلال زيارته للمغرب وفي مؤتمر صحفي عندما قال: "أن العراق سيدفع الثمن غالياً". (د. فؤاد الحاج: "مشروع الشرق الأوسط الكبير" ومخاطر تقسيم العراق.

ولذا فإن الكيان الصهيوني قدم كافة الدعم للنظام الصفوي في إيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية . وفي هذا المجال نذكر قول المجرم شارون، في نيسان (ابريل) 1984، "من المؤكد أن خميني واحد من أعدى أعداء (إسرائيل) حقيقة: إنه يريد القضاء علينا، ولكن بما أن هناك حربا قائمة على شط العرب فإنه ليس بوسعنا أن ينتصر العراق، فالعراق أيضا عدو لدود (لدولة إسرائيل)، والعراق أقرب لأراضينا من إيران، فإذا انتصر العراق فسوف يحدث شيء آخر ليس في صالحنا، فسوف يقوم السوفييت بمساعدة الإيرانيين، وهذا ما تخشاه الولايات المتحدة، لأن هذا سوف يعني أن موسكو ستعود مرة أخرى إلى منطقة الخليج العربي." (جرهارد كونسلمان: "سطوع نجم الشيعة" ترجمة: محمد أبو رحمة، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2004، صفحة 218)

من المؤكد بأن أقوال شارون فيها الكثير من المغالطات نذكر منها:

- إن شارون يعلم جيداً بأن نظام خميني لا يمكن أن يفكر نهائياً بمحاربة الكيان الصهيوني، وهو ليس عدواً لهذا الكيان.

- حاول اللعب على الولايات المتحدة لتقوم بدعم مبادرته بتزويد إيران بالأسلحة والمعدات، وذلك بادعاء احتمال تدخل السوفييت.

كما أن المجرم شارون، والذي كان يشغل منصب وزير التجارة والصناعة في الكيان الصهيوني، صرح في حديث إذاعي في شهر أيلول (سبتمبر) عام 1987: "إن تعاظم قوة الجيش العراقي في السنوات الأخيرة نتيجة الحرب العراقية - الإيرانية المستمرة منذ سبع سنوات خلقت وضعاً يعتبر فيه العراق أخطر أعداء إسرائيل"!!.

وإن نفس المجرم قد ذكر في "الملحق السياسي" الصادر عن صحيفة "معاريف" بتاريخ 28/11/1986: "تتسم حرب الخليج بين العراق وإيران بعوامل أساسية، فهي ترتبط مباشرة بأمننا القومي، وكنت قد فسرت هذه العوامل لمسئولي الإدارة الأمريكية منذ أيار (مايو) 1982، ولم يتقبلوا تفسيراتي آنذاك.

لكن معطيات جديدة أضيفت إلى الوضع خلال السنوات الأخيرة، لقد تطلعت باهتمام رائد إلى منطقة "الخليج الفارسي" وما يدور بها، فقد أثبت المفاعل النووي العراقي، الذي يجسد أكبر خطر حام فوق اليهود في أرض " إسرائيل " منذ الأزل، (...) لقد ازدادت عظمة وقوة الجيش العراقي وقدراته بنسب مذهلة، الأمر الذي يهمنا بالذات، لأنها تمثل ما يحتاجه في حربه ضد " إسرائيل "، إنه يملك الآن أربعين وحدة، أي أكثر من عدد الوحدات التي تتشكل منها جيوش سورية ومصر والأردن مجتمعة، كما كدس تجارب وخبرات واسعة، دون منازع في المنطقة، على صعيد تشكيل وتشغيل وصيانة قوات عديدة وأجهزة عسكرية حديثة وهائلة، وحتى لو قام بتجهيز ثلث هذه القوة فقط، والتي تساوي عدد الوحدات السورية والأردنية الصالحة للعمل، فإن هذا الأمر يعني مضاعفة قدرات تهديد الجبهة الشرقية".!

وتابع يقول: "بالإضافة إلى ذلك فإن العراق مجاور للأردن وسورية، وبإمكانه تقديم ونشر قواته على هذه الحدود، أي على مقربة من "إسرائيل"، وفي الوقت نفسه يتمتع جيشه بخبرات واسعة ومتواصلة نتيجة كافة الحروب السابقة ضدنا، التي شارك بها إلى جانب جيوش سورية والأردن"!!.

وحول الدور الصهيوني في العراق ما قبل الغزو والاحتلال نشير إلى ما ذكره "أوري ساغيه" أيضاً، "مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة ستحدد وظائف للنظام الجديد في العراق بعد صدام حسين، وبكل تأكيد أنها حددت هذه الوظائف بالتنسيق والتشاور مع "إسرائيل" وليس بمعزل عنها". (د. فؤاد الحاج: "مشروع الشرق الأوسط الكبير".. مشار له)

ولكن أزلام الإدارة الأمريكية، وجميعهم من الصهاينة، لم يريدوا أو بالأحرى لم يستطيعوا التصريح بأنهم وراء غزو العراق علنا، ولذا قاموا باختراع الأهداف المذكورة أعلاه لغرض خداع الشعب الأمريكي وبقية شعوب العالم.

ورغم التأييد الكبير الذي حصلت عليه عملية الغزو من قبل الشعب الأمريكي، الذي تلعب به وسائل الإعلام الصهيونية، فإن الغالبية العظمى من شعوب العالم لم تقتنع بأن الغرض الرئيس للغزو هو القضاء على أسلحة الدمار الشامل أو علاقة السلطات العراقية بـ"تنظيم القاعدة" أو بتفجيرات 11 أيلول (سبتمبر).

وبدل التوسع بهذا الموضوع سنقوم بتقديم ما يؤكد طرحنا من خلال بعض الفقرات التالية:

1 – يذكر أحد الكتاب حادثة مهمة تدل على أن الصهاينة استطاعوا إقناع الكثير من رجال السياسة، حتى خارج أمريكا، بضرورة غزو العراق، يقول الكاتب: "وأذكر في هذا السياق أنني سمعت أول تهديد بالقضاء علي صدام حسين وعلى العراق كقوة تهدد (إسرائيل)، من وزير ألماني عام 1990، فبعد تحقيق الوحدة الألمانية تلقيت دعوة مع مجموعة من الزملاء الصحفيين لزيارة ألمانيا الموحدة، وفي لقائنا مع وزير الخارجية.. قال الرجل: "إننا نعد لمرحلة ما بعد صدام حسين في علاقاتنا مع العرب وسياستنا تجاه المنطقة العربية.. حاول المترجم أن يختزل الكلام الذي صرح به الوزير ولكنني وبسبب معرفتي للغة الألمانية استوقفته لأتأكد مما قاله.. واستطرد الوزير قائلا: "صدام حسين لديه مدافع عملاقة تهدد أمن (إسرائيل) لذلك فالقضاء عليه أمر ضروري." (د. لطفي ناصف: "العرب.. وقرار الكونغرس لتقسيم العراق"، "الجمهورية" مصر، 6/10/07)

 

2 - أكد الكاتب الأميركي ستيفن سينغوسكي في وثيقة تحليلية استند فيها إلى مواقف وأفكار دبلوماسيين ومحللين سياسيين أميركيين و(إسرائيليين): أن "المحرك الرئيسي للحرب الأميركية على العراق هو حماية (إسرائيل)".

وتحدث سنيغوسكي عن الدوافع التي تجعل دولة عظمى تخوض حربا من أجل حماية (دولة) لا يكاد يكون لها وزن على الخارطة، وينقل سنيغوسكي عن المؤرخ والديبلوماسي الأميركي بول شرودر قوله إن الدافع الخفي للسياسة الأميركية التي قادت إلى غزو العراق هو أمن "إسرائيل".

ويضيف شرودر: "إذا كان أمن (إسرائيل) هو الهدف الحقيقي لهذه الحرب فإن ذلك يمثّل أمرا فريدا في التاريخ فالمعروف أن القوى الكبرى تعمل على تحريض القوى الصغرى وإثارة الخلافات بينها حتى تتأجّج نار الحرب بشكل يحقّق المصالح العليا لتلك القوى، ولكن يبدو أن هذا هو المثال الأول في التاريخ حيث تخوض قوة عظمى حربا بالوكالة عن (دولة صغيرة)"؟!!.

وحسب سينغوسكي فإنه لاكتشاف دوافع الحرب الأميركية على العراق لا بد من السؤال التالي: كيف قادت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 إلى التخطيط لهذه الحرب على العراق رغم انعدام أي دليل على تورط العراق فيها؟!!

ويمضي الكاتب الأميركي قائلاً: إنه منذ اليوم الأول لتلك الهجمات سعى المحافظون الجدد وخاصة أولئك الذين ينحدرون من أصل يهودي (اليهودية دين وليس جنس لقوم) أو المحسوبين على الفكر الصهيوني اليميني إلى الركوب على الأحداث واتخاذ الهجمات ذريعة لإعلان حرب واسعة النطاق على ما أسماه (الإرهاب الإسلامي) حيث تمثل الدول المستهدفة في هذه الحرب أعداء "إسرائيل".

وأشار الكاتب إلى أنه حتى قبل أحداث 11 أيلول 2001 دافع المحافظون الجدد علنا عن فكرة شن حرب على العراق، وإنما كانوا ينتظرون ذريعة لإعلانها!!.

وأشار كريستيان في مقاله ذاك إلى أن: عدداً كبيراً من المحللين (الإسرائيليين) باتوا على قناعة بهذه الفرضية حيث كتب المعلّق (الإسرائيلي) آكيفا إيلدر مؤخراً في صحيفة "هآرتس": أن "ريتشارد بيرل ودوغلاس فيث وأصدقاءهم (الإسرائيليين) خلقوا توازنا في أدائهم بين التزاماتهم تجاه الحكومات الأميركية والمصالح (الإسرائيلية)".

وتحدث الكاتب عن "حرب الخليج" عام 1991 مشيراً إلى: أن الصقور المؤيدين للحرب من المحافظين الجدد مثل بيرلو فرنك غافني وويليام سافيرو روزنتال كانوا يؤيدون فكرة أن الهدف من الحملة العسكرية آنذاك ليس إجبار العراق على الخروج من الكويت فحسب، وإنما أيضا تدمير القدرة العسكرية العراقية وتحديداً قدرته على تطوير الأسلحة النووية، وهو ما أيدته إدارة بوش الأب.

وأشار الكاتب إلى: أن تلك الإدارة خيبت آمال المحافظين الجدد آنذاك بإبقائها على صدام في الحكم، بل إنها دخلت في صراع مع الأهداف المعلنة للمحافظين الجدد حيث عمل وزير الخارجية الأميركي آنذاك جيمس بيكر في إطار الرؤية الأميركية "للنظام العالمي الجديد" على عرض مبادرة للحد من السيطرة (الإسرائيلية) على الأراضي الفلسطينية المحتلة والتقليص من الاستيطان، وهو شرط لدفع 10 مليارات دولار من الإدارة الأميركية لـ"إسرائيل" لتشجيع المهاجرين الجدد إليها خاصة من الاتحاد السوفيتي السابق.

وأشار سنيغوسكي إلى: "أن هذه السياسة تسببت في فقدان ثقة المحافظين الجدد وإلى خسارة بوش الأب في الانتخابات الرئاسية عام 1992 التي كسبها بيل كلينتون"!!. (وثيقة أمريكية: خطة غزو العراق ولدت في (إسرائيل).. مشار له)

 

3 - قبل ظهور مشروع "القرن الأمريكي الجديد" بسنة تقريباً، قدم ريتشارد بيرل (8/7/1996) إلى بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء "الإسرائيلي" آنذاك، وثيقة مكتوبة لرسم سياسة خارجية "إسرائيلية" جديدة، تدعو إلى رفض "اتفاقيات أوسلو"، ومفهوم "الأرض مقابل السلام"، وتدعو إلى ضم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى "إسرائيل" بصورة دائمة.

وتدعو الوثيقة إلى القضاء على نظام صدام حسين كخطوة أولى تسبق التخلص من نظم الحكم القائمة في كل من سوريا ولبنان والسعودية وإيران، وكانت الوثيقة معدة أساساً "لمعهد الدراسات الإستراتيجية والسياسية المتقدمة" بفرعيه في كل من واشنطن و"إسرائيل"، أما "بيرل" فقد تولى منصب رئيس هيئة السياسات الدفاعية في وزارة الدفاع الأمريكية أثناء حكم بوش فيما بعد.

اعترض جورج دبليو بوش، في بداية حكمه، على مشروع "بناء الأمة"، ولكن ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي، قبل أحداث 11 أيلول (سبتمبر) زرع في إدارة بوش ثمانية من رفاقه من المحافظين الجدد: رامسفيلد، وولفويتز، آبرامز، ليبي، بولتون، بيرل، فيث، ورمسر، وقد دافع هؤلاء عن سياسة “ تغيير النظام ” في بغداد وإعادة بناء العراق. واستغل تشيني والمحافظون الجدد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) لإقناع بوش بالتخلي عن مبادئه المحافظة التي كان يعتنقها عندما انتخب لأول مرة.

وبعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) بلحظات، أعلنت حكومة شارون أن صدام حسين قد أمر بهذه الهجمات، ودعت إلى رد انتقامي ضخم ضد بغداد، هذا بالإضافة إلى الجهود المحمومة التي قام بها بول وولفويتز وريتشارد بيرل لدفع بوش لشن الحرب على العراق، ومعهما أحمد الجلبي الذي باع العراق لأمريكا، وباع أمريكا لإيران. (محمد جلال عناية: "بوش والمصيدة "الإسرائيلية" في العراق" "شبكة البصرة" 25/4/2006)

 

4 - نقتطف هنا بعض الفقرات من البحث المذكور سابقاً. (ترجمة للبحث الذي أجراه كلٌّ من الأستاذ / جون ج. ميرشمير.. مشار له)

- إن الضغط من جانب (إسرائيل) واللوبي (الإسرائيلي) في أمريكا لم يكن السبب الوحيد وراء قرار مهاجمة العراق في مارس 2003م ولكنه كان عنصراً مهماً.

إن بعض الأمريكيون اعتقدوا بأن الحرب من أجل النفط ولكن لم يكن هنالك مؤشر قوي لهذا الدافع بدلاً من ذلك فإن التحريض على الحرب كان جزئياً وحافزاً معتبراً وهو تحقيق الأمن (لإسرائيل) وجعلها أكثر أماناً.

- استناداً إلى فيليب زيلو أحد أعضاء المجلس الاستشاري للرئيس لشؤون الخارجية (من 2001-2003) وعضو تنفيذي في لجنة 11 أيلول (سبتمبر)، وهو الآن مستشار لسكرتيرة الإدارة الأمريكية كوندوليزارايس، الذي قال في ندوة في "جامعة فرجينيا" في أيلول (سبتمبر) 2002: "إن التهديد الحقيقي للعراق لم يكن موجهاً ضد الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة إن التهديد المبطن وغير المعلن عنه هو التهديد (لإسرائيل)".

وفي 16 آب (أغسطس) 2002، وقبل 11 يوماً من إطلاق حملة نائب الرئيس ديك تشيني للحرب في حديثة الطويل للمحاربين القدامى في الحروب الخارجية، ذكرت "واشنطن بوست": إن "(إسرائيل) تحض المسؤولين الأمريكيين على عدم تأخير شن الحرب والضربة العسكرية ضد نظام صدام حسين واستناداً إلى إستراتيجية شارون فقد وصل التنسيق الأمريكي (الإسرائيلي) إلى أبعاد جديدة، وأن مسؤولي الاستخبارات (الإسرائيلية) قاموا بتزويد واشنطن بعدة تحذيرات وتقارير معلوماتية عن برنامج أسلحة الدمار الشامل العراقية".

واستناداً إلى جنرال (إسرائيلي) متقاعد الذي أكد للصحيفة: "إن المخابرات (الإسرائيلية) كانت شريكاً كاملاً في أعطاء صورة واضحة للمخابرات الأمريكية والبريطانية عن أسلحة العراق غير التقليدية وقدراته التدميرية، ولقد امتعض القادة (الإسرائيليون) بشدة عندما كرر الرئيس بوش الرجوع إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار تفويض شن الحرب على العراق في شهر أيلول (سبتمبر)".

- وفي أيلول (سبتمبر) 2002 صرح شمعون بيرس وزير خارجية الكيان الصهيوني للصحفيين: "إن الحملة ضد صدام حسين واجب، التفتيش والمفتشين فكرة جيدة على جماعة مهذبة ولكن الجماعة غير الأمينة والكاذبة تستطيع التغلب بسهولة على عملية التفتيش وعلى المفتشين".

وفي نفس الوقت كتب رئيس الوزراء السابق "ايهود باراك" في "نيويورك تايمز" محذراً: "إن الخطر الأكبر يكمن في عدم اتخاذ إجراء"، وعقَب سلفه السابق "بنيامين نيتنياهو" في مقالة منشورة في صحيفة "الجورنال ستريت" عن "حالة إسقاط نظام حكم صدام" مصرحاً: "في هذه الأيام ليس هنالك شيئا أقل أهمية من إسقاط هذا النظام"، وأضاف قائلاً "أنا على يقين كما قلت للأغلبية الساحقة من (الإسرائيليين) يجب أن ندعم ضربة وقائية ضد نظام صدام حسين الخطير".

أو كما كتبت صحيفة "هاارتس" في شباط (فبراير) 2003: "إن القيادة السياسية والعسكرية (الإسرائيلية) تتوق إلى شن الحرب على العراق".

ولكن كما اقترح نتنياهو، إن الرغبة في الحرب لم تقتصر على القادة (الإسرائيليين)، وفي معزل عن الكويت التي احتلها صدام حسين عام 1990، كانت (إسرائيل) هي القطر الوحيد في العالم والتي عبر قادتها السياسيين وجماهيرها عن رغبتهم في إشعال هذه الحرب.

- وبدون جهود اللوبي، فإن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تكون بعيدة قليلاً عن الذهاب للحرب، في آذار (مارس) 2003م لغزو العراق.

 

5 - إن الاحتلال الأمريكي للعراق تم بناءاً على تحريض (إسرائيلي) ودور كبير للوبي اليهودي في أمريكا ("المخطط الإسرائيلي لتفتيت العراق". "الجزيرة. نت"، عن "الألمانية" 13/11/2006)

 

6 - نشرت جريدة "الوطن" السعودية تقريراً هاماً عن دور الكيان الصهيوني في أكذوبة أسلحة الدمار الشامل العراقية نقتطف منه: "وفق مركز "جافي" (الإسرائيلي) التابع لجامعة تل أبيب فإن: تل أبيب وتشيني وبلير اخترعوا صورة استخباراتية كاذبة عن أسلحة الدمار العراقية".

وقد أكد التقرير الصادر عن هذا المركز: أن (إسرائيل) كانت "شريكا كاملاً" مع نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير في اختراع صورة استخباراتية كاذبة لأسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق. وقال التقرير الذي نشرته صحيفة "EIR" الأمريكية إن حملة تشويه المعلومات قامت بها الحكومات الثلاث بتنسيق تام لتبرير غزو العراق".

وقال كاتب التقرير الجنرال الاحتياط "شلومر برون" لـ"BBC" في 4 كانون الأول (ديسمبر): "إن (إسرائيل) لم تكن فقط "شريكا" كاملاً، في تطوير صورة مزيفة، ولكنها أيضاً عززت في قناعة الأمريكيين والبريطانيين بأن الأسلحة كانت موجودة".!

ومع أن التقرير لا يسمي أي شخص أو يعطي أي تفاصيل عن كيفية عمل هذه "الشراكة" فقد كان المرشح الرئاسي ليندون لاروش في مقدمة من فضحوا دور ديك تشيني والمحافظين الجدد الذين نشرهم في إدارة بوش، والعديد من هؤلاء النشطاء بما في ذلك نائب وزير الدفاع لشؤون السياسة دوج فيث، وريتشارد بيرل من مجلس دفاع رونالد رامسفيلد الذين لعبوا دورا رئيسيا في حملة تشويه المعلومات خلال فترة التعبئة لغزو العراق، وهم معروفون أيضا بعلاقاتهم القوية مع اليمين (الإسرائيلي) ومتهمون بالولاء المزدوج.

وكانت EIR قد كشفت في 22 أغسطس 2003 أن مكتباً موازياً للمخططات الخاصة تم إنشاؤه بسرية في مكتب رئيس الوزراء (الإسرائيلي) أرييل شارون للتنسيق مع فريق البنتاغون السري المسؤول عن حملة تشويه المعلومات.

وكان ذلك المكتب تحت إشراف مدير مكتب شارون دوف فايثغلاس الذي كان صلة الوصل بين شارون وإدارة جورج بوش خاصة ديك تشيني.

وقال الصحفي "أوزي بينزمان" في مقال له في "هارتس" في 7 ديسمبر: "إن الجنرال أموس جلعاد هو أحد المسؤولين عن الفشل الاستخباراتي، فهو الرجل "الذي قدم خلال العقد الماضي تقديرات استخباراتية عسكرية حول التوجهات في السلطة الفلسطينية، وكان أيضا مسؤولاً بشكل كبير عن تشكيل التقديرات الاستخباراتية حول التطورات في العراق".

ويعتبر "أموس جلعاد" أحد غلاة المتشددين في وزارة الدفاع (الإسرائيلية)، وهو الذي أدلى بتصريحات عن احتمال قيام صدام حسين باستخدام أسلحة دمار شامل ضد (إسرائيل) مما أثار الرعب بين (الإسرائيليين) وأدى إلى توزيع أعداد ضخمة من أقنعة الغاز خلال المرحلة الأولى من الحرب على العراق".

وتبين التحقيقات الأولية أن جلعاد كان مسؤولاً عن هذه التقديرات الخاطئة، وعن إعطائها للولايات المتحدة في وقت مبكر ربما كان في 1997، وخاصة في 1998 عندما كانت إدارة كلينتون تخضع لمحاولات جرها لشن حرب على العراق. (حملة تشويه للمعلومات نسقتها أمريكا وبريطانيا و(إسرائيل) لتبرير غزو العراق. "المرشح للرئاسة الأمريكية ليندون لاروش يفضح دور نائب الرئيس في خداع الرأي العام". "واشنطن: الوطن" عن "التجديد العربي" 1/1/2004)

 

7 – لقد اتهم أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بمعاداة السامية لكونه أكد بأن غزو العراق تم لضمان أمن الكيان الصهيوني.

وقد وقف هذا الرجل البالغ من العمر 82 سنة الخميس الماضي في بهو قاعة مجلس الشيوخ ليدافع عن موقفه، وينتقد بلهجة قاسية اللجنة الأميركية – (الإسرائيلية) للشؤون العامة "إيباك" قائلاً: إن صانعي التشريع في الولايات المتحدة اتبعوا لسنوات طويلة سياسات وضعتها "إيباك"، وأضاف: "أنا لا أعتذر عما كتبته في مقال رأي وأطالب بأن يقدموا هم الاعتذار إليّ بسبب إشارتهم إلى أنني معادٍ للسامية".

وفي "مرافعته" أمام مجلس الشيوخ، أكد السناتور مجدداً أن حرب العراق شنت من أجل (إسرائيل)، وقال: "هذه ليست مؤامرة.. هذه سياسة وكل فرد يعرف هذه الحقيقة.. لأننا كنا نريد أن نحمي صديقتنا (إسرائيل)".

ورأى أن بوش جاء إلى البيت الأبيض وهمه واحد وهو أن يعاد انتخابه، وبالتالي "اعتقد الرئيس أنه بخفض الضرائب سيضمن مساندة الحشد التابع له، وبنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط من أجل حماية (إسرائيل) سيضمن سحب الصوت اليهودي من صفوف الديمقراطيين"، وفي معرض انتقاده لمستشاري الرئيس، حرص على القول إنه ينتقدهم ليس لأنهم يهود، بل لأنهم ضللوا الرئيس وأعطوه النصيحة الخاطئة.

وخلال انتقاده "ايباك"، لفت هولينغز إلى أن هذا اللوبي يقول لأعضاء الكونغرس ما عليهم أن يقروه من سياسات، كذلك انتقد الإدارة الأميركية وبوش، قائلاً: "إننا لم نعد الوسيط النزيه بين (إسرائيل) والفلسطينيين". واعتبر أن ما فعله الرئيس بوش أخيراً من إهمال لسياسة استمرت 35 سنة تتعلق بالتفاوض في شأن المستوطنات واللاجئين هو بمثابة القول: "انسوا كل هذا، ودعوا شارون يهدم بجرافاته".

ولاحظ مراقبون أن السناتور خرج عن صمته بعدما "فاض به الكيل"، ولكنه عكس رأي العديد من أعضاء الكونغرس، ورأوا أنه قال بجرأة وشجاعة ما أراد قوله لأنه لن يترشح لولاية ثانية. ("سناتور ديمقراطي يثير ضجة في أميركا: غزو العراق لضمان أمن إسرائيل". "موقع الأنباء الإخباري" 22/5/2004)

 

8 - وفي مقال للكاتب الصهيوني رامي طال في صحيفة "يديعوت" بتاريخ 10/12/2006، يبين فيه: "ترفض (اسرائيل) كل محاولة لإيجاد علاقة أو ربط بين الموضوع العراقي وبين الموضوع الشرق أوسطي" هكذا رد رئيس الوزراء على "تقرير بيكر - هملتون".

ويضيف: "حين قرر الرئيس بوش الخروج الى الحرب سنة 2003، هللت له (اسرائيل)، التي رأت في سقوط نظام صدام حسين انجاز استراتيجي مهم، ولا أحد هنا حاول الادعاء بأنه "لا علاقة له"، ولذلك، فأن ما يحدث الآن في العراق وبين ما يحاول اولمرت وصفه بـ "الموضوع الشرق – اوسطي"، أي النزاع العربي – (الاسرائيلي) يعتبر حقيقة أكيدة، لا يمكن (لاسرائيل) أن تغيرها. (صحيفة "اسرائيلية": إسقاط صدام حسين انجاز ستراتيجي مهم "لاسرائيل". "شبكة البصرة" 10/12/2006)

نعتقد بأن ما قدمناه يعتبر دليلاً كافياً على ما طرحناه في المقدمة ولذا نكتفي بهذا القدر.

 

الفصل الثاني: الطروحات الصهيونية المتعلقة بتقسيم العراق

قبل أن نقوم بعرض الطروحات المتعلقة بموضوع تقسيم العراق ودور الصهاينة، نرى من المفيد هنا أن نشير إلى ما قاله الأستاذ طارق عزيز عام 1982 لمراسل صحيفة "لوموند" الفرنسية حيث أكد أن: "خطة (إسرائيل)، منذ مدة طويلة، تجزئة الوطن العربي، إلى كيانات صغيرة، طائفية ومذهبية وعرقية، في سبيل أن تبقى (إسرائيل) هي المسيطرة الوحيدة على المنطقة وبالنسبة للعراق، تتضمن هذه الخطة، إلى تقسيمه إلى ثلاث دول: واحدة للأكراد وأخرى للعرب السنة وثالثة للشيعة في الجنوب."

ولتحقيق هذا الغرض فإن أكثر التفجيرات والسيارات المفخخة، التي تطال العراقيين الأبرياء أو المساجد والحسينيات والتي يراد منها خلق حرب أهلية، تقف وراءها المخابرات الصهيونية وسلطات الاحتلال وبعض كتائب الأحزاب الطائفية. (د. عبد الإله الراوي: ماذا... لو عاد صدام لحكم العراق..؟ "شبكة البصرة" 2/8/2005)، وطبعا بعد احتلال العراق فإن الكيان الصهيوني ومسانديه وجدوا في هذا الاحتلال فرصة ذهبية لتحقيق هدفهم هذا.

وللتأكيد على ما ذكرناه سنقوم بعرض بعض المشاريع والآراء المتعلقة برغبة الكيان الصهيوني والجهود التي بذلها ويبذلها الصهاينة لتقسيم العراق.

 

أولاً: الطروحات القديمة لتقسيم العراق

1 - يقول أحد الكتاب: "إن قرار مجلس الشيوخ الأمريكي غير الملزم هو عبارة عن نسخة طبق الأصل من قرار رئيس (اسرائيل) الأول (بن غوريون) بتقسيم العراق لثلاث مناطق عرقية ومذهبية". (سرمد عبد الكريم: أكراد الحزبين يريدون تفتيت وإنهاء العراق... الدعوة لفصل أكراد الحزبين عن العراق. "واع" 29/9/2007)، أي أن فكرة تفتيت العراق تعود إلى أيام زرع الكيان المسخ في قلب الوطن العربي.

 

2 - كذلك كتب "زييف شيف" - المراسل العسكري لصحيفة "هارتس" (الإسرائيلية): إن "أفضل" ما يمكن أن يحصل لصالح (إسرائيل) في العراق هو تفكيك العراق إلى ثلاثة أجزاء مع انفصال الجزء المتعلق بكردستان.. "هارتس" 6/2/1982. (هل بدأ تنفيذ الحلم الاستراتيجي الصهيوني.. مشار له)

 

3 - وبتاريخ 14/2/1982 قدمت خطة صهيونية لتفتيت العراق والمنطقة العربية كما سنعرضها في الفصل القادم، ونقدم هنا ما يتعلق بالعراق فقط، حسبما ذكره أحد الكتاب، الذي نقتطف فقرات منها:

– أن العراق لا يختلف عن جيرانه من الدول العربية، فرغم أن أكثريته من الشيعة، فالأقلية السنية كانت هي الحاكمة، وعليه فأن حوالي 65% من السكان لا نصيب لهم في السلطة التي كانت تمسك بها نخبة من الأقلية السنية، وعلاوة على ذلك توجد في الشمال أقلية كردية، ولولا قوة النظام الحاكم، وقوة الجيش وضخامة موارد النفط آنذاك، لأصبح مستقبل العراق القريب لا يختلف عن لبنان بعد الحرب الأهلية التي حصلت فيه عام 1975، فبذور التمزق الداخلي والحرب الأهلية في العراق واضحة للعيان اليوم أكثر من أي وقت مضى.

نشير هنا أن الخطة تقدم أرقام بعيدة عن الحقيقة، وهذه الأرقام التي روج لها عملاء الصهيونية قبيل الغزو، أخذ يتداولها للأسف أكثر الكتاب والباحثون سواء بغرض سيء أو بحسن نية.

ورغم رفضنا لأي أطروحات تؤدي إلى خلق التفرقة بين الشعب العراقي على أساس طائفي أو اثني، فقد سبق وأكدنا من خلال مصادر موثقة بأن الإحصاءات الدقيقة، وحتى تلك المقدمة من قبل مجموعة "دراسة بيكر – هاملتون"، تؤكد بأن السنة يشكلون 60- 62 % من الشعب العراقي، بينما الشيعة لا يشكلون سوى 38 – 40 % فقط، أي أن السنة العرب 42 – 44 %، والأكراد والتركمان 18 – 20 %، بينما الشيعة يشكلون فقط 38 – 40 %، العرب 36 – 38 % والشيعة الأكراد والتركمان 2-4 %". (الدكتور عبد الإله الراوي: صدام حسين.. تنفيذ الإعدام قبل أوانه"، "شبكة البصرة" 15/12/2007)

– إن العراق وهو دولة غنية بالنفط ولكنها ممزقة داخلياً، والعراق مرشح مضمون لتحقيق أهداف (إسرائيل) ويعتبر تقسيمه أكثر أهمية من تقسيم سورية، فالعراق أقوى من سورية، وعلى المدى القريب، فأن قوة العراق هي التي كانت ستشكل خطراً على (إسرائيل)، كما افترضت الخطة وقت نشرها في عام 1982 أن الحرب العراقية - الإيرانية كفيلة بأن تمزق العراق وتسبب انهياره الداخلي قبل أن يصبح قادراً على أن ينظم مقاومة واسعة ضدنا، وفي الحقيقة فان كل نوع من القلاقل الداخلية سيساعد (إسرائيل) مباشرة وستقصر الطريق نحو الهدف الأهم: (تقسيم العراق إلى طوائف) كما حدث في لبنان".

 

- " إن تقسيم العراق على أساس طائفي - عنصري كما كانت عليه سورية في العهد العثماني أمر واقعي وممكن، وعليه فأن ثلاث "أو أكثر" من الدويلات الطائفية العنصرية يمكن أن تقوم في العراق حول المدن الرئيسية الثلاثة (البصرة، بغداد، الموصل) وهذا يتم بفصل منطقة الجنوب الشيعية عن كل من منطقة السنة في الوسط ومنطقة الأكراد في الشمال، وبفصل الأخيرتين عن بعضهما، والحرب الأهلية التي سوف تجري في العراق كفيلة بأن تبلور هذا الواقع وتجعله ممكناً".

- تتضمن الخطة أيضا: "إقامة ثلاث دويلات فيه تكون عواصمها، البصرة - بغداد - الموصل" كما كان عليه الوضع أبان العهد العثماني، إنما هو أمر سهل وواقعي وممكن التحقق، وافترضوا أن الحرب العراقية - الإيرانية ستحقق هذا الهدف. (محمد حسن الجبوري: الفيدرالية خطة أمريكية (إسرائيلية) لتقسيم العراق والدول العربية إلى دويلات طائفية.. "شبكة البصرة" 12/9/2006)

 

4 - كما أن الكاتب (الإسرائيلي) "عوديد ينون" قال، في مطلع الثمانينيات: إن مصلحة (إسرائيل) تتطلب تقسيم العراق إلى ثلاثة دويلات كردية في الشمال وسنية في الوسط وشيعية في الجنوب، وان ذلك يتطلب دعم نظام خميني في حربه ضد العراق للتعجيل بتقسيمه. (صلاح المختار: "تقسيم السودان والعراق هو هدف مشترك لأمريكا وإيران و(إسرائيل)"، 17/1/2007)

 

5 - ومنذ عام 1983، مثلا، اقترح - المستشرق "برنارد لويس"، المعروف بمواقفه المعادية للعرب، تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات: دولة شيعية في الجنوب ودولة سنية في الوسط ودولة كردية في الشمال.

وبعد غزو العراق، أشار نفس الكاتب إلى أن: "العراق دولة مصطنعة، وأن احتلاله فرصة لتصحيح هذا الخطأ الذي ارتكبه البريطانيون، أي تفكيكه إلى عدة دويلات بحسب الطبيعة السكانية، وانتماءاتها الدينية والعرقية".

وذكر المؤرخ (الإسرائيلي) "بيني موريس" في لقاء مع إحدى المحطات الأمريكية قبيل الحرب على العراق قائلاً: "إن العراق دولة مصطنعة رسمها الانكليز وخلطوا فيها عشوائياً بين شعوب وطوائف لا تريد في الحقيقة أن تتعايش مع بعضها". (علاء الدين الأعرجي: "تقسيم العراق مؤامرة سقط فيها الكثير من العراقيين"، جريدة "القدس العربي" 28/12/2006)

 

6 - وإن "المحافظين الجدد" في الولايات المتحدة ومعظمهم من اليهود الذين يحملون الجنسيتين الأميركية و(الإسرائيلية)، والذين عملوا مستشارين لرئيس الوزراء (الإسرائيلي) الأسبق نتانياهو، هم الذين قدموا له في عام 1996 مشروعاً متكاملاً لضرب الوحدة الوطنية في العراق. أي قبل خمس سنوات من وقوع مأساة 11/9/2001 في نيويورك وواشنطن، وقبل سبع سنوات من الغزو الأميركي للعراق. (محمد السماك: مشروع تقسيم العراق... أين المفاجأة؟!. "الاتحاد" الإمارات 5/10/07)

 

ثانياً: الآراء والمقترحات لتقسيم العراق بعد الاحتلال

1 - قال هنري كيسنجر: "على الولايات المتحدة أن تغير سياستها هناك، وعليها أيضاً إهمال فكرة العراق الموحد: عراق كبير جداً، لدرجة عدم القدرة على السيطرة عليه، إذا كان بالإمكان تقسيم (إسرائيل) الصغيرة فما بالك بالعراق، هكذا بالإمكان السيطرة أسهل علي الدولة التي ستقام، ولأول مرة يكون بالإمكان تأسيس دولة ثواب وعقاب".

هكذا تناغم هذا الطرح مع كلام (غي باخور) المستشرق والصحافي والمستشار (الإسرائيلي) المعروف، والباحث في "مركز هرتسليا" وهو أشهر مراكز البحث (الإسرائيلية)، بتاريخ 16 حزيران 2005 على صحيفة "يدعوت احرنوت" والذي أكد نفس الأقوال، وهو ما يجعله من راسمي سياسة (إسرائيل). (محمد حسن ألخالصي: حرب التضليل تقسيم العراق.... خطة كيسنجر وأدواتها العراقية، دار بابل، عدة مقالات نشر أولها بتاريخ: 14/8/2005.) كما سنرى أطروحات هذا الأخير عندما نتكلم عن أمريكا وعملية التقسيم.

علماً بأن غي باخور قال: "أنه في حال لم يسفر الاحتلال الأمريكي للعراق، عن تقسيم هذا البلد، فأنه يمكن اعتبار الحرب الأمريكية عمليه فاشلة من أساسها ولم تحقق أهدافها".

واعتبر باخور في ندوة إذاعية بثتها الإذاعة (الإسرائيلية) أنه "يتوجب القضاء على الوحدة الجغرافية للعراق وتسهيل إقامة دويلات طائفية في البلد"، مشدداً على "ضرورة أن يتم أولا إضعاف الوجود السني"! في العراق وضرب "حركات المقاومة السنية"! هناك بكل قوة حتى لا يتحول "الكيان السني"! في "العراق الجديد" إلى نقطة انطلاق كبيرة لتهديد المصالح الأميركية و(الإسرائيلية). (علاء الدين الأعرجي: تقسيم العراق مؤامرة".. مشار له)، و(باحثون صهاينة يدعون إلي إضعاف الوجود السني وتفتيت العراق "مفكرة الإسلام" 13/11/2006).

 

2 - حسب صحيفة "النيويوركر" الأمريكية فإن هناك مخططاً (إسرائيليا) لتفتيت العراق وإقامة دولة كردية في الشمال، وذكرت الصحيفة أن الخطة ' B ' التي اعتمدتها المخابرات (الإسرائيلية) للتعاون مع الأكراد في إقامة دولتهم تقوم على تدريب الكوماندوز الأكراد للقيام بعمليات خاصة داخل الأراضي السورية والإيرانية والتركية لصالح (إسرائيل) تشمل التجسس والتخريب وغيرها.

وفى الحقيقة فإن دور "الموساد" الصهيوني في الموضوع الكردي العراقي، وربما الكردي التركي والإيراني أمر ليس جديداً، بل هو قديم ومعروف، يصب في مصلحة (إسرائيل) لتهديد وتفتيت دول مثل العراق، وهذا المشروع قديم كما ذكرنا ولكن الجديد هو أن الاحتلال الأمريكي للعراق أعطى الفرصة الكاملة لتحقيق هذا الهدف.

وتحدث الكاتب الأمريكي سيمور هيرش لنفس الصحيفة عن خطة (إسرائيلية) لتدريب 75 ألف كردي على غرار القوات الخاصة (الإسرائيلية)، وأن (إسرائيل) عملت من خلال المنطقة الكردية العراقية إلى التسلل إلى داخل إيران وأقامت مراكز للتجسس والرصد، ويمكنها أن تفعل ذلك في كل من سوريا وتركيا، وكانت الحكومة السورية قد اتهمت (إسرائيل) بأنها تعد الأكراد للقتال في سوريا والعراق وإيران وتركيا، وهكذا فإن الخطر (الإسرائيلي) من خلال الأكراد يهدد عدداً كبيراً من الدول العربية والإسلامية، الأمر الذي يقتضي التحرك والتنسيق بين هذه الدول لوأد هذا المخطط قبل أن يستفحل خاصة أنه خطر وجودي على هذه الدول!!.

وتتحدث تقارير متطابقة في هذا الإطار عن مخطط صهيوني لتقسيم العراق على أساس طائفي يفضي في النهاية إلى إقامة ثلاث دويلات في الشمال والوسط والجنوب بما يتماشى والأهداف الأمريكية و(الإسرائيلية) في العراق والمنطقة.

وتنظر أوساط عراقية عديدة بشيء من الريبة إلى هذه التقارير التي تتحدّث عن العلاقة الحميمة التي يقيمها أكراد العراق مع (الإسرائيليين) في الشمال خاصة بعد إعلان الزعيم الكردي مسعود البرزاني الذي قال مؤخراً "إن العلاقة مع (إسرائيل) ليست جريمة". (صحيفة أمريكية: "مخطط (إسرائيلي) لتفتيت العراق" "شبكة البصرة" 24/5/2006، و"المخطط (الإسرائيلي)". "الجزيرة".. مشار له)

 

3 - دعا جنرالات وباحثون (إسرائيليون) الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها إلى تشجيع تقسيم العراق بوصفه أفضل وسيلة لخدمة الأهداف الأميركية و(الإسرائيلية) في المنطقة!!.

حيث قال الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية (الإسرائيلية) "عاموس مالكا": "إن غياب العراق عن خارطة المنطقة بمساحته الحالية ووحدة أقاليمه سيكون أحد العوامل المهمة في تقليص المخاطر الإستراتيجية على (إسرائيل)"، منوها إلى حقيقة "مشاركة العراق في الكثير من الحروب التي خاضتها الدول العربية ضد (إسرائيل)"!!.

وأكد عاموس: أن تقسيم العراق يقلص من إمكانية الاستفادة من الطاقات البشرية والمادية التي يتمتع بها هذا البلد!!، مضيفاً: "أن العالم العربي بدون العراق الموحد هو أفضل (لإسرائيل) من العالم العربي بوجود العراق الموحد"؟!!.

وقال الجنرال "داني روتشيلد" الذي تولى في السابق منصب رئيس "قسم الأبحاث في جهاز الاستخبارات العسكرية" (الإسرائيلية): أنه يجب على (إسرائيل) أن تحاول تطوير علاقات مع الكانتونات التي تنشأ في العراق الجديد، مشيرا إلى علاقات تاريخية جمعت بين (إسرائيل) وقادة الأكراد في شمال العراق؟!!. (باحثون صهاينة يدعون.. مشار له)

 

4 - تذكر صحافية فلسطينية حادثة مهمة تؤكد ما ذكر سابقاً عندما تقول: بينما كنت أتحدث إلى صحافي (إسرائيلي) يعمل في صحيفة "يديعوت احرونوت" في إحدى غرف "معهد العلوم التطبيقية التخنيون" في مدينة حيفا حول البحث البيئي الذي أجريته في وسطنا العربي الفلسطيني خلف الجدار، وإذا برنين جواله المزعج يخرج صداه من حقيبته ليلتقطه بسرعة البرق وتسقط منه ورقتان دون أن يشعر وينصرف خارج الغرفة للإجابة على المتصل به، وبدا لي أنه واجه صعوبة للتحدث أمامي، غير أن ما همني وشغلني الورقتان الساقطتان فالتقطتهما أنا مجازفة وربما قد أسأت الأدب في تصرفي، بعد أن لفتت انتباهي خارطة للعراق المحتل مقسمة إلى ثلاثة ألوان، أزرق في الجنوب، أحمر في الوسط، أخضر في الشمال، ولاحظت إشارة وتحتها كلمة "هاولار" وإشارة (Z) باتجاه الشمال، وعلى هامش الخارطة لاحظت ثلاث نجوم وقبالة كل كلمة بالعبرية، "موتورولا"، "ماغيل معراخوت"، وتساهل - جيش الدفاع (الإسرائيلي) -.

إما الورقة الثانية كانت خارطة لمدينة كركوك كتب في أعلاها كركوك بالعبرية ولاحظت خطوطا لم أتمكن من إحصائها، وثلاث أو أربع نقاط سوداء لم افلح للأسف في قراءة بعض الجمل المدونة في أسفل الورقة لسوء الظرف فقد كنت ملزمة لإسقاطهما كيفما كانتا".

وتذكر الكاتبة أنه بعد ذلك: "توجهت للبحث في موقع صحيفة "يديعوت احرونوت" ووجدت تقريراً نشرته الصحيفة منذ خمسة أشهر تقريباً حول النشاط (الإسرائيلي) في شمال العراق، وبموجب تفاصيل ومعطيات التقرير فأن عشرات كثيرة من (الإسرائيليين) من ذوي الخلفية العسكرية القتالية للفرق المختارة قد أرسلوا من قبل شركات تجارية (إسرائيلية) إلى المنطقة الكردية خلال السنتين الأخيرتين بهدف تدريب وإقامة فرق عسكرية كردية خاصة ومختارة لحماية الأمن ومحاربة الإرهاب"!!

وربما هذا يفسر لي وجود علاقة بين "شركة ماغيل معراخوت" التي أسسها رئيس جهاز المخابرات (الإسرائيلية) السابق وعضو "الكنيست" الحالي "داني يتوم" و"شركة موتورولا"، ففي السر قامت الشركات (الإسرائيلية) ببناء وتجهيز مطار (هاولار) قرب مدينة أربيل ربما كرمز على طريق إقامة "الدولة الكردية"، وربما هي الشركات (الإسرائيلية) التي تنشئ قاعدة عسكرية في منطقة ما شمال العراق وتعطيها اسما سريا (Z) وقد تكون هذه المنطقة التي يتم فيها تدريب فرق من الأكراد علي السلاح وطرق محاربة الإرهاب وهذا ما يفسر وجود كلمة تساهل علي الورقة.

ولكن للأسف لم تستطع الصحافية المذكورة حل لغز خارطة كركوك فتقول: "وبما يخص خارطة كركوك في الورقة الثانية يزعجني حتى الساعة إنني لم أتمكن من فهم الخطوط وقراءة ما كتب في أسفلها، إلا أن وجودها مع ذلك (الإسرائيلي) - صحافياً كان أم عسكرياً - يثير القلق، فلماذا خارطة كركوك؟ وما مدلول تلك النقاط السوداء والخطوط فيها؟ هل للنفط في كركوك علاقة بالنقاط والأنابيب؟ أم لأمر ما لا نعرفه؟ ولما لم تنشر "يديعوت احرونوت" شيئاً حول كركوك؟ وفي كل ما ذكرته آنفا يحق لي التساؤل لماذا يحتفظ (الإسرائيلي) بتلك الورقتين ويتعامل معهما بحساسية واهتمام بالغين؟! (صابرين دياب: ماذا تفعل (إسرائيل) في شمال العراق؟ "القدس العربي" 18/1/2007)

حسب قناعتنا قضية كركوك واضحة ولا تحتاج إلى جهود كبيرة لحل لغزها، وذلك لأن الكيان الصهيوني يشجع الحزبين الكرديين على المطالبة بكركوك لضمها لإقليم كردستان، وستكون نتيجة المطالبة هذه تقديم خدمات كبيرة لهذا الكيان، أولا إن إصرار هذين الحزبين على هذه القضية سيؤدي إلى قيام حرب أهلية ليس بين العرب والأكراد ولكن بين العرب أنفسهم.

أي بين، حتى المتعاونين مع قوات الاحتلال، أي الطرف الذي سيؤيد مطلب الأكراد هذا والمعارضين له، وستكون المحصل النهائية تحقيق حلم الكيان المسخ، أي تقسيم العراق، كما ستؤدي الحرب الأهلية، إذا وقعت لا سامح الله بإضعاف كافة الأطراف وسيدخل الكيان الصهيوني لفرض هيمنته، على الأقل، على أحد هذه الأطراف، إن لم يفرضها على أكثر من طرف، وهنا تكون قضية النفط تحصيل حاصل.

 

الفصل الثالث: تفتيت العراق والمنطقة

إن المخطط الصهيوني لتقسيم كافة دول المنطقة، وليس العراق وحده، قديم جدا، ولكن قبل أن نقوم بعرض بعض المواقف والآراء حول هذا الموضوع نرى أن نشير إلى ما ذكرناه في بعض مقالاتنا السابقة والتي تؤكد رغبة الصهاينة بتفتيت العراق والمنطقة، حيث ذكرنا:

- في عام 1977 وضع، مستشار الأمن القومي في عهد كارتر و أحد أبرز منظري إدارة بوش حاليا، الأمريكي اليهودي - الصهيوني زبيغنو بريجنسكي تقريرا، استند إلى دراسات أجراها عدد كبير من الباحثين المتخصصين التابعين لأجهزة المخابرات الأمريكية، تضمن هذا التقرير الدعوة، بصراحة، إلى الاستفادة من الحركات الدينية والطائفية والمذهبية والعرقية لغرض تمزيق المنطقة العربية ومنع قيام أية قاعدة مادية قد ترتكز عليها الجهود التي تؤدي إلى بناء ولو حد أدنى من الوحدة والتضامن بين الأقطار العربية.

وقد أكد نفس الشخص: أن "الشرق الأوسط مثلا مكون من جماعات عرقية ودينية مختلفة، يجمعها إطار إقليمي..... تتحول إلى كانتونات طائفية وعرقية يجمعها إطار كونفدرالي." ثم يضيف "وهذا سيسمح للكانتون (الإسرائيلي) أن يعيش في المنطقة بعد أن تصفى فكرة القومية."

إذاً الحرب الصهيونية هي ضد فكرة القومية العربية وأطروحاتها التي تهدد وجود هذا الكيان المسخ.

- وفي عام 1979، وضع أوديد بنيون، أحد كبار المستشارين في وزارة الخارجية للكيان الصهيوني، تقريرا بعنوان (استراتيجية "إسرائيل" للثمانينيات) أكد فيه على ضرورة تشجيع الحركات الدينية والطائفية والمذهبية والعرقية من أجل تقسيم الوطن العربي، باعتبار أن ذلك يشكل الضمان الوحيد لأمن الكيان الصهيوني ووجوده ومستقبله (د. عبد الإله الراوي: انتصر أهالي الفلوجة.... وأرغموا الولايات المتحدة للخضوع لمطالبهم، كيف ستحل مشكلة الصدر وأعوانه؟. "القدس العربي" 25/5/2004)، و(الدكتور: عبد الإله الراوي: (من يقف وراء تفجير الروضة العسكرية في سامراء.. محاولة لكشف الحقيقة) "شبكة البصرة" 25/2/ 2006.

وللتدليل على ما ذكرناه نقدم بعض المشاريع الصهيونية التي تصب في منحى تقسيم المنطقة العربية، ولكن قبل ذلك سنثبت بعض الخرائط التي تقدم الدليل القاطع على ما ذكرناه.

 

 

هذه الخارطة وصلتنا من أحد الأخوة بتاريخ 15/8/2006

 

 

هذه الخارطة مع المقال المذكور سابقاً بعنوان: "جنرالات وباحثون إسرائيليون يدعون إلى تقسيم العراق"

 

ومن خلال النظر إلى الخارطتين نستطيع أن نكتشف الخطة الجهنمية للكيان الصهيوني لفرض سيطرته على المنطقة من خلال توسعه أولا وتفتيت كافة الدول التي قد تهدد وجوده وأمنه، كما نلاحظ بأن أطماع الكيات الصهيوني لا تكتفي بتحقيق شعارهم (من الفرات إلى النيل) بل توسع هذا الكيان ليلتهم القسم الأكبر من الوطن العربي، فبالإضافة إلى العراق بأكمله يحلمون بضم كل أة القسم الأكبر من الأردن وسوريا ولبنان والسعودية ومصر، كما أن التقسيم أو بالأحرى التفتيت فيشمل كافة الوطن العربي بالإضافة إلى تركيا وإيران ولكن بالنسبة لإيران، حليفهم الاستراتيجي، فسيتم تعويضها كما سنشير إلى ذلك، ولكن صمود مقاومتنا البطلة وبمساندة كافة الشرفاء من العراقيين والعرب فإن أحلامهم الخبيثة سيتم إجهاضها بعون الله.

أما بالنسبة للمشاريع فنذكر منها:

1 - في عام 1979 وضع خبراء (إسرائيليون) دراسة تحت عنوان "إستراتيجية (إسرائيل) في الثمانينات" نشرتها مجلة "إيغونيم" للدراسات في عددها الصادر في فبراير 1982، والدراسة تتحدث بالتفصيل عن ضرورة تقسيم "الشرق الأوسط" من باكستان حتى المغرب، على قاعدة أن يكون لكل جماعة دينية (مسيحية أو إسلامية) أو مذهبية (شيعية - علوية - درزية) وإثنية (كردية - بربرية) كيان سياسي خاص بها"، وذهبت الدراسة إلى أبعد من ذلك، عندما نظّرت "لتقسيم مصر إلى إسلامية وقبطية"، بحيث لا تبقى دولة عربية إلا ويشملها التفتيت والتجزئة والتقسيم. وهذا المخطط من الثوابت الإستراتيجية (الإسرائيلية).

وتبين الدراسة أن "الأمن الاستراتيجي (الإسرائيلي) لا يمكن تحقيقه من خلال التفوق العسكري فقط، فلابد من ضرب الوحدات الوطنية في كل دولة عربية، ولابد من إثارة الفتن فيما بين الدول العربية، ولابد من تعميق الهوة بينها وبين دول الجوار غير العربية من تركيا في الشمال، إلى إيران في الشرق إلى السنغال في الغرب وإثيوبيا وتشاد في الجنوب"، ولعل في هذا ما يفسر دور "المحافظين الجدد" في الولايات المتحدة ومعظمهم من اليهود الذين يحملون الجنسيتين الأميركية و(الإسرائيلية).

ولتحقيق هذا الهدف وفرض سيطرة الصهيونية العالمية والمسيحية الصهيونية على العالم فيجب القضاء ليس فقط على فكرة القومية العربية بل على الإسلام أيضا ولذا، في مطلع شهر مارس 2003، نشرت صحيفة "هآرتس" ( الإسرائيلية ) تصريحاً لوزير السياحة (الإسرائيلي) "بنلي آلون" قال فيه: "من الواضح أن الإسلام في طريقه إلى الزوال.. فما نشاهده اليوم في العالم الإسلامي ليس انتفاضة إيمان قوية، بل انطفاء جذوة الإسلام. أما كيف سيزول، فبكل بساطة، بقيام حرب مسيحية صليبية ضد الإسلام في غضون بضع سنوات، وستكون هذه الحرب الحدث الأهم في هذه الألفية، وطبعاً سنواجه مشكلة كبرى حين لا يبقى في الساحة سوى الديانتين الكبيرتين اليهودية والمسيحية، غير أن ذلك ما زال متروكاً للمستقبل البعيد".

وكانت فرق من المبشرين قد اجتازت منذ سنوات الحدود التركية- العراقية في الشمال، وتمكّنت من التغلغل في المجتمعات القبلية العربية والكردية مستثمرة الحاجات الإنسانية للناس هناك من أجل الترويج لعقيدتها الدينية. (محمد السماك: مشروع تقسيم العراق... أين المفاجأة ؟!.. مشار له)

 

2 - حسب صحيفة "النيويوركر" الأمريكية فإن مصلحة "إسرائيل" في تهديد وتفتيت دول مثل العراق وإيران وسوريا وتركيا أمر بديهي ومعروف أيضاً. (المخطط "الإسرائيلي" لتفتيت العراق.. مشار له)

 

3 - منذ عام 1983، مثلا، اقترح - المستشرق "برنارد لويس"، إضافة لتقسيم العراق الذي أشرنا إليه، إقامة دولة كردية في الشمال العراقي والشمال الشرقي من إيران وغرب سورية وجنوب تركيا... كما اقترح تقسيمات أخري في مصر وسورية والسعودية. (علاء الدين الأعرجي: تقسيم العراق مؤامرة.. مشار له)

 

4 - في الواقع أن فكرة تجزئة كافة الدول العربية إلى وحدات صغيرة موضوعة متكررة نُشرت في الثمانينات وهي مستمرة.

"شاهاك" - البروفسور في "جامعة هيبرو"، في القدس المحتلة ورئيس "منظمة حقوق الإنسان (الإسرائيلية)"، كتب عام 1982: إن فكرة تجزئة كافة الأنظمة العربية إلى وحدات صغيرة تتفاعل باستمرار في التفكير الاستراتيجي (الإسرائيلي) "هارتس" 6/2/1982. (هل بدأ تنفيذ الحلم الصهيوني.. مشار له)

وعن نفس الخطة المذكورة، والتي قام "شاهاك" بترجمتها إلى الانكليزية، يقدم أحد الكتاب لها شرحاً أكثر تفصيلاً حيث يقول:

أن جوانب الخطة الصهيونية - الإمبريالية لتقسيم العراق وبقية الدول العربية على أساس "عنصري، ديني، وطائفي"، وهذه الخطة (الإسرائيلية) ليست سراً وإنما هي معلنة ومنشورة منذ عام 1982، حيـث عقدت المنظمة الصهيونية العالمية بالتعاون مع منظمة "ايباك" مؤتمراً لتفعيل العمل من أجل تقسيم الدول العربية على مرحلتين زمنيتين تنتهي الأولى عام 2020 والثانية عام 2030 ابتداء من الصومال وانتهاء بمصر والسعودية.

لقد نشرت هذه الخطة لأول مرة باللغة العبرية بقلم الصحافي "أويديونسون" الذي كان يعمل موظفاً في وزارة الخارجية (الإسرائيلية) تحت عنوان (إستراتيجية "إسرائيل" خلال الثمانينات) في مجلة "كيفيوم" الناطقة بلسان قسم الإعلام للمنظمة الصهيونية العالمية في (العدد 14 شباط - فبراير 1982) وقد ترجم هذه الخطة من اللغة العبرية إلى الانكليزية الكاتب "إسرائيل شاهاك" وأوضح وبين طابعها العنصري باعتبارها نسخة طبق الأصل من الفكر النازي التوسعي الذي ساد أوربا في العقد الرابع من هذا القرن.

تقوم خطة (إسرائيل) في تقسيم العراق والوطن العربي على فرضيات عديدة أهمها:

أن بقاء (إسرائيل) كدولة يهودية يبدو مستحيلاً رغم استمرار الوضع الراهن للدول العربية، لذا يجب على (إسرائيل) على المدى البعيد لكي تبقى أن تصنع قوة إمبريالية كبرى تنشر هيمنتها على كل المنطقة، وهذا لا يمكن أن يتم بدون إضعاف الدول العربية وذلك بتقسيمها إلى دويلات عنصرية ودينية وطائفية متحاربة، وبالتالي معتمدة من الناحية الاقتصادية والعسكرية على (إسرائيل).

مؤكداً: إن تقسيم الدول العربية إلى دويلات عنصرية ودينية وطائفية يعطي مبرراً شرعياً لوجود (إسرائيل) كدولة عنصرية، وينهي إلى الأبد فكرة تعايش الديانات والقوميات والطوائف في دولة واحدة.

وإن (إسرائيل) ترى أن تشجيع الأقليات القومية والدينية والطائفية في الوطن العربي على الانفصال لا يمكن أن يتم إلا عن طريق إقناع تلك الأقليات بالاعتماد عليها وعلى الغرب الإمبريالي في نيل الاستقلال مما يسمونه "الاستعمار العربي".

والأهم من ذلك هو إقناع تلك الأقليات بأن اضطهادها في الوطن العربي لا يمكن أن يفسر بكونه "اضطهاداً طبقياً، بل هو اضطهاد عنصري أو ديني أو طائفي" (محمد حسن الجبوري: الفيدرالية خطة أمريكية "إسرائيلية"... مشار له).

 

5 – وحول "إعادة رسم خارطة المنطقة" نذكر ما أوردته صحيفة (السبيل) الأردنية بتاريخ (1/1/2003) حول ما قاله " زئيف شيف، " أحد أبرز " المعلقين الاستراتيجيين " في الكيان الصهيوني،: "إن الفوائد الإستراتيجية التي ستجنيها (إسرائيل) في حال نجحت الولايات المتحدة في التخلص من نظام الرئيس صدام حسين، لا يمكن تصورها، إنها بلا شك ستكون زلزالاً حقيقياً سيؤدي إلى تغيير خارطة المنطقة بشكل جارف ولصالح " إسرائيل " بشكل أساسي".. وينقل "شيف" عن قادة الدوائر الأمنية والسياسية (الإسرائيلية) القول "إن المحادثات السرية التي أجراها ممثلو الدولة العبرية في واشنطن حول الحرب المحتملة ضد العراق قد أثمرت في التوصل إلى تفاهمات هامة مع الأمريكان". (د. فؤاد الحاج: "مشروع الشرق الأوسط الكبير".. مشار له).

وختاما نقول: أن إجهاض هذه المشاريع الصهيونية، التي تحاك ضد وطننا الجريح وضد أمتينا العربية والإسلامية، لا يمكن تحقيقه إلا بتوحيد كافة فصائل المقاومة العراقية البطلة وبالتنسيق مع جميع الأحزاب والحركات العربية والإسلامية المخلصة، مع وقوف كافة العرب والمسلمين الشرفاء، وقفة واحدة، لمساندة هذه المقاومة.

وقد قال سبحانه وتعالى ((واعتصموا بحبل الله ولا تفرقوا..)) صدق الله العظيم.

hamadalrawi@maktoob.com

http://www.grenc.com/a/Aalrawi

10/10/2007