وثورة المجد في تموز مولدها

بيضاء كالبدر تزهو بالنياشين

بقلم: زيدون علي ال بدر - العراق

كانت ولا تزال ثورة السابع عشر الثلاثين من تموز المجيدة العنوان الأبهى في تاريخ العراق والأمة والعالم اجمع، فمنذ انطلاقتها قبل 39عاما، كانت ثورة تموز عملاقة وعظيمة وعربية حرة مؤصلة وناصعة البياض..

هكذا كانت ولادتها المباركة يوم اعتلى ثلة من مناضلي البعث تساندهم سواعد النشامى من أبناء قواتنا المسلحة صهوات الدبابات لتقتحم بوابات القصر الجمهوري عنوة صبيحة يوم 17 تموز معلنين مولد ثورتهم المنتظرة والمطرزة بأكفهم البيضاء وبإيمانهم المطلق بالله تعالى وبقدر هذه الأمة العظيمة ورسالتها المحمدية الخالدة على مدى الدهور والأزمان، ليعلنوا للعالم اجمع تحرير الأمة من كل قيود التبعية الذليلة لقوى الاستعمار وقوى الطاغوت والظلم، وكانت الانطلاقة المباركة من العراق قاعدة التحرر والانعتاق وليعيدوا الأمل إلى شعبنا العربي والحركات التحررية في الوطن العربي وعلى امتداده بعدما إصابتهم نوبة الشعور بالخنوع والذل والهزيمة من جراء النكسة الأليمة عام 1967، وصاغت للعراق قدره الأبهى والأسمى وشرفته بحمل راية النضال والجهاد المقدس ليمضي بها على طريق الخلاص والتحرر والانعتاق لهذه الأمة التي طالت رقدتها على وسادة التمني وبعدما طال ليل سباتها وانكسارها وكثرت هزائمها وسلبت أراضيها وانتهكت مقدساتها وحرماتها وصودرت ثرواتها وشلت قدراتها وبددت أحلامها وآمالها بعد أن ضيع رويبضات الحكم تاريخ عزها ومجدها التليد بانجرارهم وتسربهم ضمن قطيع العمالة للأجنبي سائرين وراء سراب ومخططات الصهيونية الامبريالية.

فكانت ثورة تموز المجيدة محط أنظار وتطلع شعبنا العربي في العراق والجماهير العربية على امتداد الوطن ومعها جميع قوى وحركات التحرر في العالم لتلتف حولها وتعانق ذرى مجدها وخطى عزها نحو تحقيق آمالها وأحلامها في تحرير المقدسات المغتصبة والثروات المستلبة وبناء مستقبل الإنسان وتشييد حضارته المعاصرة، وفي الوقت عينه كانت دوائر الامبريالية تعد العدة لإجهاض هذا الوليد المبارك لما استشعرته من خطر يهدد مصالحها ومشاريعها المستقبلية في المنطقة فعمدت إلى التصدي لهذه الثورة بكل ما أوتيت من قوة وبإشارة منها إلى أجهزة مخابراتها وعملائها في المنطقة لزرع العقبات في طريق مسيرتها العملاقة، إلا أن ثوار تموز وقادة حزبنا العظيم حزب البعث العربي الاشتراكي انتبهت إلى الخطر الداهم الذي يهدد هذه الثورة الوليدة مستفيدة من تجربتها السابقة وتجارب الثورات التحررية الأخرى وبداريتها المسبقة لما تحيكه هذه الدوائر من شباك تآمر لتحد من انطلاقتها ونهج سيرها فقامت وبوثبة ثورية أخرى إلى تخليص الثورة من ماعلق بها من طفيليات وغب مرور أيام قليلة من يوم انطلاقها لتطهر الثورة من بعض المدسوسين فيها يوم الثلاثين من نفس الشهر، وتصفية شبكات التجسس التي زرعتها تلك الدوائر في العراق بتدبير من دول الجوار.

لتشرع أبواب النور ويعم على ربوع الوطن الحبيب من نافذة افقها الرحيب ولتبدد عتم الليل وتزيح جبالا من الهموم عن صدور الجماهير المضطهدة والرازحة تحت وطأة الظلم والحرمان والمرض والجوع والجهل والتخلف وكل ما خلفته عهود الرأسمالية والإقطاع والدكتاتورية والتسلط، وأن التفاف أبناء شعبنا العربي في العراق حول شعلة البعث ووهج ثورته العملاقة كان الأساس لبناء وحدة وطنية متينة وقوية لا تنفصم ولا تتمزق عراها لتكون أول انجاز باهر من منجزات الثورة المباركة بعدما كانت شتاتا عربا وكردا غربا وشرقا فتوحدت مشارق الوطن ومغاربه في إطار الدولة العصرية والثورة البهية ليشكلوا أروع لوحة للتآلف والتكاتف والبذل والتضحية من اجل الوطن الواحد وإعلاء كلمته وانجاز نصره ولقد تجسد هذا التلاحم المصيري في معركة الصمود التي صنعت انتصار التأميم الخالد الذي أرهق كل قوى الشر والطغيان والرأسمالية العالمية وأذهل الصديق قبل العدو وفي أثرها كانت الضربة الثانية التي قصمت ظهر الاستعمار والامبريالية عندما أنجز الجيش العراقي الباسل نصره بالقضاء على الجيب العميل في شمال الوطن وأنهت تمرده الخائب وإعادة هذا الجزء المهم إلى لحمة وسدية الوطن الواحد، وضمنت للعراقيين الأكراد حقوقهم ومكانتهم الطبيعية في تجربة فيدرالية فريدة من نوعها في العالم،  وقد وثقت هذه التجربة في بيان 11 آذار الخالد.

وعلى مدى عقد من الزمن لم تترك الثورة شبرا من ارض العراق دون عمران وزراعة وبناء وتعليم وأمان وطمأنينة ولم تتخلى عن الأمة في كل قضاياها المهمة ولم تتخلى عن جميع حركات التحرر في العالم وكانت تمد يد العون والمساندة والمناصرة للشعوب المضطهدة والحالمة بالتحرر ودعهما وكان لها حضورها في المحافل الدولية بل ساهمت في تأسيسها وإنعاشها وتقوية أركانها، وكانت فلسطين تأتي في أولويات ثورة تموز وجعلت من قضية تحررها محورا لنضالها وجهادها.

لقد عم خير الثورة المباركة على الإنسانية جمعاء ولم تقتصر على أبناء العراق فقط بل كانت منارا لكل الخيرين في العالم وأصبحت مثلا يحتذى ويهتدى به للوقوف بوجه الظلم والطغيان، هذا الأمر وحجم الانجازات العظيمة الأخرى التي حققتها الثورة وفي عمرها الفتي لم يرق لدوائر الشر وفي مقدمتها أمريكا، فكانت تعد العدة للقضاء على الثورة وإخماد شعلتها التي أصبحت خطرا يهدد مصالحها في العالم أجمع وليس في حدود المنطقة ويهدد مستقبلها وكيانها، فضلا إلى أن التنمية في العراق وبعد ان ملك ثروته ولأول مرة في تاريخه، أخذت جميع أبعادها المادية والبشرية وظهرت حالة تصنيع مدنية وعسكرية لم تكن مسبوقة في تاريخه وظهر جيش من أفضل جيوش المنطقة والعالم الثالث يلبي نداء الأمة وقد وضعته قيادة البعث في خدمتها وحمايتها فكان المقدام في حماية دمشق من الاحتلال الصهيوني عام 1973 وسباقا في جولاته الجسور على الجبهة المصرية والأردنية.

لقد تميزت ثورة تموز باستثمار الطاقات البشرية بعد تثوير مكامن الإبداع والهمة فيها فملك العراق طبقة من العلماء والباحثين وفي جميع مجالات العلوم الإنسانية مكنته من ارتقاء سلم الحضارة بقدراته الوطنية دون الاعتماد على الدول المحتكرة لهذه العلوم، وحرصت على تقديم أفضل الخدمات للمواطن العراقي بدءا من تعليمه ومحو أميته إلى تقديم الخدمات الصحية وتوفير الغذاء وزيادة القدرة الشرائية للمواطن فلم يعد هناك فقيرا أو طبقة وسطى فقضت على البطالة والجريمة بتوفير فرص العمل للجميع بل تعدت إلى استقدام اليد العاملة من الدول العربية.

وبعد أن فشلت المخططات الاستعمارية للتآمر على الثورة وقيادتها وحكمها الوطني في العراق والتي نفذها أعوانهم الصغار أمثال البرزاني والطالباني وأقزام الكويت وقبلهم شيطانهم المدلل وزبانيته في قم وطهران والأدوار الأخرى التي قامت بها بعض الأنظمة العربية وتحطمت آمالهم على صخرة الصمود والاقتدار العراقي وثورته العملاقة وظل العراق عصيا منيعا عليهم وأيقنوا بان مارده القادم سيمحقهم جميعا بعد أن أصبح منارا لكل دول العالم التي تسعى وتناضل ضد طغيان وجبروت أمريكا وعولمتها البغيضة، هنا كشفت أمريكا عن نواياها علانية وقررت أن تنازل هذا المارد العملاق بنفسها وان تحشد كل أتباعها وعملائها والهيئات الدولية المؤتمرة بأمرها وما تملكه من قوة وجبروت وسلاح فتاك وترسانة عسكرية كانت قد خزنتها لحرب كونية ثالثة متوقعة مع ضدها الشرقي التي تهاوى وسقط في حرب سياسية باردة، ولم يكن أمام المارد العراقي إلا اختيارا واحدا وهو قبول المنازلة بعد أن استنفذ كل محاولاته لتفادي هذه الحرب دون المساس بثوابته الوطنية والتي كفلتها له شرائع السماء وقوانين الأرض، فبدءوا حربهم بما يسمى "حرب تحرير الكويت"، والحصار الجائر بما يزيد عن اثنتي عشر سنة، ثم الغزو الامبريالي الأمريكي لتدمير العراق وطنا ودولة وقتل الثورة في مهدها وتدمير قلعتها الشامخة ومحركها البعث العظيم للخلاص من هذا المارد العربي لصالح الصهيونية والهيمنة على ثرواته وبشكل خاص ثروة النفط، ثم تنفيذ مشروعهم المستقبلي ورسم خارطة المنطقة والعالم وفق ما تقتضيه مصالحهم.

لقد أدرك ثوار تموز أن الثور الأمريكي وبعد أن خرج منكسرا خاسرا ومن تبعه من جيوش أكثر من 33 دولة وأخرى تسانده بإمكاناتها المادية سوف يبقى يتخبط في ساحة المعركة وان المنازلة مازالت قائمة لكن هذه المرة مع ثور هائج مثخن الجراح يحاول أن يثير حوله غبارا وجلبة توهم العالم بأنه المنتصر ولم يترك سبيلا إلا واتخذه لصولته القادمة إمام جولة المارد العراقي فينما هو كذلك يطبق على عراقنا بحصار ظالم ومقاطعة اقتصادية تامة ومنع العراق من إدامة ترسانته العسكرية وتطويرها بل راح ابعد من هذا مستخدما ذرائع وقرارات ينفذها تابعيه في ما يسمى مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة لتدمير أسلحته التقليدية وما يملكه من صنع يده وتدمير بناه التحتية والخدمية من جراء حصار ظالم وجائر طال كل شيء، ظناً منه بأنه سيحد من قدراته على المواجهة القادمة ملوحا بعصا التهديد والوعيد ومجندا اكبر عدد من الهاربين من العراق من الفارين من الخدمة العسكرية ومن أحكام قانونية وممن تساقطوا عن ركب مسيرة الثورة وركب الحضارة في العراق مع عملائهم المعروفين في المنطقة والخونة من العراقيين ممن باعوا دينهم ووطنهم للأجنبي، كل هذا لن يهز شعرة في شوارب الثوار المؤمنين بحتمية انتصار الأمة وعدالة قضيتها وصانعي أمجادها، عشاق الشهادة والحرية والسلام فرسان البعث وقادته النجباء الشرفاء المجاهدين في سبيل الله والأوطان والإنسان.

لقد توهم العملاء وأسيادهم بأن ثورة تموز سريعة الكسر والعطب وبأنها سرعان ما تتلاشى أمام ما يملكون من قدرات عالية من التكنولوجيا العسكرية وماكنتهم الإعلامية وأن العراق لا قدرة له على المطاولة في غياب قدرات ومقدرات القوة لدى قواته المسلحة وأنهم يمتلكون السماء في غياب القوة الجوية العراقية وتحييدها بمناطق الحظر الجوي وقد غفلوا عن فهم الحقيقة بان الثورة والبعث يشكلان روح الأمة ومصدر قوتها وتطلعاتها وليس بمقدر أي قوة على الأرض أن تزيلها أو تحد من وثبتها الوجودية وأنها تستمد عزيمتها وعنفوانها من نبع الرسالة المحمدية الخالدة وأنها امتداد لمعانيها وروحها.. ولأنها كذلك فقد قلبت ثورة تموز صفحة المواجهة من مواجهة نظامية يملك فيها العدو كل مقومات التفوق العسكري وال‘علامي إلى صفحة حرب تحرير شعبية لا يملك العدو فيها ‘لا بوادر الهزيمة والخيبة والاندحار والخذلان لكل مشاريعه في المنطقة.

لقد ظنوا وخاب ظنهم بأن ثوار تموز ما هم إلا طبقة فوقية همها الاستحواذ على كرسي الحكم والتمتع بملذات السلطة وتمارس سلطتها على الشعب وأنهم سيزولون هذه الطبقة لمجرد إسقاط نظام الحكم في العراق وسينتهي دور القيادة بعد أن يتمكنوا من بناء أساس دولتهم القادمة تحت حماية حراب المحتل وقوته ودستوره وفرضه على الواقع السياسي في المنطقة تحت غطاء لوجستي أمريكي وسوف يسهل عليهم هدفهم هذا إن استطاعوا من حل الجيش العراقي وتفكيك بنيته ويحلو المؤسسة الحزبية واجتثاثها وان يطلقوا العنان لأجهزة إعلامهم لزرع بذور الفتنة الطائفية والترويج لمشاريعهم وأحلامهم كل وفق هواه وما يتمناه ومحاولة تطبيع الشعب العراقي على الحياة الاحتلالية والقبول به على أساس حرية المواطن المزعومة من خلال ما يسمى مؤسسات المجتمع المدني ممنين النفس بعد اجتياح بغداد يوم 9 نيسان الأسود بالقضاء على ثورة تموز وإخماد جذوتها المتأصلة في صدور النشامى من مناضلي البعث العظيم والرجال الصامدين الثابتين من أبناء القوات المسلحة وقوات الأمن الداخلي ورجال المهمات الخاصة مقاتلي الحرس الجمهوري والحرس الخاص وأشبال القائد وفدائيي العراق وتلحق بهم سواعد المجاهدين من أبناء العراق البررة على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم وطوائفهم والنخبة المهاجرة الى الله ورسوله مجاهدي العروبة والإسلام ليطلعوا شمسا في سماء الله والعروبة والإسلام لا تحجبها قطع غيم الاحتلال وعتم ليل المجوس واليهود ولا يوهنها ضعف المتخاذلين ورويبضات الأمة وليعلوا راية العدل والحرية والإسلام على ربوع دولة الإيمان والعدل ولتخفق عالية بيضاء راية تموز المجيدة في سماء الله.

تحية لثوار تموز في عيدها الأغر في سوح المنازلة للقائد المجاهد حفظه الله ورعاه في زنزانة الأسر ولنائبه الشيخ المجاهد الأمين ومن معه من النشامى الصادقين قادة الجهاد والمقاومة في ارض الرافدين.

 

طوبى لشهداء العراق والأمة

طوبى لثوار تموز والبعث العظيم، طوبى للرجال الرجال من أبناء العراق مجاهديه النشامى وثواره الأمناء على رسالة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، جيش محمد وجيش المجاهدين وجيش أنصار السنة والجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين وجيش تحرير العراق وفرسان وكتائب وفصائل وجبهات وحركات وقوى تناضل وتجاهد تحت راية الله اكبر

ولله در الشاعر الذي أنشد في تموز:

يبلى الزمان ولا تبلى عناويني

عين الإله من الأعداء تحميني

عين الإله مدى الأيام تحرسني

بالعز أحيا ويزهو في مياديني

تموز آت على الدنيا ليبهرها

في كفه الجود مدرارا ليحيني

وثورة المجد في تموز مولدها

بيضاء كالبدر تزهو بالنياشين

بيضاء شادت على الجوزاء رايتها

ليشرق المجد بدرا في الأحايين

وقائد الشعب في تموز فجرها

وفجر الخير في كل الميادين

يا أيها الفارس المغوار يا بطلا

يا قائدا للذرى صيد الملايين

وقدت جمعا أغاظ الخصم مطلعهم

هم الكماة حماة العرض والدين

هذا العراق وذي الهيجاء صهوته

لو مر ذكر من الأعداء يؤذيني

تجري الشموس خيولا ساحها وطني

وتلك أمجاده في سفر تكويني

موكل بقتال الغز منتخيا

إن مس نخل به ضجت براكيني

مليون علجا وقد رفت بساحتهم

كف المنون من الشم العرانين

وكم حملت سيوف الله في ثقة

بالحق تعلو على جمع الشياطين

إني بسطت على الأفاق أشرعتي

ورايتي عانقت رايات حطين

صمت والريح تثني كل سارية

فلا انثنيت ولا مالت موازيني

أني رفعت على الرايات أغنيتي

مع المكارم وهذا الفخر يكفيني

حسبي دمي راية بالعز قد خفقت

وشمس تموز في الأفاق تعليني

قالوا سيفنى وان ضاقت مسالكه

وألحدت شمسه من غير تكفين

يا ويحهم ما دروا من أين معدنه

بين الأنام ومن أي الرياحين

أني نذرت لهذا المجد قافيتي

فصار تموز نبضا في شرايني