تنجح فرنسا.. ويخفق العرب!
زكريا شاهين
تختصر الكلمات التي تضمنها العنوان، التقييم الذي خرج عن انطباعات الحوار اللبناني في باريس، حتى وإن كان هذا الحوار بمشاركة قيادات الصف الثاني التي قامت بتمثيل القوى والأحزاب اللبنانية، فيما لم تتوصل القيادات الأولى في نفس الأحزاب والقوى إلى أية قواسم مشتركة، عندما تقدم أمين عام الجامعة العربية الممثل للعرب، للعب نفس الدور الذي لعبته فرنسا.
تاريخيا.. لا تخفى عديد القوى اللبنانية تعلقها بفرنسا خاصة المسيحية منها، إلى درجة أن بعض زعماء هذه القوى، لطالما اختاروا باريس منفى لهم إبان الأزمات اللبنانية. ومنهم شخصيات كانت تقود أحزابا كبرى ومؤثرة. بدورها، لم تغب فرنسا عن لعب دور الوصي على لبنان، وإن كان بنسب متغيرة بحسب الأحداث والظروف اللبنانية، منذ أن غادرت مستعمرتها القديمة، تاركة جذورها الثقافية، وعاداتها الاجتماعية بين النخب التي لا زالت توجّهاتها باريسية الرائحة، فرنسية المذاق. الفرنسيون، وبعكس العرب، تمكنوا من إحداث اختراق لازمة تتداخل فيها التعقيدات الداخلية والخارجية إلى درجة أنها تتركها مفتوحة على مصراعيها لكل الاحتمالات بما في ذلك احتمالات الانفجار.
بحضور دبلوماسيّتهم الجديدة، حقق الفرنسيون استجابة شاملة من اللبنانيين لملتقى "سان كلو"، حين نجحوا في إدارة الخلافات اللبنانية دون إغفال العوامل الإقليمية في الأزمة، والتي دفعتهم إلى عدم إغلاق الباب أمام العواصم التي ترتبط بالأزمة بشكل أو بآخر للمشاركة، بل بالعكس من ذلك، فإن الكلام الذي تسرب عن اللقاءات، كان واضحا من حيث الرغبة في احتواء الأزمة والولوج إليها بكل أبعادها بما في ذلك الأبعاد التي هي مختلف عليها لبنانيا. نتائج الحوار اللبناني الذي رعته فرنسا، لم تنته بانتهاء مكان وزمان اللقاء، إذ أن الوعد الفرنسي الذي سيترجم إلى فعل قادم، سيستكمل هذا الحوار، بعد الزيارة التي سيقوم بها وزير الخارجية الفرنسي إلى بيروت في الثامن والعشرين الجاري، حيث سينتقل إلى محاورة الصف الأول من القيادات اللبنانية، لاستكمال الحوار على مستوى أعلى. وهنا أيضا، لم يغفل الفرنسيون دور العرب الذين دعوهم إلى هذا الحوار.
وفي الأساس، لم يكن العرب غائبين عن اجتماعات باريس. فقد شارك فى تلك الاجتماعات ممثل جامعة الدول العربية في باريس ناصيف حتي. لكن حضور العرب، كان حضورا ترافق مع احتجاج خفي على ما يحدث، باعتبار أن المبادرة العربية التي قادها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى قبل الحوار اللبناني تحت الرعاية الفرنسية، لم تحقق أي شيء.
وينقل عن بعض الحضور، أن الجامعة العربية بدت كمن هي محتجة ضمنا على محاولة مصادرة دورها والجهد الذي بدأته، بدليل ما عبّرت عنه تصريحات الأمين العام عمرو موسى، التي تضمّنت انتقادات لكل الأطراف الخارجية التي تضع يدها في ملفات العراق ولبنان وفلسطين، معتبرا أنها ملفات عربية قبل أي شيء آخر. ينقل أيضا، أن الفرنسيون بدوا وقد استوعبوا المعادلة الأكثر تعقيدا وهى معادلة إيجاد مدخل توافقي لحكومة الوحدة الوطنية ورئاسة الجمهورية. لذلك، فقد ركّزوا على هذا الأمر كمدخل لحلول المشاكل العالقة الأخرى، والاهتمام باستمرار قنوات الحوار بينهم وبين الإيرانيين والسعوديين، والتي ظلت مفتوحة في الأيام الأخيرة وساهمت إلى حد كبير في تكريس مناخات ايجابية في ملتقى "سان كلو"، فيما أن الاقتراب من سوريا بدا هو الآخر ممكنا وإن كان مشروطا بالموقف السوري الذي بدوره استبق الحوار بلفتة ايجابية تمثلت في تهنئة الرئيس السوري لنظيره الفرنسي على النجاح الذي حققه بالوصول إلى الرئاسة.
ترى ما الذي يحقق للمبادرة فرنسية النجاح، فيما تخفق عشرات المبادرات العربية؟.. الجواب ببساطة، هو أن العرب، لم يعودوا قادرين على استخدام إراداتهم التي غيبوها إلى درجة أنهم لا يجرؤون على الدخول إلى صلب التحديات التي تواجههم، دون الاستعانة بالآخرين، حين يضعون أنفسهم في موقع التابع وليس الفاعل.